هل وصل التقارب السوداني السعودي إلى مرحلة الاصطفاف؟
عاين- 17 سبتمبر 2026
أظهرت المملكة العربية السعودية مؤخرا، موقفاً مغايراً حيال الملف السوداني؛ فمن وسيط رئيسي في منبر جدة إلى خلق علاقات مع الجيش السودان ليست معزولة عن التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بما في ذلك العلاقات المتوترة بين الرياض وأبوظبي منذ أزمة اليمن في ديسمبر 2025.
أصبح النهج السعودي أكثر وضوحاً من خلال تواصلها مع القيادة العسكرية والقوى السياسية المدنية في السودان على حد سواء؛ إذ حافظت الرياض على علاقات وثيقة مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، بالتوازي مع استضافتها لشخصيات سياسية مدنية بارزة، وفقاً لشخصيات مدنية سودانية ومصادر دبلوماسية تحدثت لـ(عاين).
في الوقت نفسه، ارتبط اسم السعودية بجهود تعزيز القدرات العسكرية للقوات المسلحة السودانية، بما في ذلك تقارير عن تقديم دعم بأسلحة باكستانية. ويمثل هذا المزيج بين الانخراط العسكري والسياسي تحولاً هاماً في سياسة الرياض تجاه السودان؛ فبدلاً من الاعتماد الحصري على الخيار العسكري لتحديد مخرجات الحرب، تبدو السعودية مهتمة بشكل متزايد بالتأثير في التوازن العسكري والبيئة السياسية التي ستليه.
حسابات التحالفات الإقليمية
يقول دبلوماسي سوداني سابق بوزارة الخارجية السودانية لـ(عاين): إن “المملكة العربية السعودية في طريقها إلى إبرام تحالف مع مصر، مما يعني أن المكاسب التي ينتظرها السودان في التقارب مع الرياض قد تقتصر على المساعدات العسكرية فقط، بينما تأمل الخرطوم في الحصول على مساعدات اقتصادية”. ويشير الدبلوماسي الذي فضل حجب اسمه إلى أنه من الصعب الحديث عن علاقات استراتيجية بين الدولتين في ظل دخول القاهرة كلاعب رئيسي في التحالف مع السعودية، وهذا ما حملته زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى القاهرة يوم الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 ولقائه بالرئيس عبد الفتاح السيسي.

ويضيف الدبلوماسي: “وجود مصر في أي تحالف إقليمي لا يسمح للسودان ببناء علاقات استراتيجية، وهذا ما سيحدث حيال الملف السعودي؛ إذ سيكون الدور المتاح للسودان مقتصراً على المساعدات الإنسانية والتوسط في صفقات الأسلحة مع باكستان والصين”.
تراجع داخل الرباعية وخارطة تحالفات جديدة
بين عامي 2024 و2026، زار رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان السعودية أربع مرات، وشكلت هذه التطورات تحولاً في مسار العلاقة بين الرياض والخرطوم تحت ما يعرف بـ “حماية أمن البحر الأحمر”.
مقابل هذا التطور، كان الدور السعودي في الآلية الرباعية -التي تضم الرياض وأبوظبي وواشنطن والقاهرة لإنهاء النزاع المسلح في السودان- قد تراجع بشكل ملحوظ. ووصف المحلل في الشؤون الدبلوماسية عمر عبد الرحمن هذا التراجع بأنه أثر بشدة على الحرب في السودان جراء التحول من خانة الوسيط الدبلوماسي لإنهاء الصراع إلى خانة دعم طرف عسكري بعينه، وفقاً للمسار الحالي بين الرياض والخرطوم.
بالمقابل، يعتقد عبد الرحمن أن السعودية لم تُجرِ هذا التحول بمعزل عن الخلافات مع الإمارات حول الملفين اليمني والسوداني؛ لأن موقف أبوظبي دفع السعودية لإظهار الانحياز علناً للجيش السوداني والحكومة.
ويشير عبد الرحمن في مقابلة مع (عاين)، إلى أن البيان المشترك الصادر عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قمة القاهرة منتصف سبتمبر الجاري، حول رفض المساواة بين الجيش والدعم السريع، ووصف قوات حميدتي بـ “المليشيا”، يعد تحولاً واضحاً في خارطة التحالفات الإقليمية بالمنطقة، بما في ذلك هذا التحالف الذي يضم السودان ممثلاً في حكومة يقودها الجيش برئاسة عبد الفتاح البرهان.
فيما يرى المحلل الاستراتيجي محمد عباس في حديث لـ(عاين)، إلى أن المنطقة في طريقها إلى تحالفات إقليمية بناءً على التطورات الأمنية في باب المندب بين مصر والسودان وإريتريا والسعودية، وبالتالي فإن العلاقة بين الخرطوم والرياض ستكون استراتيجية في حدود التعاون الأمني، كما يشكل هذا المسار دعماً دبلوماسياً للخرطوم في مجلس الأمن الدولي من قبل الرياض والقاهرة.
وتابع عباس: “تأثير هذا التحالف على حرب السودان سيكون كارثياً، لأنه من الصعب ضمان بقاء السودان متماسكاً في ظل مواجهته لأزمة اقتصادية وإنسانية غير مسبوقة، مع تخلي المجتمع الدولي والإقليمي عنه؛ بسبب هيمنة العسكريين على السلطة القائمة”.
أمن البحر الأحمر
خلال هذا العام، أظهر الجيش السوداني رغبته في تأمين البحر الأحمر، وانضم السودان رسمياً إلى جانب 14 دولة في تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكذلك دفعت الرياض والخرطوم العلاقات الدبلوماسية نحو خطوة عملية في 17 أغسطس الماضي بتوقيع معاهدة المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي، وتضمّن الاتفاق 4 لجان رئيسية أمنية، سياسية، اقتصادية، واجتماعية تغطي 10 قطاعات.

أظهرت الخطوة إمكانية ذهاب البلدين إلى مراحل جديدة. ومع ذلك، لا يمكن الوثوق بحتمية حدوث هذه الخطوة؛ وفي هذا الصدد، يصف المحلل في الشؤون الدبلوماسية، عمر عبد الرحمن، العلاقات بين الرياض والخرطوم بـ “الجيدة”، ويشير إلى أن السودان يتطلع إلى الحصول على مساعدات اقتصادية وعسكرية في الوقت نفسه من السعودية، لكن لا يمكن أن يحدث الأمران معاً، مستدركاً بالقول: “لا يوجد بلد يقدم المساعدات العسكرية والاقتصادية معاً”.
رهان على البرهان
وأردف المحلل في الشؤون الدبلوماسية عمر عبد الرحمن في مقابلة مع (عاين): “السعودية تريد إبقاء الحكومة السودانية القائمة حالياً والإبقاء على مؤسسات الدولة، ولو في حدودها الأدنى، لذلك تسعى إلى تثبيت ذلك عبر طرح مبادرة سياسية غير معلنة”. وتابع قائلاً:” الرياض حاولت إقناع عشرات السياسيين وقادة الحركات المسلحة بدعم الجيش السوداني والانحياز إلى الحكومة التي يقودها، لكن هذه الخطة لم تمضِ إلى الأمام، موضحا أن مسؤولين في الرياض أبلغوا قادة سياسيين سودانيين بضرورة دعم البرهان سياسيا، وهذا الأمر لم يقابل بحماس من أغلب ممن التقتهم داخل السعودية.
والأحد الفائت، نشر القيادي المنشق عن قوات الدعم السريع عبر مبادرة سعودية؛ فارس النور مقالاً في صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية يتضمن رؤية لتسوية انتقالية في السودان مدتها سبع سنوات.
وتقترح رؤية النور انسحاب الجيش تدريجياً من السياسة والحكم والاقتصاد، مع الاحتفاظ بدور محدود في مؤسسة رئاسية ذات صلاحيات مقيدة. كما تدعو لتشكيل حكومة مدنية تتولى السلطة التنفيذية والاقتصاد والخدمات وإعادة الإعمار، على أن تخضع قوات الدعم السريع والحركات المسلحة الأخرى لعمليات دمج وتفكيك وإعادة تأهيل لتشكيل جيش مهني موحد.

كما نصت رؤية النور، على انسحاب القوى الإسلامية من “الدولة العميقة” وقطع روابطها التنظيمية مع مؤسسات الدولة والجيش، مع الاحتفاظ بحقها في المشاركة السياسية. وتضمن المبادرة حقوق المناطق المتأثرة بالحرب، وتمنع العقاب الجماعي أو الاضطهاد السياسي، مع إقرار المحاسبة على الجرائم الثابتة، والاعتماد على دورة دستورية مدتها خمس سنوات بعد المرحلة الانتقالية قبل أن تصبح الانتخابات المسار الوحيد للوصول إلى السلطة.
وأفادت شخصيات مدنية ومصادر دبلوماسية لـ (عاين)، بأن ما طرحه النور يتوافق بصفة عامة مع المقترحات والأفكار التي أطلعهم عليها المسؤولون السعوديون خلال النقاشات. ومع ذلك، رفض رئيس حركة وجيش تحرير السودان، عبد الواحد نور المبادرة السعودية معللاً ذلك بالمخاوف من استمرار نفوذ الإسلاميين داخل الجيش.
فيما ترى المديرة المؤسسة لمركز “كونفلونيس أدفايزوري” خلود خير، أن الإشكالية المحورية تكمن في مدى إمكانية الرهان على مؤسسة الجيش التي تدخلت مراراً في السياسة السودانية للإشراف على الانتقال نحو الحكم المدني. وتقول خير لـ(عاين):” أعتقد أن الخلل في منطقهم يكمن في إمكانية الثقة بشخص مثل البرهان -الذي انقلب على حكومة مدنية- لتشكيل حكومة مدنية بنفسه. وأن يتنحى شخص كالبرهان جانباً بعد سبع سنوات -وفقاً لخطط فارس النور- ليتيح المجال لحكومة مدنية. هذا هو الخلل الأكبر في منطقهم وخطة عملهم.”
وتعتقد المحللة في العلاقات الدبلوماسية، عبير محمد الحافظ، في مقابلة مع (عاين)، أن السعودية ترى أن وجود البرهان على رأس السلطة القائمة في السودان أفضل من الفوضى، لذلك -وحتى وهي تعلم أن ثمة تياراً من الإسلاميين يساندون البرهان- لا تكترث لهذا الأمر بقدر ما تريد إبقاء الوضع في السودان “تحت السيطرة” وعدم قبول الفوضى، لا سيما مع وقوع الساحل السوداني على البحر الأحمر في منطقة توترات أمنية تجعل “القادم جحيماً” في المنطقة.






























