تحركات محلية وخارجية.. أصوات الحوار تعلو على الحسم العسكري

عاين- 16 سبتمبر 2026

نشطت خلال الأسابيع الأخيرة تحركات محلية وإقليمية ودولية لإعادة وضع الحوار السياسي في صدارة الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان، في مقدمتها زيارة الآلية الخماسية إلى الخرطوم، بجانب تحركات داخلية لتشكيل مسار للحوار السوداني–السوداني. يأتي ذلك بالتزامن مع تراجع التصعيد العسكري على جبهات القتال وانتقال بعض الأصوات من التمسك بالحسم العسكري إلى مهاجمة القوى الرافضة للحوار.

ووضعت الآلية الخماسية، التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد” والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية، مسألة الحوار في صدارة تحركها الأخير، مؤكدة أن هدفها الدفع نحو مسار سياسي سوداني شامل، بالتنسيق مع الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات وشركاء دوليين آخرين.

وخلال زيارتها إلى الخرطوم في الفترة من 8 إلى 10 سبتمبر الجاري، التقت الخماسية رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء كامل إدريس، ووزير المالية جبريل إبراهيم، وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، وعضو مجلس السيادة مالك عقار، إلى جانب لجنة تهيئة الحوار السوداني بالداخل، كما التقت قوى سياسية ومدنية مساندة للجيش في الحرب ضد قوات الدعم السريع.

وبعد اللقاء، قال مناوي إنهم أكدوا للخماسية أن “أي حوار وطني يجب أن يكون سودانياً خالصاً، وشاملاً لكل القضايا الوطنية، وقائماً على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، وبعيداً عن الإملاءات أو تأثير المليشيات والتدخلات الخارجية. وربط مناوي الحوار بإخراج جميع المليشيات والقوات الأجنبية من البلاد، وتوفير ضمانات دولية وإقليمية لتنفيذ مخرجات الحوار وفق جداول زمنية واضحة.

لقاء لجنة الحوار مع الخماسية في الخرطوم كان مثمراً للغاية وأفسح الطريق لتواصل إيجابي مع الأطراف الدولية

المتحدث باسم لجنة الحوار السوداني

وعقب زيارة الآلية الخماسية سارعت مجموعة الكتلة الديمقراطية التي تضم حركات مسلحة وأحزاباً سياسية مساندة للجيش، إلى عقد ورشة لتطوير رؤية مكوناتها بشأن الحوار وبلورة رؤية سياسية موحدة لمعالجة الأزمة وتعزيز فرص التوافق الوطني.

وكان البرهان قد أعلن عقب مشاورات الخماسية التزام الدولة بتنفيذ مخرجات الحوار الداخلي المرتقب، وتنفيذ التوصيات التي تخدم المصلحة العامة، لكنه اشترط عدم السماح لأي فصيل مسلح بتحقيق مكاسب سياسية عبر العنف، كما استبعد أي دور سياسي أو عسكري مستقبلي للدعم السريع.

من يملك تصميم الحوار؟

وبدت مواقف القوى السياسية متوافقة على مبدأ الحوار، لكنها مختلفة حول من يملك حق تصميم الحوار، وتحديد أطرافه، وما البيئة التي يجب أن يبدأ فيها. يقول المتحدث باسم لجنة تهيئة الحوار عثمان ميرغني لـ(عاين): إن “اللجنة تعمل عبر ثلاثة محاور، سياسي للتواصل مع القوى السياسية، ومجتمعي يشمل الإدارات الأهلية والدينية والنازحين واللاجئين وغيرهم، وخارجي يتصل بالمنظمات والدول”.

قائد الجيش السوداني يلتقي وفد الآلية الخماسية بالخرطوم- الصورة: وكالة السودان للأنباء

ويؤكد ميرغني، أن اللجنة تتحرك وفق خارطة طريق، وأن هدفها الوصول إلى خلاصات في أقرب وقت ممكن، معتبراً أن لقاءها مع الخماسية في الخرطوم كان مثمراً للغاية، وأنه أفسح الطريق لتواصل إيجابي مع الأطراف الدولية. ويرى أن دور الخماسية يختلف عن دور اللجنة، فالخماسية، بحسب قوله، تعمل في المسار السياسي ولا علاقة لها بالمسار العسكري والأمني، بينما تعمل اللجنة على التشاور مع القوى السياسية والمجتمعية لتهيئة المناخ لعقد مؤتمر للحوار السوداني–السوداني. لكن القوى المدنية المناهضة للحرب تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، وترى أن المشكلة ليست في مبدأ الحوار، وإنما في الجهة التي تصممه والبيئة التي يجري فيها.

وقال التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، عقب لقاء وفد منه مع المبعوث الأممي بيكا هافيستو في القاهرة، إن الحوار الوطني الحقيقي يجب أن يكون قائماً على ملكية سودانية، لكنه شدد على أن تصميم المسار السياسي ينبغي أن يتم بالتشاور والتوافق مع القوى المدنية، مع وضع معايير واضحة ومتفق عليها للمشاركة.

تؤكد الخماسية على أنه لا حل عسكرياً للصراع، وطالبت في بيان ختام زيارتها للخرطوم، بأن تقترن العملية السياسية بخطوات ملموسة لحماية المدنيين وإنهاء الأعمال العدائية، ودعت إلى مسار سياسي موثوق وشامل يقوده ويمتلكه السودانيون، ويقود إلى حكومة ديمقراطية مدنية.

وعقب انتهاء زيارة الخماسية إلى الخرطوم عقد ممثل الأمم المتحدة في الآلية بيكا هافيستو، لقاءات مع بعض القوى المدنية الرافضة للحرب، وقبلها كان قد أجرى اتصالا هاتفياً بقائد قوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان دقلو، ناقش معه ذات القضايا التي بحثتها الخماسية في الخرطوم، وفق تصريح للمتحدث باسم الأمم المتحدة.

ويرى تحالف “صمود”، خلال لقائه هافيستو في القاهرة أن الحوار لا يمكن أن يكون منفصلاً عن وقف الحرب، وأن أي عملية سياسية جادة ينبغي أن تتحرك عبر ثلاثة مسارات متكاملة ومترابطة “المسار الإنساني، ووقف إطلاق النار، والمسار السياسي”، بما يعالج جذور الأزمة ويفتح الطريق أمام سلام مستدام وتحول مدني ديمقراطي.

تراجع خيار الحسم العسكري

ويستبعد المتحدث باسم التجمع الاتحادي محمد عبدالحكم أن تكون التحركات الأخيرة مؤشراً على تراجع خيار الحسم العسكري. وقال لـ(عاين) “لا أعتقد أن أصوات الحسم العسكري قد خفتت، وأجزم بأن ما يتم الآن هو إبطاء متعمّد لصوت الحسم العسكري من أجل إتاحة المساحة للجنة حوار البرهان لتأخذ الزخم الأكبر”.

ما يتم هو إبطاء متعمّد لصوت الحسم العسكري من أجل إتاحة المساحة للجنة حوار البرهان

متحدث باسم التجمع الاتحادي

ويعتقد عبدالحكم، أن الأجواء الحالية لا تزال بعيدة عن التفاوض الحقيقي، وأن زيارة الخماسية إلى الخرطوم لم تحدث تحولاً جوهرياً، بسبب انحياز بعض أطرافها إلى القوات المسلحة، وهو ما يرى أنه ينتقص من استقلالية الوسيط. وحول لجنة الحوار التي شكلتها السلطات في الخرطوم، يقول عبدالحكم إن “القوى المدنية الديمقراطية الثورية تعتبره حوار طرشان وحديثاً مع الذات، لأنه لا يجعل وقف الحرب أولوية تسبق العملية السياسية”.

ويؤكد عبد الحكم، أن أي حوار لا يعمل على وقف الحرب أولاً لن يكون قادراً على خدمة أهداف السلام واستعادة التحول المدني الديمقراطي. ويضيف: “طالما أن هذا الحوار لا يعمل ولا يسعى لوقف الحرب أولاً قبل المبادرة بأي عملية سياسية، فهو بالضرورة لن يكون مفيداً لأي من أصوات السلام والأصوات الداعية لوقف الحرب وتداعياتها واستعادة التحول المدني الديمقراطي”.

هل تغيرت حسابات الأطراف فعلاً؟

ويرى الباحث في الشؤون السياسية ودراسات السلام فؤاد عثمان، أن واقع الميدان حتى اللحظة يظهر أن طرفي الحرب ما زالا متمسكين بـ”وهم الحسم العسكري”، مدفوعين بتدفقات الدعم اللوجستي والسلاح من أطراف إقليمية ودولية تغذي الصراع وتطيل أمده. ويضيف لـ(عاين): “هذا المدى المفتوح للحرب حولها من نزاع بين جنرالين على السلطة إلى كوارث ممتدة من التحشيد القبلي والانتهاكات الجسيمة وتمزيق النسيج الاجتماعي. لذا، فإن التفاوض لم يصبح بعد خياراً ذاتياً للطرفين، بل ضرورة ستفرض عليهما عندما تدرك الأطراف الداعمة أن كلفة الاستمرار أصبحت أكبر من العائد السياسي”.

ولا يرى عثمان، أن مجرد انخراط الأطراف في الحوار يعني تغيراً في استراتيجياتها، قائلاً إن الجيش يتعامل بحذر مع مبادرات الخماسية، ويرفضها عندما تتقاطع مع رؤيته، أو تقترب من الرباعية، بينما يحاول الدعم السريع استغلال المبادرات الدولية لتحسين موقعه، في حين تتحفظ القوى المدنية على ما تعتبره إغراقاً للحوار بواجهات محسوبة على النظام السابق.

العقوبات وشرعية الاعتراف الدولي وملفات الدعم المالي وإعادة الإعمار، أوراقاً بيد الخماسية للضغط على أطراف الصراع.

باحث في الشؤون السياسية ودراسات السلام

ويرى فؤاد عثمان، في التنسيق المعلن بين الخماسية والرباعية تطوراً مهماً، باعتباره محاولة لتوحيد الإرادة الدولية ومنع أطراف الحرب من استثمار التناقضات بين المحاور، رغم ما يصفها بالحساسيات المعروفة للجيش تجاه بعض أطراف الرباعية.

الخماسية بين الوساطة والضغط

ولا تتوقف أدوات الخماسية، وفق عثمان، عند الدعوة إلى الحوار، إذ يرى أن لديها أوراقاً يمكن استخدامها لدفع الأطراف نحو التسوية، تشمل العقوبات، وشرعية الاعتراف الدولي، وملفات الدعم المالي وإعادة الإعمار، إضافة إلى القدرة على الضغط على العواصم الإقليمية للحد من تدفق السلاح.

ووفق عثمان، تظل هذه الأدوات مرتبطة بقدرة الخماسية على الحفاظ على صورتها كوسيط مقبول لدى الأطراف المختلفة. يشار إلى أن عدد من القوى السياسية كانت قد انتقدت الخماسية، واتهمت أطرافاً بداخلها بدعم رؤية قائد الجيش عبدالفتاح البرهان.

وفي هذا السياق يؤكد تحالف “صمود” في بيانه الأخير تقديره لجهود الخماسية واستعداده لمواصلة الانخراط معها، لكنه طالبها بألا تتجاوز دورها كميسر للعملية السياسية، وأن يجري تصميم المسار بالتشاور مع القوى المدنية. بينما يعتبر عبدالحكم أن انحياز بعض أطراف الخماسية إلى أحد طرفي الحرب ينزع عنها الاستقلالية المطلوبة لإدارة الحوار وإنهاء الأزمة.

وفي المقابل، لا تبدو مكونات معسكر الجيش راغبة في ترك تصميم العملية السياسية بالكامل للوسطاء الدوليين؛ إذ يشدد مناوي وجبريل ولجنة الحوار على سودانية العملية وملكيتها الوطنية، مع اختلافهم في تفاصيل المشاركة والضمانات والتوقيت.

ويعتبر الباحث في الشؤون السياسية ودراسات السلام فؤاد عثمان، أن لجنة الحوار الداخلي تواجه مشكلة تتعلق بالمشروعية، لأنها تشكلت، في ظل استقطاب حاد وبمعزل عن قوى مدنية مناهضة للحرب، واستندت إلى واجهات محسوبة على طرف واحد. ويستبعد حصول اللجنة على اعتراف أو دعم واسع من الخماسية ما لم تتغير طبيعة العملية، معتبراً أن المجتمع الدولي يبحث عن عملية سياسية شاملة ومستقلة تقود إلى تحول مدني كامل، وليس عن واجهات يمكن أن تمنح شرعية لترتيبات عسكرية.

من جهتها تقدم اللجنة تصوراً مختلفاً، إذ يقول المتحدث باسمها عثمان ميرغني، إن الجيش والدعم السريع لا علاقة لهما بالحوار السياسي والمجتمعي الذي تعمل عليه اللجنة، وإنها تسعى إلى جمع القوى السياسية والمجتمعية على صعيد واحد لمعالجة جذور الأزمة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *