اللاجئون السودانيون بأوغندا في قلب المأساة
عاين- 3 أغسطس 2026
من حي المنشية شرقي العاصمة السودانية الخرطوم إلى مخيم للاجئين يقع شمالي أوغندا، وجد علي إسحق إدريس (22 عاماً) نفسه محاطاً بسلسلة من التحديات، أبرزها الإعاقة الناتجة عن تعرضه لرصاصة طائشة بالعاصمة السودانية. بجانب تردي الأوضاع الغذائية في المخيم.
يقول إدريس لـ(عاين) إنه يعتمد كلياً على المطابخ الجماعية التي أسسها السودانيون في المناطق التي يقطنونها بمخيم “كيرياندونغو” بمقاطعة بيالي شمالي أوغندا، نظراً لكونه بلا عمل أو دعم مالي من المنظمات الأممية أو الدولية.

ورغم أن أحلام العودة تراود اللاجئين السودانيين في هذا المخيم، إلا أن الظروف الاقتصادية والتردد بشأن الوضع الأمني في بلادهم يعطلان قرار العودة لدى الغالبية. من بين هؤلاء سيدة خمسينية تعاني من وجود شظايا في جسدها، وتتردد على عيادة صحية صغيرة في مخيم “كيرياندونغو” متكئة على عصاها. لم تتمكن السيدة، وفق روايتها لـ(عاين) من الوصول إلى مستشفى “مولاغو” لإجراء عملية استخراج شظايا قذيفة صاروخية أصابتها أثناء تواجدها بالسودان خلال النزاع المسلح.
بدت هذه السيدة وكأنها عالقة بين مخيم يوفر الأمان نسبياً للفارين من حرب السودان، وبين تكاليف الرعاية الصحية المرتفعة في أوغندا، في وقت أصبح فيه الاعتماد على وكالات الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية “ضرباً من الخيال” مع تراجع التمويل الدولي والبيروقراطية.
وصل أغلب الفارين من السودان جراء النزاع المسلح منذ منتصف العام 2023، ولا تزال الحدود البرية بين جنوب السودان وأوغندا تشهد تدفقات للسودانيين أغلبهم من إقليم دارفور، حيث يدفع تدهور الوضع الأمني المدنيين للتوجه نحو هذا البلد، بالمقابل، أطلقت لجنة عينتها الحكومة السودانية مبادرة مجانية للعودة الطوعية منذ فبراير 2026، وتمكنت من نقل آلاف الأشخاص العائدين إلى الولايات الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني.
المفاضلة بين الجوع والنزاع
تقول إحدى الأمهات لستة أطفال، وتقيم في مخيم “كيرياندونغو” لـ(عاين): “قررت العودة إلى الخرطوم؛ فالحديث عن الحياة هنا يعني قسوة لا تُطاق. أعلم أن الوضع الأمني هناك ما زال غير مهيأ، لكن التكاليف المعيشية تجبرنا على هذا الخيار، كما أنني أريد ضمان التعليم لأطفالي. من عادوا قبلي أكدوا لي أن الوضع مقبول إلى حد ما، ويمكن العيش فيه رغم الغلاء في أسعار الطعام بالعاصمة”. وأضافت: “سأعود عبر العودة الطوعية المجانية؛ لأنني أعاني هنا يومياً حتى في توفير مياه الشرب، حيث أسير لمسافات طويلة أحياناً، ونحصل على الوجبات من المطابخ الجماعية”.

التكافل في مواجهة الفقر
ويقول سكرتير المطابخ الجماعية للاجئين السودانيين في مخيم “كيرياندونغو” معتصم أحمد محمد، إن الوجبات المجانية تُوزع لـ 17 ألف لاجئ سوداني بحاجة ماسة إلى الطعام يومياً، لأنهم غير قادرين على تدبر أمور حياتهم؛ بسبب الوضع الاقتصادي وعدم وجود فرص عمل، وشبه توقف للمساعدات الإنسانية.
ويشير أحمد في مقابلة مع (عاين) إلى أن منطقة السودانيين بالمخيم تضم 26 مطبخاً جماعياً، خمسة منها تقدم “المديدة” (دقيق الصويا) للأطفال كل صباح حماية لهم من الجوع، وهي مادة معروفة بجعل الشخص يشعر بالشبع لفترة أطول.
ويوضح أحمد أن المطابخ توفر وجبة الغداء في حدود الساعة الثالثة والرابعة عصراً لنحو 17 ألف لاجئ سوداني شخص يومياً، وفي بعض الأحيان تقدم الطعام حتى للاجئين من دول أخرى، لأنه في نهاية المطاف لا يمكن ترك إنسان جائع بالقرب منك.
ويضيف سكرتير المطابخ الجماعية أن التمويل يعتمد على الأفراد أو الشركات السودانية وبعض المنظمات الأوغندية، بينما تدعم وكالات الأمم المتحدة اللاجئين في المخيم بشكل عام، ولا تخصصها لفئة بعينها، وقال إن بعض الأشخاص باتوا يرغبون في العودة إلى البلاد مضيفاً أن محيطه الاجتماعي شهد مغادرة ثلاثة أشخاص على الأقل من المخيم إلى السودان.
تدهور الرعاية وغلاء المعيشة
وشهد المخيم وفقاً لمصادر حالات من سوء التغذية، لا سيما وسط الأطفال وكبار السن خلال العامين الماضيين، كما يفتقر القادمون من مناطق ملتهبة في السودان إلى الرعاية الصحية والنفسية. ويتجنب أغلب اللاجئين السودانيين الإقامة في المدن، لا سيما العاصمة كمبالا، بسبب ارتفاع إيجار المساكن، حيث يبلغ في المتوسط ما بين 150 إلى 200 دولار أمريكي لشقة سكنية صغيرة تسع عائلات تتكون من ثلاثة إلى أربعة أفراد في الأحياء الشعبية.

كما تعتمد خدمات الرعاية الصحية في هذا البلد بالنسبة للاجئين والأجانب المقيمين بالمدن الكبرى على القطاع الخاص، وفي بعض الأحيان تصل فواتير المستشفيات الخاصة إلى ما بين 500 إلى 5 آلاف دولار أمريكي.
تقول الباحثة في الشؤون الإنسانية نهلة حسن لـ(عاين): إن “أوضاع اللاجئين السودانيين في مخيمات الشمال الأوغندي معقدة للغاية، لأن أغلبهم فروا من مجتمعات ريفية كانت تعتمد على الزراعة والرعي، وتوقفت هذه الأنشطة بسبب تدهور الوضع الأمني في كردفان ودارفور وأطراف العاصمة السودانية والجزيرة والنيل الأبيض وسنار.
وتوضح نهلة، أن اللاجئين في مخيم “كيرياندونغو” لا يتلقون إعانات ثابتة أو منتظمة، ويعتمدون على “التكافل السوداني” الذي نقل تجربة المطابخ الجماعية إلى المخيم منذ يونيو 2024 لإيقاف موجات الجوع.
انهيار العملة وتراجع التحويلات
وتعتقد نهلة أن الوكالات الأممية تلعب “دور المتفرج” على أوضاع اللاجئين، وتقول إن المخيم سجل عدداً من الوفيات بسبب الجوع بين عامي 2024 و2025، إلى جانب نقص الرعاية الصحية للحوامل والأطفال حديثي الولادة، مؤكدة أن المجتمع الدولي تقاعس عن التعامل مع أعمال العنف التي وقعت بالمخيم العام الماضي، ولم يكترث لأصوات اللاجئين المطالبة بنقلهم لدولة ثالثة.
ولم يعد اعتماد بعض العائلات على تحويلات شحيحة ترد إليهم من الأقرباء بالعملة الوطنية أمراً يشجع على البقاء، إذ إن تدهور الجنيه السوداني مقابل الشلن الأوغندي وصل مرحلة التلاشي؛ ففي حين كان تحويل 100 ألف جنيه سوداني يعادل 50 دولاراً (و170 ألف شلن أوغندي) في 2024، أصبحت تعادل اليوم 15 دولاراً فقط (و54 ألف شلن).

الحل الأمثل لإنهاء المأساة
يقول أحمد عبد السلام، الذي عمل ضمن بعثة منظمات لفترات طويلة بالمخيم لـ(عاين): إن “الوضع المعيشي يفاقم الحالات الصحية للاجئين بسبب انعدام الغذاء الجيد وعدم الحصول على الرعاية الصحية، إلى جانب الخوف المستمر وحرمان آلاف الأطفال من التعليم”.
ويشرح عبد السلام، أسباباً أخرى قد تدفع الغالبية لمغادرة المخيم صوب بلادهم، تتعلق بالتراجع الكبير للتمويل الدولي وعجز المتطوعين عن تسيير المطابخ؛ بسبب اعتمادهم على تبرعات غير منتظمة، فضلاً عن قناعة راسخة بعدم جدوى البقاء بمخيم يفتقر لأدنى مقومات الحياة.
وختم إفادته بالقول إن وقف الحرب في السودان وإعادة اللاجئين لقرائهم ومناطقهم ومعالجة الوضع الإنساني هو الخيار الأمثل، مشدداً على ضرورة تحرك الحكومة السودانية لحفظ كرامة رعاياها بدلاً من تركهم يواجهون الموت اليومي بسبب الجوع وشح الخدمات.






























