مدنيو قيسان.. نزوح تحت مخاطر الغرق والنهب والقصف

عاين- 19 أغسطس 2026

عندما تصل المراكب الخشبية القديمة إلى الشاطئ الشرقي لمنطقة ود الماحي في ولاية النيل الأزرق، وهي تقل الفارين من معارك قيسان، يسرع المتطوعون المحليون نحوهم لتنظيم حركة الفارين، ويطلبون منهم عدم التجمع بأعداد كبيرة عند نقاط الوصول الإنسانية التي أُعدت بشكل سريع؛ لتجنب استهدافها ولتفادي المخاطر الأمنية المتزايدة على الشريط الحدودي بين السودان وإثيوبيا، حيث أصبحت التجمعات المفتوحة هدفاً سهلاً في ظل التطورات العسكرية المتلاحقة.

ومع تصاعد المعارك في إقليم النيل الأزرق وسيطرة قوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية قيادة جوزيف توكا على مدينتي الكرمك وقيسان 11 و13 أغسطس الجاري، تأزمت أوضاع النازحين المنتشرين في تلك المناطق والفارين من معارك في مناطق مجاورة للمنطقتين.

يقول عضو غرف الطوارئ بمناطق قيسان، يوسف الفحل، اسم مستعار لـ(عاين): “رحلة الفرار من قيسان نحو منطقة شورغلي الإثيوبية كانت خطيرة جداً، وتفتقر لأي أمان. معظم النازحين من النساء والأطفال والشباب، وكان بعضهم يحمل قليلاً من الطعام على رؤوسهم يكفيهم ليومين فقط. التجمع حول نقاط المساعدات يزيد الخطر؛ لذا نوزعهم على معسكرات عشوائية متباعدة لضمان سلامتهم وتجنب الاستهداف المباشر”.

ويكشف توثيق ميداني أعدته “مبادرة المجتمع المدني” بالنيل الأزرق عن اتساع المعارك العسكرية ليشمل مناطق “أغرو” و”خرطوم بالليل” و”خور الدهب”، مما أدى إلى انقطاع كامل لشبكات الاتصال والخدمات الأساسية. تسبب هذا التصعيد في نزوح أكثر من 15 ألف شخص نحو منطقة “بكوري” في ظروف صعبة جداً، بينما اضطر آخرون للمشي في طرق مائية وعرة نحو مناطق “بلقوة” و”المدينة 4″ بود الماحي، تحت الأمطار .

ورسم المتطوع الميداني بغرف طوارئ قيسان، يوسف الفحل، صورة قاتمة للوضع الإنساني المعقد الذي يعيشه آلاف الفارين في النيل الأزرق؛ حيث يتوزع الناس بين مركز المنطقة والمعسكرات العشوائية على الحدود وخطوط المواجهة.

في منطقة قيسان، يعيش نحو 16 ألف نازح في ظروف إنسانية صعبة للغاية، يضاف إليهم نحو 12 ألفاً آخرين فروا سابقاً من منطقتي “أدي” و”عبد الخلاق

ويقول الفحل لـ(عاين): “في منطقة قيسان، يعيش نحو 16 ألف نازح في ظروف إنسانية صعبة للغاية، يضاف إليهم نحو 12 ألفاً آخرين فروا سابقاً من منطقتي “أدي” و”عبد الخلاق”، ليتجمع الجميع في مساحات ضيقة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، مع غياب شبه تام للمياه النظيفة والخدمات الطبية”.

أما في منطقة الكرمك، فتستمر مأساة إنسانية قاسية داخل مخيم “زوزك” ومخيمات “أوف” الخمسة، والتي تضم اليوم أكثر من 17 ألف نازح وصلوا من منطقتي “فشفونة” و”شيتالو” على خط المواجهة المباشر. يجد الفارون أنفسهم محاصرين بين المعارك وانعدام الأدوية والمستلزمات النسائية ومواد الإيواء، مع استمرار تدفق العائلات التي تعبر مناطق السيطرة المختلفة بحثاً عن مكان آمن- وفقا للفحل.

ولا تتوقف المأساة عند المخيمات الثابتة، بل تمتد إلى نقاط التجمع العشوائية في العراء؛ حيث يتوزع نحو 45 ألف شخص بين مناطق “قوصي”، “فامدودوا”، “صنصنقالوا”، و”أمورات”. يواجه هؤلاء العالقون ظروفاً قاسية في ظل غياب تام لتدخل المنظمات الدولية والإقليمية، واستمرار هطول الأمطار التي حولت المخيمات إلى برك من الطين، لتصبح جهود المتطوعين والمبادرات الشبابية هي الملاذ الوحيد، رغم أنها لا تغطي سوى 5% فقط من احتياجاتهم الغذائية والصحية الطارئة.

نهب على طريق النجاة

على طول طريق النزوح البري في منطقة خاضعة لسيطرة الجيش، تحول طريق “أبو زغولي” المهم—الذي يبعد بضعة كيلومترات عن مدينة الدمازين—إلى موقع مفتوح لعمليات النهب والقتل والابتزاز ضد المدنيين الفارين من المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، وسط عجز كامل من الأجهزة الأمنية والسلطات في المنطقة عن تأمين الطريق أو حماية أرواح المسافرين.

ويروي أحد النازحين من قيسان (طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية)، لـ(عاين)، تفاصيل احتجازه في إحدى نقاط التفتيش المسلحة على الطريق: “تم إيقافي ونهب ممتلكاتي تحت تهديد السلاح، وأخذوا كل ما أملك حتى طعامي المتبقي. وبينما كنت أحاول مغادرة المكان وأنا في حالة صدمة، أخبرتني امرأة مسنة بصوت خفيض إن المسلحين أنفسهم قتلوا ثلاثة مسافرين في نفس النقطة قبل دقائق قليلة من وصولي”.

ولم تكن هذه الحادثة سوى جزء من انتهاكات مستمرة يرتكبها مسلحون؛ حيث وثقت “مبادرة المجتمع المدني” في بيان رسمي حادثة نهب وقتل راح ضحيتها 3 مواطنين، بالإضافة إلى إصابة آخرين أثناء توجههم إلى “المدن السكنية 10 و11 و12” التابعة لقيسان، مما جعل طرق النزوح البرية خطراً كبيراً يمر به الفارون مجبرين.

يؤكد الأمين العام لمبادرة المجتمع المدني، علي هجو، لـ(عاين): أن “اتساع دائرة المواجهات العسكرية المباشرة بين الجيش، وقوات الدعم السريع، والحركة الشعبية (شمال – الحلو)، أدى إلى قطع الطرق في المنطقة وفرض حصار غير معلن على حركة المدنيين وتدفق البضائع”.

ويضيف هجو: “ناشدنا مراراً وتكراراً قيادات أطراف النزاع لتحمل المسؤولية الأخلاقية والإنسانية، وطالبنا بهدنة إنسانية عاجلة وفتح ممرات آمنة لخروج المواطنين المحتجزين نحو مناطق أكثر أماناً بعيداً عن القصف والاشتباكات. لكن استمرار القتال حول العراء إلى مصيدة للمواطنين العالقين في الوديان والمخيمات المكشوفة، دون طعام أو ماء أو خدمات طبية، مع غياب أي موعد لتوقف هذا القتال”.

بين خطر الغرق ومرارة العودة

تزداد المأساة مع اشتداد فصل الأمطار في المناطق الشرقية لقيسان؛ حيث يضطر سكان قرية “أداسي” والقرى المجاورة لها للعبور بالمراكب الخشبية القديمة وسط ارتفاع منسوب المياه والرياح القوية، للوصول إلى الضفة الشرقية بمنطقة ود الماحي، وهو ما يعرض حياة مئات الأسر لخطر الغرق.

اضطر مئات المواطنين لاتخاذ خيار العودة الشاقة إلى أحياء مدينة “قيسان” المدمرة، بعد أيام قليلة من المواجهات المسلحة التي شهدتها

وتصف إحدى النازحات المعاناة في معسكرات “زوزك” لـ(عاين): “نزحنا في الظلام من منطقتي ‘فشفونة’ و’شيتالو’ دون طعام أو ماء. ابنتي المريضة تتألم أمامي، ولا أجد ما أساعدها به. ورغم أن ابني تمكن عبر الهاتف من إرسال بعض الأموال، إلا أننا لا نجد علاجاً نشتريه لها في هذه المعسكرات المكشوفة. كل ما أتمناه الآن هو العبور مع أبنائي إلى إثيوبيا لعلنا نجد علاجاً ينقذ حياتها”.

وأمام هذا الوضع الإنساني الصعب وتراجع المساعدات الدولية إلى أقل من 5% من الاحتياجات الأساسية وفق تقديرات غرف الطوارئ، اضطر مئات المواطنين لاتخاذ خيار العودة الشاقة إلى أحياء مدينة “قيسان” المدمرة، بعد أيام قليلة من المواجهات المسلحة التي شهدتها.

ويختتم علي هجو حديثه لـ(عاين) قائلاً: “عودة المواطنين إلى قيسان لا تعني أبداً أن المدينة أصبحت آمنة أو أن الخدمات والمياه عادت إليها، بل هي عودة اضطرارية من جحيم الجوع والأمطار إلى أنقاض المنازل. الوضع الإنساني في النيل الأزرق يتطلب تدخلاً عاجلاً للمنظمات الدولية عبر الحدود الإثيوبية لإغاثة العالقين، قبل أن تتحول هذه المخيمات العشوائية على الحدود إلى مقابر جماعية”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *