ماذا وراء اشتعال جبهات القتال في السودان؟

عاين- 20 أغسطس 2026

احتدم المعارك العسكرية حرب السودان بأكثر من جبهة خلال الأيام الماضية، في وقت تسارعت فيه الخطوات لتنظيم حوار سياسي يقود لتشكيل حكومة جديدة في مناطق سيطرة الجيش تساعد على حسم قوات الدعم السريع عسكرياً، ما يحول المعارك العسكرية إلى صراع يرتبط بالحصول على الشرعية السياسية لقيادة الدولة في مرحلة ما بعد الحرب.

أدت المعارك لتبديل خارطة السيطرة، لا سيما في إقليمي النيل الأزرق وكردفان، وبينما توسعت سيطرة الجيش في كردفان تقدمت الدعم السريع في النيل الأزرق. ورصدت (عاين) 55 معركة برية في الفترة ما بين 25 يوليو إلى 17 أغسطس 2026، منها 27 معركة برية بولاية شمال كردفان و14 بإقليم النيل الأزرق، و11 بولاية شمال دارفور ومعركة واحدة في وسط دارفور.

عمليات الجيش بشمال كردفان هدفت لتأمين شبكة الطرق الاستراتيجية، بالمقابل سيطرت الدعم السريع على مدينتي الكرمك وقيسان الرئيستين في النيل الأزرق فيما دارت معارك بشمال دارفور في منطقة أم برو غربي الفاشر، حوالي 84 كم عن حدود تشاد، وفي غرب دارفور دارت معارك في ممر بئر سليبة 60 كم جنوب الجنينة، و7 كم من الحدود التشادية

هل حصلت الأطراف على سلاح؟

يشير التصعيد العسكري الأخير إلى تغير في طبيعة القدرات العسكرية للطرفين، حيث تمكن الجيش في أواخر يوليو الماضي من السيطرة على 4 مناطق استراتيجية خلال يوم واحد، وذلك في ولاية شمال كردفان، وفي المقابل حسمت قوات الدعم السريع خلال الأيام الماضية السيطرة أيضاً على 4 مواقع في يومين على جبهة النيل الأزرق.

ينوه الخبير العسكري ضياء الدين حسين لـ(عاين)، بأن طرفي الصراع لا يزالان يرتبطان بعلاقات خارجية تجعل عملية تدفق السلاح إليهم مستمرة ما يجعل إنهاء الحرب أكثر صعوبة، خاصة في ظل غياب أي استعداد حقيقي منهما لتقديم تنازلات متبادلة لأجل التوصل إلى تسوية توقف الصراع.

كذلك تحدثت مصادر ميدانية عن استخدام قوات الدعم السريع طائرات مسيرة أكثر دقة خلال معاركها في جبهة النيل الأزرق، إلى جانب أجهزة تشويش متطورة مكنتها من تحقيق تقدم سريع خلال أيام قليلة. وفي المقابل، ظهرت مؤشرات على حصول الجيش على أسلحة جديدة، بعد ظهور مقاتلات حربية حلقت في سماء الخرطوم ومدرعات وأسلحة ثقيلة طافت في بعض الشوارع، وذلك خلال احتفالات الجيش الأخيرة بالذكرى الثانية والسبعين.

وفي دارفور، رصد سكان في مدينة نيالا زيادة ملحوظة في حركة الطيران خلال الأيام الماضية، بينما نقلت تقارير أن هذه الرحلات مرتبطة بنقل إمدادات وعتاد عسكري، خاصة بعد خسارة قوات الدعم السريع عدداً من المواقع في شمال كردفان خلال يوليو الماضي.

كردفان.. بؤرة الصراع

ولا زال إقليم كردفان يشهد تحشيدات عسكرية متبادلة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حيث خاض الطرفان خلال الأيام الخمسة الماضية جولة عنيفة من القتال، أعلنا خلالها تبادل السيطرة على عدد من الموقع قُرب مدينة الأبيض.

عسكريون في العاصمة الخرطوم

ويرى المحلل السياسي علي الدالي في مقابلة مع (عاين)، أن قوات الدعم السريع تحاول تأمين إقليم دارفور من مختلف الاتجاهات، مع التوسع نحو كردفان والنيل الأزرق، بهدف إبعاد الحرب عن دارفور وتهيئة الظروف أمام حكومة “تأسيس” لممارسة مهامها داخل مناطق سيطرتها، على غرار ما فعله الجيش في الخرطوم. ويعتقد أن قوات الدعم السريع لم تعد تضع استعادة الخرطوم ضمن أولوياتها العسكرية في المرحلة الحالية.

ويضيف الدالي: أن “الجيش سيسعى أيضاً لحصر العمليات العسكرية في كردفان دون التقدم إلى دارفور، لأن وصوله إلى الإقليم الواقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع قد يفتح الباب أمام صراعات سياسية جديدة مع القوة المشتركة بشأن مستقبل الإقليم خصوصا أن اتفاق جوبا للسلام يمنحها السيطرة السياسية على دارفور”.

هل انتهت فرص التفاوض؟

تشير التطورات العسكرية الأخيرة بحسب عضو حزب الأمة القومي مصباح أحمد، إلى أن طرفي الحرب لا يزالان يراهنان على الحسم العسكري بديلاً عن الحل السياسي، مستشهداً بتصاعد العمليات العسكرية في كردفان ودارفور، إلى جانب الخطاب التصعيدي الصادر عن قيادات الجيش وقوات الدعم السريع.

ويعتقد مصباح في مقابلة مع (عاين) أن فرص التوصل إلى هدنة إنسانية أصبحت أكثر تعقيداً، في وقت تتراجع فيه فرص استئناف مفاوضات جادة لإنهاء الحرب. ويقول: إن “الجهود التي بذلتها الآلية الرباعية، إلى جانب المبادرات والمساعي الإقليمية والدولية المطروحة، لم تجد حتى الآن الاستجابة المطلوبة من طرفي الحرب”.

ويتفق الخبير العسكري ضياء الدين حسين، مع هذا التقييم، لكنه يذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن الصراع الحالي تحركه حسابات السلطة والمال أكثر من أي مشروع سياسي. ويرى في مقابلة مع (عاين) أن الجيش يحاول تحقيق تقدم ميداني يمهد لإطلاق عملية سياسية داخلية تمنحه شرعية جديدة، بينما تسعى قوات الدعم السريع إلى إفشال هذا المسار من خلال التصعيد العسكري في كردفان والنيل الأزرق.

ويقلل حسين، من فرص نجاح جهود الآلية الخماسية التي تتولى تنظيم مشاورات سياسية بين القوى السودانية، ويقول: إن “الخماسية تضم منظمات منحازة إلى الجيش، وتسعى لأن تكون المخرجات في صالحه، في ظل وجود آخرين يرفضون ذلك ما يعزز فرص فشل المبادرة”.

حرب الشرعية

تتزامن التطورات العسكرية مع إعلان البرهان يوم الخميس الماضي عن حوار سياسي يجمع القوى السياسية السودانية بغرض التوافق على تشكيل حكومة ومجلس تشريعي، بينما أعلن أن الجيش مستمر في قتال قوات الدعم السريع، وأنه لن يقبل تفاوضاً يعيدها إلى السلطة، وإنما يتفاوض معها فقط في حالة وضعها السلاح وتجميعها في مناطق محددة لتتم محاكمة من أجرم منها بعد ذلك.

حشود لقوات الدعم السريع حول المدينة- الصورة مواقع التواصل الاجتماعي، ارشيف

ويستبعد الخبير العسكري ضياء الدين حسين، أن يقود الحوار الذي أعلن عنه قائد الجيش الفريق البرهان إلى إنهاء الحرب، معتبراً أنه سيكون حواراً بين أطراف متقاربة سياسياً. بينما يرى المحلل السياسي علي الدالي، أن الحوار الذي أعلن عنه البرهان يمثل جزءاً من ترتيبات سياسية تهدف إلى إعادة إنتاج السلطة داخل مناطق سيطرة الجيش، وتقديم نموذج سياسي يمكن أن يساعد الحكومة على استعادة شرعيتها الإقليمية والدولية، بما في ذلك السعي إلى إنهاء تجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي.

وكان مصدر سياسي قد كشف لـ(عاين) في وقت سابق عن وجود تصور تدعمه أطراف إقليمية يقوم على تعزيز موقع البرهان في السلطة بعد إضعاف قوات الدعم السريع عسكرياً، من خلال عملية سياسية داخلية تمنحه شرعية جديدة. وبحسب المصدر، فإن هذا التصور يقوم على تأجيل المفاوضات المباشرة والتركيز على الحسم العسكري أولاً.

ويرى الخبير العسكري ضياء الدين حسين، إن التصعيد العسكري الأخير مرتبط بطموحات الطرفين في السيطرة على المال والسلطة، بينما لا ينظر أحد منهما إلى معاناة الشعب السوداني. موضحاً أن طرفي الحرب يفتقدون لأي مشروع سياسي وأخلاقي يبرر استمرار الحرب.

“يحاول قائد الجيش التقدم ميدانياً لتهيئة الأجواء في مناطق سيطرته لتنظيم حوار سياسي لتثبيت سلطته دون النظر إلى التكلفة البشرية لهذا الهدف، وفي المقابل تحاول قوات الدعم السريع إفشال مخطط البرهان من خلال التصعيد العسكري في كردفان والنيل الأزرق” يقول حسين.

من جهته يؤكد مصباح أحمد أن الحديث عن عملية سياسية بمعزل عن وقف الحرب وتهيئة المناخ الملائم لها لا يمكن أن يقود إلى سلام مستدام، بل قد يتحول إلى مسار شكلي يكرّس الانقسام، ويعمّق الأزمة ويمنح الحرب مزيداً من الوقت. ويضيف “لذلك فإن الحوار السوداني المنشود يجب أن يكون شاملاً، جاداً، ومؤسساً على توافق وطني حقيقي، وأن يكون هدفه النهائي إنهاء الحرب وتحقيق السلام، واستعادة وحدة البلاد ولُحمتها الوطنية، وإنهاء الانقسام، وفتح الطريق أمام انتقال مدني ديمقراطي مستدام”.

وبينما يخوض الطرفان حربهما من أجل تعزيز النفوذ والحصول على شرعية سياسية، يمتد خطر الحرب في كردفان والنيل الأزرق إلى الزراعة والرعي والأسواق وطرق التجارة، في وقت لا تزال فيه أعداد كبيرة من السكان تحاول التمسك بحياتها اليومية رغم اشتعال المعارك وتعطل الخدمات.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *