“الأسعار نــار”.. كُلفة مرتفعة للبقاء على قيد الحياة في السودان

عاين- 7 سبتمبر 2026

بعد وصول سعر الدولار الواحد إلى نحو 7200 جنيه سوداني، امتدت تداعيات انهيار العملة السودانية إلى الأسواق والموائد والأجور، وبات راتب المعلم، على سبيل المثال، عاجزاً عن تغطية الاحتياجات الأساسية لأسرته، ما دفع كثيرين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، بينما لجأ آخرون إلى الاستدانة أو تقليص احتياجاتهم إلى الحد الأدنى، وفق المتحدث باسم لجنة المعلمين سامي الباقر.

وفي مدينة شندي بولاية نهر النيل، أغلق تجار متاجرهم، وأعلنوا إضراباً عاماً احتجاجاً على التدهور الاقتصادي وارتفاع الأسعار إلى مستويات يقولون إنها تجاوزت قدرة المواطنين على الشراء. كذلك أعلن تجار مدينة عطبرة عن إضراب ثانٍ لمدة يومين احتجاجاً على ما وصفوه بالضرائب الباهظة والجبايات العالية التي تفرضها السلطات المحلية، في وقت يعانون فيه من الركود وضعف القوة الشرائية.

أسرتي المكونة من خمسة أفراد تحتاج لـ80 ألف جنيه في اليوم لتبقى على قيد الحياة

مواطن من الخرطوم

من الخرطوم، يقول أحد سكان المدينة لـ(عاين): إن “أسرته المكونة من خمسة أشخاص كانت تحتاج قبل شهر إلى نحو 30 ألف جنيه يومياً، لكنها أصبحت تحتاج إلى نحو 80 ألف جنيه لتبقى على قيد الحياة”.

ويضيف: أن “كيلو الطماطم ارتفع من 4 آلاف جنيه إلى 14 ألفاً، والبطاطس إلى 7 آلاف جنيه، فيما ارتفع سعر قطعة مرقة الجداد من 100 جنيه إلى 800 جنيه. ويقول: “ذهبت خلال اليومين الماضيين إلى السوق المحلي بالحي فوجدت التجار يفترشون بضائعهم لكن لا أحد يقبل على الشراء”.

ندرة الدولار

ندرة العرض من الدولار وراء ارتفاع سعره مقابل الجنيه

متعامل في سوق العملات الموازي

وراء غلاء الأسعار تقف أزمة الدولار الذي بلغ مستويات غير مسبوقة مقابل الجنيه. يقول أحد المتعاملين في السوق الموازية، طلب حجب اسمه، لـ(عاين)، إن الدولار أصبح نادراً بصورة كبيرة، وإن نقص المعروض هو العامل الأساسي وراء ارتفاع سعره الذي وصل إلى 7200 جنيه. ويضيف: أن “السوق كان يحصل في السابق على العملات الأجنبية من تحويلات المغتربين، ومن موظفي المنظمات الأجنبية الذين يتقاضون أجورهم بالدولار، إلى جانب المصدرين، لكن هذه المصادر تراجعت بصورة كبيرة.

سوق بالعاصمة الخرطوم – ارشيف عاين

ويرى خبير السياسات الاقتصادية والمالية، نجم الدين داؤود، أن ندرة العملات الأجنبية ليست سوى نتيجة لخلل أوسع في بنية الاقتصاد. ويقول لـ(عاين): إن “انهيار الجنيه أمام الدولار هو نتيجة أسباب كبيرة ومتداخلة، في مقدمتها الحرب وانهيار البنى المؤسسية للسياسات الاقتصادية، وعسكرة السياسات المالية والنقدية، وغياب سياسات اقتصادية كلية وتنموية واضحة”.

ويشير داؤود، إلى أن الحرب أدت إلى تراجع الإنتاج والإيرادات العامة، وهو ما انعكس على الصادرات، بما فيها المواد الخام والحبوب الزيتية التي كانت مصدراً تاريخياً للعملات الأجنبية للسودان. كما يقول إن الذهب، رغم ارتفاع إنتاجه خلال السنوات الأخيرة، أصبح يُصدّر خارج القنوات الرسمية، فيما تُستخدم عائداته الرسمية وغير الرسمية في تمويل الحرب، وفق قوله.

ويضيف: أن “الصراع أتاح أيضاً لقوات الدعم السريع تصدير بعض المنتجات في دارفور وكردفان، مثل اللحوم والصمغ العربي، وهو ما يعكس، تفكك السيطرة على موارد النقد الأجنبي”. وتتوافق رؤية داؤود مع ما أورده تقرير التركيز القطري لبنك التنمية الأفريقي لعام 2026، الصادر في 30 يوليو الماضي، والذي ربط استمرار تراجع الجنيه السوداني بضعف عائدات الصادرات وارتفاع الطلب على العملات الأجنبية في ظل استمرار النزاع.

اختلال ميزان الصادرات والواردات

من جهته يرى الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي، أن من أهم أسباب انخفاض قيمة الجنيه استمرار الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، إلى جانب ارتفاع الطلب على الدولار لأغراض الاستيراد، في مقابل انخفاض الصادرات نتيجة ضعف العملية الإنتاجية.

ويقول فتحي لـ(عاين): إن “اختلال ميزان الصادرات والواردات يؤدي إلى ضعف إيرادات النقد الأجنبي، بينما يخلق وجود سعر رسمي للبنوك وسعر مختلف في السوق السوداء حالة من عدم اليقين لدى التجار، ويشجع على المضاربة والاحتفاظ بالدولار بدلاً من الجنيه”. ويضيف: “في بيئة تسودها الإشاعات والقرارات المصرفية غير المدروسة، يتوقع التجار والمواطنون استمرار ارتفاع الدولار، ما يدفعهم إلى زيادة الطلب عليه كوسيلة لحفظ القيمة، وهو ما يسرّع بدوره تراجع العملة المحلية حتى قبل ظهور عوامل اقتصادية جديدة”.

عزلة النظام المصرفي دوليا وعسكرة السياسات المالية والاقتصادية وراء انهيار الجنيه

خبير سياسات اقتصادية

فيما يذهب داؤود إلى أن المشكلة أعمق من سلوك المتعاملين في السوق، إذ يرى أن عزلة النظام المصرفي السوداني دولياً أهدرت جزءاً مهماً من تحويلات السودانيين في الخارج كمصدر لتغذية النظام المصرفي بالنقد الأجنبي، كما عطلت الاستثمار الأجنبي في السودان. ويقول: إن “استمرار طباعة النقود في مناطق سيطرة الجيش من دون غطاء نقدي لتغطية نفقات الحرب وتمويل المليشيات، من دون احتياطي حقيقي أو نمو اقتصادي سنوي في الناتج المحلي، ساهم بدوره في إضعاف قيمة العملة”. ويتابع:” انهيار النظام المصرفي المعزول خارجياً، بالتزامن مع نمو السوق الموازية وتآكل الثقة بالعملة المحلية والمصارف، خلق بيئة اقتصادية يصعب فيها ضبط سعر الصرف عبر الأدوات النقدية التقليدية”.

التضخم يلتهم الأجور

فصل دارسي بمدرسة خالد بن الوليد بحي اركويت في الخرطوم

مرتبات المعلمين تتراوح بين 80 ألفاً و220 ألف جنيه، فيما تتراوح مرتبات عمال التعليم بين 25 ألفاً و40 ألف جنيه

متحدث باسم لجنة المعلمين

مع كل ارتفاع للدولار، تتراجع القيمة الحقيقية للأجور، وتعد شريحة المعلمين واحدة من أكثر الفئات المهنية تأثراً بالانهيار الاقتصادي. يقول المتحدث باسم لجنة المعلمين، سامي الباقر، لـ(عاين): إن “مرتبات المعلمين في غالب الولايات تتراوح بين 80 ألفاً و220 ألف جنيه، فيما تتراوح مرتبات عمال التعليم بين 25 ألفاً و40 ألف جنيه”.

ويشير الباقر، إلى إن ثلاث قطع من الخبز تكلفان نحو ألف جنيه، وكيلو السكر أكثر من 6 آلاف جنيه، وأسطوانة الغاز نحو 100 ألف جنيه. ويضيف “أمام هذه الأسعار، لم يعد المرتب قادراً على تغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة، فضلاً عن السكن والمواصلات والعلاج وتعليم الأبناء”.

وفي الأسواق، تظهر نتيجة التدهور بصورة أوضح، حيث يقول أحد أصحاب المتاجر الصغيرة في الخرطوم لـ(عاين): إن “أجور موظفي الدولة لم تعد تساوي شيئاً أمام الارتفاع المستمر في الأسعار، معتبراً أن ضعف الرواتب أصبح أحد أسباب توقف حركة الأسواق”.

ويضيف: أن “السكان بدأوا حتى في التخلي عن شراء أطعمة بسيطة مثل الفول والطعمية، ما يعني أن السلع الأعلى سعراً أصبحت أبعد عن متناول معظم الأسر. وذكر أن بعض محال بيع اللحوم في الكلاكلة اللفة جنوب الخرطوم أغلقت بسبب ضعف الإقبال وعجز السكان عن تحمل الأسعار، بعدما بلغ سعر كيلو اللحوم 64 ألف جنيه”.

انهيار القدرة على الحياة

يشير المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر إلى أن الأزمة بالنسبة للمعلمين لم تعد مجرد شكوى من ضعف المرتبات، قائلاً إن كثيراً منهم اضطروا إلى البحث عن مصادر دخل إضافية أو الاستدانة أو تقليص احتياجات أسرهم إلى الحد الأدنى. ويرى أن انعكاسات الأزمة تمتد إلى العملية التعليمية نفسها، لأن استمرار المعلمين في العمل تحت هذا الضغط الاقتصادي يهدد استقرار التعليم العام.

ونوه بأن الأزمة تتفاقم أيضاً بسبب عدم تنفيذ القرارات الخاصة بتحسين الأجور بصورة كاملة في عدد كبير من الولايات، وأن أي زيادات يتم إقرارها سرعان ما تفقد قيمتها مع تراجع الجنيه وارتفاع الأسعار. ويضيف: “نحن أمام أجور تفقد قيمتها بصورة أسرع من أي زيادة تُعلن”.

كُلفة جديدة

وفي دارفور التي تخضع لسيطرة قوات تحالف “تأسيس”، يدخل الفرنك التشادي في تحديد سعر السلع بالإضافة إلى الدولار، حيث تراجعت قيمة الجنيه أمام الفرنك، ليصبح الفرنك الواحد يعادل نحو 56 جنيهاً سودانياً، بحسب مصدر محلي في مدينة الجنينة بغرب دارفور تحدث لـ(عاين). ويعتمد سكان أجزاء واسعة من دارفور وكردفان على السلع القادمة عبر معبر أدري مع تشاد، ما يجعل الفرنك التشادي عملة مهمة في عمليات الاستيراد.

عملية تفريغ محصولات زراعية من شاحنة بإقليم دارفور

وفي ولاية شمال دارفور، كانت مناطق مثل المالحة وكتم ومليط تعتمد كذلك على البضائع القادمة من منطقة المثلث على الحدود مع ليبيا، لكن إغلاق الطريق بسبب العمليات العسكرية أدى إلى تراجع الإمدادات وشح المواد الغذائية. وتكشف هذه المناطق أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط بسعر الدولار وحده، فكلما تراجعت القدرة الإنتاجية، وانقطعت طرق الإمداد، ارتفعت كلفة الوصول إلى السلعة قبل أن تصل إلى المستهلك.

وفي غرب كردفان، تظهر كلفة الإمداد بصورة أكثر وضوحاً، حيث لا يرتبط ارتفاع الأسعار بسعر الصرف وحده، بل أيضاً بانقطاع الطرق وطول مسارات نقل البضائع وكثرة الجبايات العسكرية. ويقول تاجر في منطقة فوجا التابعة لمحلية النهود لـ(عاين): إن “سعر جوال السكر ارتفع من 320 ألف جنيه إلى 420 ألفاً خلال أسبوعين فقط، وأسعار معظم السلع تضاعفت، ما جعل أعداداً متزايدة من السكان عاجزين عن الشراء”.

وفي محلية كتم، أطلقت غرفة طوارئ إنكا نداءً للتدخل العاجل لإنقاذ آلاف الأسر، محذرة من أزمة متفاقمة في الغذاء والدواء ومياه الشرب. وقالت الغرفة إن معظم الأسر أصبحت عاجزة عن توفير وجبة واحدة يومياً، وإن حالات سوء التغذية ظهرت وسط الأطفال والنساء الحوامل، بينما اضطرت بعض الأسر إلى مغادرة المنطقة.

هل يمكن وقف الانهيار؟

يرى الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي، أن استقرار سعر صرف الجنيه على المدى الطويل يحتاج إلى زيادة موارد النقد الأجنبي وتحفيز الإنتاج المحلي، بدلاً من الاعتماد على التدخلات النقدية قصيرة الأجل. ويقترح تهيئة وإصلاح مصافي وآبار النفط لخفض فاتورة الاستيراد، خاصة مع الارتفاع العالمي لأسعار النفط وتوترات الإقليم التي ترفع تكلفة الفاتورة، وتستنزف احتياطي النقد الأجنبي، إلى جانب مكافحة الفساد المالي والإداري ووقف تهريب الذهب والصادرات السودانية.

كما يدعو إلى تبني سياسات تمكن من استيراد المواد الأولية الداخلة في الإنتاج الزراعي والصناعي، وتهيئة البنية التحتية للوصول إلى إنتاج يكفي السوق المحلية، ويؤمّن “فائضاً تصديرياً” يعيد التوازن للعملة الوطنية.

أما نجم الدين داؤود، فيرى أن استعادة التوازن الاقتصادي تتطلب مساراً أوسع يبدأ بالسلام والانتقال، ثم إطلاق برامج تنموية طموحة قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد، باعتبارها جزءاً من برنامج للتعافي السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *