“مدينة داخل مدينة”: كيف يعيد النزوح تشكيل الأبيض
عاين- 26 أغسطس 2026
على الرغم من استمرار عدم الاستقرار الأمني في مدينة الأبيض وحولها يواصل النازحون من القرى المجاورة والمناطق البعيدة التدفق إليها. وقد أدى التدهور الأمني المستمر في القرى القريبة، إلى جانب البلدات الواقعة في ولاية جنوب كردفان، إلى تدفق مستمر للنازحين نحو الأبيض، وهي المدينة التي يؤكد العديد من عمال الإغاثة الإنسانية أنها وصلت بالفعل إلى طاقتها الاستيعابية القصوى.
لا يزال الوضع متغيرًا، وتتفاوت التقديرات بشأن أعداد النازحين بشكل كبير؛ فبينما تقدر بعض الجهات وجود 100 ألف نازح داخليًا في الأبيض، تشير مفوضية العون الإنساني المحلية إلى أن عدد سكان المدينة تجاوز 3 ملايين نسمة، يشكل النازحون نحو نصفهم.
ويقول المحلل السياسي محمد إبراهيم لـ(عاين): «إن تدفق الناس إلى مدينة خضعت للحصار لعدة أشهر، وربما تعرضت لأعنف وأشرس القصف بالمسيرات مقارنة بأي مدينة أخرى، يعكس مدى خطورة الوضع وعدم استقراره».
مدينة استراتيجية
تُعد مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، واحدة من أكثر المدن استراتيجية في منطقة كردفان؛ إذ تقع على الطرق التي تربط العاصمة الخرطوم بإقليم دارفور وبقية مناطق كردفان، مما جعلها هدفًا استراتيجيًا للأطراف المتصارعة. وعندما اندلعت الحرب، تدفقت موجات النزوح إلى الأبيض من غرب وجنوب كردفان، تلتها حركة نزوح عكسية من الخرطوم والجزيرة ومناطق أخرى.

تعرضت المدينة للهجوم عدة مرات من قبل قوات الدعم السريع، وظلت تحت الحصار حتى تمكن الجيش السوداني من فكه في فبراير 2025. وفي الفترة من يونيو إلى أغسطس من هذا العام، أُفيد بوقوع ضربات مكثفة بطائرات مسيرة استهدفت مواقع مختلفة، بما في ذلك الأسواق، وصهاريج المياه، وسجنًا، ومقر قيادة الجيش شرق المدينة.
ويقول فرانشيسكو لانينو، نائب مدير منظمة “أنقذوا الأطفال” في السودان: «نشهد اليوم مستويات من الاحتياجات أعلى بكثير مما لاحظناه قبل ثلاثة أشهر. مدينة الأبيض تقترب من نقطة الانهيار الإنساني؛ فالأسر التي تصل إلى المدينة تبحث عن الأمان، لكن العديد منها يصطدم بنقص الغذاء، وصعوبة الحصول على مياه صالحة للشرب، وخدمات صحية وصلت بالفعل إلى أقصى حدود استيعابها».
نساء يساعدن نساءً
وفقًا لـ “ابتسام”- اسم مستعار، فإن مخيم النزوح ضخم للغاية لدرجة أنه يبدو وكأنه مدينة قائمة بذاتها داخل الأبيض. تعمل ابتسام مع “غرفة طوارئ النساء”، حيث ينظمن مبادرات استجابة مجتمعية تركز بشكل خاص على النساء والفتيات والناجيات من العنف والنساء ذوات الإعاقة.
وأوضحت ابتسام أنه وسط هذه التحديات، تلعب النساء دورًا حيويًا في تلبيات احتياجات الأسر داخل مراكز النزوح في الأبيض؛ فهن لسن فقط من بين الفئات الأكثر تضررًا، بل أيضًا قائدات ومبادرات في مجتمعاتهن.
وأضافت في مقابلة مع (عاين): «تغطي النساء الاحتياجات التي لا تلبيها المساعدات الإنسانية بشكل كافٍ، مثل مستلزمات النظافة الشخصية، والفوط الصحية، والملابس، والمراتب، والأغطية، بالإضافة إلى احتياجات النساء الحوامل والمرضعات».
ارتفاع الأسعار وهجمات المسيرات
وفقًا لناشط في المجتمع المدني يقيم في الأبيض، وفضّل عدم الكشف عن اسمه، تواجه الوكالات الإنسانية تكاليف مضاعفة بسبب التضخم الاقتصادي، والحصار، وارتفاع أسعار الوقود والنقل. وباتت الميزانية التي كانت مخصصة لمساعدة 1,500 إلى 2,000 مستفيد تغطي حاليًا من 500 إلى 600 شخص فقط، مما يحرم المئات من المساعدات الحيوية.

وأضاف أنه إلى جانب نقص المساعدات، تتعرض الخدمات العامة لضغط هائل لعدم قدرة البنية التحتية الحالية على استيعاب الأعداد المتزايدة. وقد تسببت الحرب نفسها في انهيار هيكلي زاد من تفاقم الوضع؛ فبعد استهداف ضربات المسيرات المتكررة للبنية التحتية المدنية — بما في ذلك محطات المياه، ومحطات الكهرباء الفرعية، ومستودعات الوقود — أصبحت الخدمات الأساسية شحيحة للسكان الذين يتزايدون يوميًا.
وتابع في مقابلة مع (عاين): «كلما تعرضت مضخة أو مضختان للقصف، كانت أكثر من 54 حافلة ممتلئة تغادر الأبيض في اليوم التالي، مع نفاد حجز الحافلات بالكامل لمدة سبعة إلى ثمانية أيام قادمة».
من جانبه، ذكر المحلل الاقتصادي إسماعيل جبل، المقيم في الأبيض، أن أسعار الأسواق ارتفعت بشكل جنوني؛ إذ بلغ سعر جوال السكر زنة 50 كيلوجرامًا 250,000 جنيه سوداني (نحو 42 دولارًا)، وتضاعفت أسعار بعض السلع أربعة أضعاف، حيث ارتفع سعر جوال الأرز من 40,000 جنيه سوداني إلى ما بين 177,000 و180,000 جنيه.
التوجه نحو الأبيض رغم المخاطر
لا تقتصر المخاطر التي تواجه المتجهين إلى الأبيض على الفجوات الإنسانية وارتفاع الأسعار فحسب، بل إن الرحلة نفسها محفوفة بالمخاطر؛ إذ يواجه البعض مجموعات مسلحة في الطريق، بينما يفقد آخرون أرواحهم.
ويقول الناشط المجتمعي الذي فضل حجب اسمه: «أدت ديناميكيات الصراع المتغيرة إلى حالة من عدم الاستقرار. قبل أربعة أو خمسة أيام فقط، تعرض المدنيون المحاولون الدخول من المناطق الواقعة جنوب الأبيض لانتهاكات جسيمة — حيث قتل عدة أشخاص أثناء محاولتهم الدخول، بينما أُختطف آخرون، واحتُجزوا مقابل فدى مالية باهظة».
مع ذلك، يعتقد جبل، أن الأبيض تظل المكان الأكثر أمانًا حاليًا، مشيرًا إلى أن السكان الذين يعيشون في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع يواجهون معاناة شديدة ونقصًا في الخدمات والسلع وأوضاعًا إنسانية قاسية. وأضاف: «رغم الظروف السائدة، واصل الناس التدفق إلى الأبيض باعتبارها الملاذ الآمن الرئيسي. فالمدينة هي موطن قوات “الهجانة” (الفرقة الخامسة مشاة بالجيش) منذ ما قبل الحرب، وحتى اليوم، تظل هذه القوات المصدر الرئيسي للثقة والأمان لسكان الأبيض».
جبرة الشيخ
في حالات أخرى، فر سكان شمال كردفان من العنف — بما في ذلك هجمات قوات الدعم السريع على القرى — إلى محليات أخرى داخل الولاية، ومن بينها محلية جبرة الشيخ التي تبعد نحو 200 كيلومتر شمال الأبيض.
تقول إحدى النازحات من قرية أم شجيرة، والتي تتخذ من جبرة الشيخ ملاذًا لها حاليًا: «هاجمتنا قوات الدعم السريع ثم هجّرتنا. في البداية سرقوا مواشينا، وفي كل مرة يطلبون المزيد». وقد أصبح الضغط والترهيب أكبر من أن تحمله هي وبقية السكان الذين فروا بما لا يذكر من الموارد.
وأضافت السيدة في مقابلة مع (عاين): «نملك أشياء بسيطة لا تكفينا. أكلنا شيئًا خفيفًا حملناه معنا، لكن قوات الدعم السريع أخذت منا كل شيء، حتى الطعام والشراب».





















