الغلاء يطال كل شيء ويهدد لقمة عيش السودانيين
عاين – 16 يونيو 2026
لم يكن الموجّه التربوي سليم خالد يتوقع، بعد أكثر من أربعة عقود أمضاها في خدمة التعليم، أن ينتهي به المطاف صياداً يجوب مياه النيل بحثاً عن رزقه بعد منتصف الليل، قبل أن يبدأ صباحه موظفاً في إحدى إدارات التعليم بولاية الخرطوم. لكن الحرب وما تبعها من انهيار اقتصادي وتراجع حاد في قيمة الأجور أمام الارتفاع المتواصل للأسعار، دفعاه إلى الجمع بين وظيفته الحكومية والعمل في صيد الأسماك، لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرته.
وتشهد الأسواق السودانية منذ وقت غلاء غير مسبوق في أسعار السلع الأساسية والمواد الاستهلاكية، الأمر الذي فاق القدرة الشرائية للغالبية العظمى للسودانيين في ظل استمرار الحرب والتراجع المتسارع للجنيه السودانية في مقابل الدولار الأمريكي واستمرار أزمة الوقود، إضافة إلى عوامل أكثر تعقيدا خلفتها الحرب في فقدان الملايين لمصادر دخلهم الرئيسية والدمار الذي طال المصانع الحقول.

قضى خالد – اسم مستعار- 43 عاماً في مهنة التدريس متنقلاً بين المدارس، حتى بلغ الدرجة الوظيفية الأولى، قبل أن يُنقل إلى قسم التوجيه التربوي. ورغم ترقيته في عام 2024، يقول إن راتبه لم يُعدّل حتى الآن، ولا يزال يتقاضى 168 ألف جنيه سوداني، أي نحو 33 دولاراً، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية احتياجات أسرته سوى لأيام قليلة، بحسب حديثه لـ(عاين).
ويؤكد أن صيد الأسماك لم يكن خياراً شخصياً، وإنما وسيلة اضطر إليها بعد أن أصبح راتبه عاجزاً عن تغطية الحد الأدنى من متطلبات أسرته المكونة من 7 أفراد. ويتابع: “تكلفة وجبة بسيطة من الخبز والفول مع سلطة خضار تتجاوز 15 ألف جنيه، لذلك نكتفي غالباً بوجبتين متواضعتين في اليوم، ولا أذكر آخر مرة تناولنا فيها وجبة متكاملة”.
ولا تمثل قصة خالد حالة فردية، بل تعكس جانباً من الأزمة الاقتصادية التي يعيشها آلاف السودانيين منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. فقد واصل الجنيه السوداني تراجعه أمام العملات الأجنبية، بينما شهدت أسعار الغذاء والوقود وغاز الطهي ووسائل النقل ارتفاعات غير مسبوقة، بالتزامن مع فقدان أعداد كبيرة من المواطنين مصادر دخلهم؛ بسبب النزوح وتوقف الأنشطة الاقتصادية.
وبحسب تقديرات البنك الدولي، تعرض الاقتصاد لانكماش حاد نتيجة توقف الأنشطة الإنتاجية واتساع رقعة النزاع، فيما تشير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من ثلثي سكان البلاد أصبحوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية.
وأصبح دولار أمريكي واحد يساوي 5400 جنيه سوداني، في تراجع غير مسبوق لقيمة العملة السودانية، وهو ما كان سبباً في ارتفاع أسعار المستهلكات الغذائية وتآكل قيمة الأجور وعجز كثير من المواطنين عن تلبية متطلبات حياتهم المعيشية.

ارتفاع الأسعار يغيّر أنماط الحياة
دفع ارتفاع أسعار الاحتياجات الأساسية، كثيراً من الأسر إلى تغيير أنماط معيشتها وتقليص استهلاكها اليومي، وفق شهادات سكان من الخرطوم وأم درمان وحلفا الجديدة استطلعتهم (عاين).
وفي الخرطوم، بلغ سعر أسطوانة غاز الطهي نحو 110 آلاف جنيه، الأمر الذي دفع كثيراً من الأسر إلى العودة إلى استخدام الحطب والفحم، رغم ارتفاع أسعارهما أيضاً، إذ وصل سعر جوال الفحم إلى 85 ألف جنيه. أما في حلفا الجديدة بولاية كسلا، فقد بلغ سعر أسطوانة الغاز نحو 125 ألف جنيه، مع تفاوت الأسعار بين المناطق تبعاً لتكاليف النقل.
ويقول أحد سكان منطقة الصالحة، جنوب أم درمان، إن بعض الأسر أصبحت تؤجل إعداد الطعام إلى حين عودة التيار الكهربائي، معتمدة على السخانات الكهربائية بدلاً من الغاز أو الفحم، مستفيدة من التوصيلات الكهربائية العشوائية التي لا تزال منتشرة في بعض الأحياء.
وفي ضاحية الشقيلاب، جنوب الخرطوم، يقول عمر صالح، إن أسرته المكونة من خمسة أفراد تحتاج إلى ما لا يقل عن 50 ألف جنيه يومياً لتوفير وجبتين متواضعتين. ويضيف: “غالباً نطبخ البامبي مع البصل وصلصة الطماطم من دون لحوم”. ويشير إلى أن سعر كيلو اللحوم بلغ نحو 60 ألف جنيه، والطماطم 18 ألف جنيه، بينما يباع “كوم البامبي” بأربعة آلاف جنيه ويكفي لإعداد وجبة واحدة، في حين وصل سعر لتر الزيت إلى 12 ألف جنيه، وكيلو السكر إلى خمسة آلاف جنيه.
“لا يقتصر الضغط المعيشي على أسعار الغذاء، فقد ارتفعت أيضاً رسوم المدارس وإيجارات المساكن، بينما توقف عملي في مجال المطبوعات؛ بسبب الزيادة الكبيرة في أسعار المواد الخام”، يقول صالح لـ(عاين).
إصابات بسوء التغذية
تقول روعة إبراهيم حسين، طبيبة عمومية تعمل في أكثر من مرفق صحي بجنوب الخرطوم، إن المراكز الصحية في المنطقة استقبلت خلال الفترة الماضية أعداداً كبيرة من المرضى الذين يعانون من مضاعفات سوء التغذية الحاد، خصوصاً وسط الذين لم يغادروا الخرطوم خلال فترة النزاع.
وتضيف لـ(عاين) أن كثيراً من تلك الإصابات تحولت إلى حالات معقدة نتيجة النقص الحاد في الغذاء، الأمر الذي أضعف مناعة المرضى، وقلّل من قدرتهم على مقاومة الأمراض والاستجابة للعلاج. وأشارت إلى أن المرافق الصحية التي تعمل بها شهدت، منذ بداية العام الجاري وحتى منتصفه، توافداً ملحوظاً لحالات العمى الليلي، قبل أن تبدأ تلك الحالات في الانخفاض تدريجياً بعد توفير فيتامين (أ) والمكملات الغذائية اللازمة للمرضى. وأضافت: “تمكنا من علاج معظم الحالات، وأصبحت الإصابات بالعمى الليلي حالياً محدودة للغاية مقارنة بالأشهر الماضية.”
وأكدت روعة أن العمى الليلي يُعد من أبرز المضاعفات المرتبطة بسوء التغذية الحاد، موضحة أن نقص فيتامين (أ) الناجم عن الحرمان الغذائي لفترات طويلة كان السبب الرئيس في ظهور هذه الحالات، ولا سيما بين الأطفال وكبار السن.
![]()
ووفقاً لآخر تحليل صادر عن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، يواجه نحو 19.5 مليون شخص مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي (المرحلة الثالثة أو أعلى)، بينهم نحو 135 ألف شخص في المرحلة الخامسة (الكارثة)، مع تحذيرات من خطر المجاعة في 14 منطقة. كما يُتوقع إصابة نحو 825 ألف طفل بسوء التغذية الحاد الوخيم خلال عام 2026.
ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن نحو 34 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، واصفاً الأزمة الإنسانية في البلاد بأنها الأكبر عالمياً مع دخول الحرب عامها الرابع.
وعلى خلاف الصورة التي تعكسها شهادات المواطنين، يقول وزير المالية جبريل إبراهيم إن الحكومة “تسيطر على الأوضاع الاقتصادية”، وإن الإجراءات الأخيرة المعلنة ستقود إلى استقرار سعر الصرف وانخفاض أسعار السلع الأساسية، وذلك عقب اجتماع للقطاع الاقتصادي بمجلس الوزراء الأسبوع الماضي.
وتقول وزارة المالية إن خطتها تركز على تنظيم صادرات الذهب، وتشجيع الإنتاج المحلي، والحد من التهريب، وترشيد الواردات، وتشجيع الصناعات التحويلية، إلى جانب إصلاح المالية العامة وتهيئة البلاد لمرحلة إعادة الإعمار.
الجوع يقترب في كردفان
وفي إقليم كردفان الواقع تحت رحمة النزاع بين الجيش وقوات الدعم السريع، يعيش اليوم آلاف الأشخاص مع مخاوفهم من مواجهة خطر المجاعة التي أصبحت تحدق بهم بعد مؤشرات فشل موسم زراعة الدخن وهو الغذاء الرئيسي لهم، وذلك بسبب تأخر هطول الأمطار حتى الآن، واستحالة زراعته بعد اليوم، وفق مواطنين بمحلية غبيش غرب كردفان تحدثوا لـ(عاين).
وقال سالم فتحي، وهو من سكان محلية غبيش، إن جوال الذرة “الدخن” بلغ 350 ألف جنيه بعد أن كان يباع في حدود 100 إلى 120 ألف جنيه طوال سنوات الحرب الماضية، موضحاً أن السكان يعتمدون فقط على الإنتاج المحلي للأعوام الماضية بعد أن انقطعت القوافل التجارية التي كانت تأتي من شرق السودان.
يشار إلى أن السودان هو البلد المنتج للذرة والحبوب الزيتية حيث ظلت العديد من دول الجوار مثل جنوب السودان وتشاد تعتمد عليه في الحصول على الذرة، الأمر الذي يزيد من مخاطر وقوع المجاعة في كردفان ودارفور حال فشل الموسم الزراعي الحالي.
كذلك يقول فتحي إن أغلب السكان صرفوا النظر عن أكل الخبز بعدما أصبح جوال الدقيق زنة 25 كيلو بـ 165 ألف جنيه الأمر الذي جعل أصحاب المخابز يبيعون قطعتين بواحد ألف جنيه، كما ارتفعت أسعار السكر حيث بلغ الكيلو 8 آلاف جنيه، بينما تتوفر اللحوم بأسعار معقولة. وأشار إلى أن انعدام مصادر الدخل وندرة السيولة النقدية جعلت حياة الكثيرين على الكفاف.
وتعكس هذه الشهادات جانباً من الأزمة التي تواجه مناطق واسعة في كردفان ودارفور، حيث لا ترتبط مخاطر المجاعة بنقص الغذاء فحسب، وإنما أيضاً بتراجع الإنتاج الزراعي، وتعطل حركة التجارة، واستمرار النزاع.

هل يمكن وقف التدهور الاقتصادي؟
يعتقد الخبير الاقتصادي، حسام الدين إسماعيل، أن الحد من التدهور الاقتصادي لا يزال ممكناً، حتى في ظل استمرار الحرب، إذا أُحسن توظيف الموارد المتاحة، مع مكافحة الفساد، ووقف التجنيب، وتحسين إدارة الإيرادات العامة.
ويقول إسماعيل لـ(عاين): إن “السودان ما يزال يمتلك قطاعات إنتاجية يمكن البناء عليها في المناطق الآمنة، وفي مقدمتها الزراعة والتعدين”، مشيراً إلى إمكانية التوسع في إنتاج الذرة والدخن والفول السوداني والصمغ العربي والسمسم، إلى جانب تشجيع الصناعات الغذائية الصغيرة لتقليل الاعتماد على الواردات.
ويضيف: “وقف التدهور الاقتصادي يبدأ بحسن إدارة الإيرادات العامة والعمل على زيادتها، ولن يتحقق ذلك من دون مكافحة الفساد، ووقف التجنيب، وعدم فرض أعباء مالية غير مبررة على الشركات العاملة في قطاعات الوقود والمواد الغذائية والطاقة”.
ويرى أن من مهام رئيس الوزراء أيضاً البحث عن شرعية تمكنه من جلب استثمارات قادرة على تحمل المخاطر في ظل الحرب، مع توفير الضمانات والحماية اللازمة لها داخل المناطق الآمنة.
ويحذر إسماعيل، من أن مستقبل الاقتصاد السوداني سيظل رهيناً بالسياسات المتبعة، قائلاً إن البلاد تقف أمام خيارين: إما الاستمرار بالنهج الحالي، أو تبني حوكمة أكثر كفاءة للموارد العامة والنشاط الاستثماري، بما يتيح استعادة الاستقرار وتحقيق النمو، مستشهداً بتجارب دول تمكنت من إدارة اقتصاداتها خلال فترات النزاعات المسلحة.
وقف الحرب شرط التعافي
في المقابل، يرى المحلل الاقتصادي عاصم عبد العزيز، أن قدرة الحكومة على الحد من الأزمة ستظل محدودة ما دامت الحرب مستمرة، إذ أدى النزاع إلى تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية، ونزوح ملايين المزارعين والعمال، وتوقف عدد كبير من المصانع والشركات، فضلاً عن تراجع ثقة المستثمرين.
وأضاف لـ(عاين) “أي تحسن في سعر صرف الجنيه سيظل مؤقتاً ما لم تستعد البلاد استقرارها الأمني، لأن استمرار الحرب يعني استمرار تراجع الإنتاج وفرص الاستثمار وتدفقات النقد الأجنبي”.
وقال عبدالعزيز إن الحرب تقلص أيضاً فرص السودان في الحصول على المنح والقروض الخارجية، التي يمكن أن تسهم في تخفيف حدة الأزمة. ويوضح أن الحصول على تمويل جديد من مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية يتطلب وجود حكومة مستقرة، وإدارة مالية تتسم بالشفافية، وقدرة على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة.
كما أشار إلى أن الاستثمار الأجنبي يحتاج إلى بيئة يصعب توفيرها في ظل استمرار الحرب، وفي مقدمتها الأمن واستقرار القوانين، لأن المستثمرين يبحثون عن ضمانات لحماية استثماراتهم وإمكانية تحويل أرباحهم. وأضاف “حتى لو حصل السودان على مليارات الدولارات من المنح أو القروض، فإن ذلك لن يوقف تراجع الجنيه بصورة دائمة ما لم يستعد الاقتصاد قدرته على الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمارات”.
وفي جنوب الخرطوم، لا يزال سليم خالد يواصل يومه بين ضفة النيل ومكتب التعليم، يحمل شباك الصيد ليلاً وملفات الطلاب نهاراً، في محاولة للتكيف مع واقع فُرض عليه. كما تختصر حياته معاناة آلاف السودانيين الذين باتوا يبحثون عن مصادر دخل إضافية للبقاء، في انتظار نهاية الحرب.






























