عائلات مشتتة.. الثمن الاجتماعي الأغلى لحرب السودان
عاين- 14 سبتمبر 2026
منذ اندلاع حرب السودان في منتصف أبريل 2026، لم تعد العائلة بالضرورة تعني أشخاصاً يعيشون تحت سقف واحد. بعض الأسر تفرقت بين مدن السودان، وأخرى عبرت الحدود إلى دول الجوار ودول أخرى، بينما بقي أفراد منها خلفهم، متمسكين بالبيت أو غير قادرين على المغادرة.
في شرق النيل بالخرطوم، تمسك عبد الله محجوب، 73 عاماً، بالبقاء في منزله منذ بداية الحرب، بينما غادر أفراد عائلته إلى مصر. لكنه وبعد ثلاث سنوات اضطر للمغادرة واللحاق بأسرته في مصر، يقول متحسرًا لـ(عاين): “أشعر بحزن كبير لأنني سأغادر بيتي بعد كل هذا الصبر والمكابدة.”
قصة عبد الله تختصر جانباً من التحول الذي أصاب الأسر السودانية خلال أكثر من ثلاث سنوات من الحرب. فقد أصبح النزوح واللجوء والمهاجر في كثير من الأحيان عملية تفكيك تدريجية، يغادر فيها كل فرد وفق قدرته وظروفه واحتياجاته.

عينة استطلاعية
وتكشف نتائج استطلاع أجرته (عاين) وشمل 21 أسرة سودانية عن استمرار التشتت الأسري بوصفه أثراً ممتداً للحرب، وليس حالة مؤقتة مرتبطة بموجة النزوح الأولى. أفادت 17 أسرة، أي نحو 81% من المشاركين، بأن أفرادها يعيشون منفصلين جغرافياً منذ أكثر من 18 شهراً، بينما تتوزع 14 أسرة بين ثلاثة أماكن إقامة أو أكثر. وفي 12 حالة، يمتد هذا التوزيع بين السودان وأكثر من دولة خارجية.
ولا يقتصر أثر التشتت على البعد الاجتماعي؛ إذ تدفع 10 أسر ثلاثة إيجارات سكنية أو أكثر شهرياً، في وقت تعتمد فيه 6 أسر على تحويلات مالية من أفراد يعملون خارج السودان. ورغم أن 9 أسر قالت إنها تخطط للعودة والعيش مجدداً في بيت واحد بعد الحرب، فإن 6 أسر لم تحسم مستقبلها بعد، فيما تتوقع 4 أسر استمرار بقائها موزعة. ويبدو الأمن في مناطق الأصل العقبة الأكبر أمام لمّ الشمل، إذ اختارته 7 أسر، تليه التكلفة المالية للسفر لدى 6 أسر، ثم تدمير المنازل لدى 4 أسر.
ضحايا التشتت
في أم درمان، بدأت قصة منى، وهو اسم مستعار، من نقطة مختلفة. كانت تعيش مع زوجها وأطفالها الثلاثة في بحري، قبل أن يفقد زوجها عمله مع اندلاع الحرب، فتنتقل الأسرة إلى أم درمان بحثاً عن الاستقرار.
لكن الاستقرار لم يأتِ. فبحسب مني فرص العمل كانت قليلة، والإيجارات مرتفعة، ومع مرور الوقت لم تعد الأسرة قادرة على تحمل تكاليف السكن. تقول منى في حديثها لـ(عاين): “كنا نأمل أن نستقر في أم درمان، لكن فرص العمل كانت قليلة والإيجارات مرتفعة، وفي النهاية لم نعد قادرين على دفع إيجار البيت.”
قرر زوجها السفر إلى إحدى دول الخليج بحثاً عن عمل، وبقيت منى مع أطفالها الثلاثة. ولتوفير دخل للأسرة، بدأت إعداد المخبوزات والحلويات من المنزل وبيعها، بينما يساعدها إخوتها من وقت إلى آخر. تقول: “بعد سفره، أصبحت أنا المسؤولة عن كل شيء؛ عن أكل الأطفال، ومصاريف البيت، وكل الالتزامات.”
لكن بعد نحو أربعة أشهر من سفر الزوج، تلقت منى اتصالاً منه أبلغها فيه بأنه طلقها، ثم انقطعت أخباره عنها. تقول: “اتصل بي وقال لي إنه انفصل عني، ومنذ ذلك اليوم لم أسمع عنه شيئاً.”
وجدت منى نفسها أمام مسؤولية ثلاثة أطفال، تحاول تدبير الطعام والمصاريف والحماية في ظروف اقتصادية وأمنية صعبة.
“أنا الآن وحدي مع أطفالي. كل يوم أفكر كيف أوفر لهم الأكل وأحميهم وأواصل الحياة.”

حياة جديدة بعيداً عن الأسرة
أما نور، 27 عاماً، فاختبرت تشتت الأسرة من زاوية مختلفة. قبل اندلاع الحرب، كانت تعيش في أم درمان وسط أسرة كبيرة تضم نحو 11 فرداً، وتصف حياتها آنذاك بأنها كانت عادية، تتوزع بين الدراسة والعمل والبيت، فمع اندلاع القتال، بدأ أفراد الأسرة في مغادرة السودان، واتجه معظمهم إلى مصر، بينما وجدت نور نفسها عالقة داخل البلاد؛ بسبب جواز سفرها الذي تركته في الخرطوم، ولم تتمكن من الوصول إليه في ذلك الوقت، تقول نور: “لم تكن لدي وسيلة أستطيع من خلالها الحصول على جواز سفري في ذلك الوقت، حتى أتمكن من السفر مع أسرتي.”
لم يكن أمامها سوى النزوح داخل السودان، قبل أن تستقر بعيداً عن أسرتها. وكانت آخر مرة التقت فيها بأفراد عائلتها في 23 مايو 2023، بعد نحو شهر من اندلاع الحرب، منذ ذلك التاريخ، تحولت المكالمات الهاتفية وتطبيقات التواصل إلى وسيلتها الأساسية للحفاظ على صلتها بأسرتها، بعدما فرقت الحرب أفراد العائلة بين السودان ومصر وشرق أفريقيا، لكن التواصل عن بُعد لم يعوض غياب الأسرة.
ومع مرور الوقت، لم تعد فكرة البقاء خارج السودان مجرد مرحلة مؤقتة في حياة نور. الحرب التي كانت تتوقع أن تنتهي وتعيدها إلى أسرتها، طال أمدها، وبدأت معها فكرة أخرى تتشكل: احتمال أن يصبح المكان الجديد جزءاً من مستقبلها، تقول نور: “لم أكن أتخيل يوماً أن أعيش بعيداً عن أسرتي، أو أن أعيش بمفردي، لكن هذا أصبح واقعاً الآن.”
الأسرة كشبكة للبقاء
يرى الباحث في علم الاجتماع، محمد الحاج، أن هذه الحالات ليست مجرد نتائج جانبية للحرب، وإنما تعكس تحولاً في طريقة عمل الأسرة السودانية نفسها. ويقول في مقابلة مع (عاين): “الأسرة الموزعة تتحمل تكلفة مالية أكبر بوضوح، لكنها في الوقت نفسه أصبحت تدير مخاطرها عبر توزيع أفرادها بين أكثر من مكان.” فقد يوجد مصدر الدخل في دولة، بينما توجد الأم والأطفال في دولة أخرى، ويبقى أحد أفراد الأسرة في السودان لرعاية الوالدين أو الممتلكات.
وبهذا أصبحت الأسرة تعمل كشبكة موزعة، يتولى كل فرد فيها جزءاً من مسؤوليات البقاء، لكن هذا النموذج – بحسب محمد الحاج- له ثمنه. فإيجارات المنازل تتكرر، وتكاليف التعليم والعلاج ترتفع، وتصبح التحويلات المالية جزءاً أساسياً من حياة الأسرة، إلى جانب كلفة الغياب والوحدة؛ إذ لا يقتصر التغيير على المال. فمع غياب أحد الوالدين أو انتقال المسؤوليات إلى طرف آخر، تتغير أيضاً الأدوار داخل الأسرة. فالأم قد تصبح المعيل، والجدة قد تتحول إلى مقدم الرعاية الأساسي، بينما يصبح الأب الموجود خارج البلاد مصدراً للتحويلات المالية بدلاً من حضوره اليومي.
التشتت طويل الأمد قد يفضي إلى تحول بنيوي دائم في تركيبة الأسرة السودانية
باحث في علم الاجتماع
ولا يقتصر أثر التشتت على علاقة الآباء بالأبناء، بل يمتد إلى العلاقة بين الأزواج والأشقاء. فالحرب، بحسب محمد الحاج، خلقت ضغوطاً اقتصادية ونفسية قد تؤدي إلى تصاعد الخلافات داخل الأسرة الواحدة، خصوصاً مع فقدان مصادر الدخل والسكن مع الأسرة الممتدة، كما ظهرت خلافات داخل الأسر الممتدة حول مسؤولية إعالة الوالدين، وتقاسم التحويلات، والتصرف في العقارات والأصول. وقد يتحول أحد الأشقاء المقيمين في الخارج إلى الممول الأساسي للأسرة، بينما يتحمل شقيق آخر عبء الرعاية اليومية، ما يخلق شعوراً لدى كل طرف بأنه يقدم الجزء الأكبر من التضحية.

ويرى محمد الحاج، أن مجموعات التواصل العائلية نفسها أصبحت أحياناً ساحة لهذه الخلافات، خصوصاً عندما تتداخل القضايا المالية مع المواقف السياسية والاجتماعية، ويختصر الحاج التحول الذي تمر به الأسرة السودانية في أن الحرب لم تشتت أفرادها جغرافياً فقط، بل أعادت تعريف طريقة بقائها نفسها، قائلاً: “الأسرة السودانية اليوم لم تعد تُقاس بوحدة مكان إقامتها، وإنما بمرونة شبكتها وقدرتها على توزيع أدوارها ومواردها بين أماكن مختلفة.”
ومع استمرار الحرب، يبرز سؤال أكبر: هل تعود هذه الأسر إلى شكلها السابق إذا انتهت الحرب، أم أن سنوات التشتت ستترك وراءها أسرة سودانية مختلفة؟ يرى محمد الحاج أن طول فترة الانفصال قد يجعل بعض التغيرات دائمة، خصوصاً مع استقرار الأطفال في أنظمة تعليمية جديدة، أو حصول أفراد الأسرة على أعمال وأصول في بلدان أخرى، ويقول: “التشتت طويل الأمد قد يفضي إلى تحول بنيوي دائم في تركيبة الأسرة السودانية.”


![المرتزقة_في_حرب_السودان[1]](https://3ayin.com/wp-content/uploads/2025/12/المرتزقة_في_حرب_السودان1.png)

























