السودانيون ينتزعون بهجة “كأس العالم” من عتمة أزمات الحرب

عاين- 25 يونيو 2026 

ساعات قليلة يسترد فيها السودانيون أنفاسهم؛ وهم يتسمرون فيها أمام شاشات التلفزة بشكل شبه يومي، في طقسٍ جماعي حاشد بالمقاهي وأندية المشاهدة في العاصمة السودانية ومدن أخرى وحتى القرى الصغيرة لمشاهدة مباريات كأس العالم في لحظات تتحطم فيها أخبار الحرب المستمرة في البلاد بكل ما تحملها من عنف وقسوة، وتتلاشى مؤقتاً غصة الظلام التي يفرضها تدهور قطاع الطاقة والكهرباء في البلاد.

تنتزع هذه اللحظات آلاف السودانيين من واقعهم الاقتصادي المنهك، وكيف تسرقهم كرة القدم، ولو مؤقتاً إلى عالمٍ آخر من الشغف ومع ذلك قد تحرم أزمة الكهرباء وارتفاع رسوم الاشتراك في القنوات الناقلة لبطولة كأس العالم ملايين الأشخاص في السودان من متابعة هذه المنافسة الكروية الأبرز.

واتجهت أزمة الكهرباء في المدن السودانية، لا سيما الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني في شمال ووسط وجنوب وشرق البلاد وأجزاء محدودة من الغرب والتي تحصل على الخدمة من الشبكة العامة، إلى مرحلة أكثر تعقيداً وفقاً للمحللين في قطاع الطاقة.

بينما أصدرت وزارة الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم قراراً بمنح تراخيص أندية المشاهدة الجماعية لبطولة كأس العالم عبر سلسلة من الإجراءات، بما في ذلك سداد الرسوم المالية للمستثمرين في المقاهي والمطاعم والمشاهدة الجماعية في الساحات والمواقع المختلفة.

ويقول محمد عبد الله، وهو صاحب مقهى شعبي في منطقة أمبدة بأم درمان غربي العاصمة لـ(عاين): إن “الاستعداد لبطولة كأس العالم كلفه أموالاً طائلة بشراء ألواح الطاقة الشمسية التي تمكن جهاز التلفاز وجهاز الالتقاط (الريسيفر) من الحصول على الكهرباء، مع الاكتفاء بإضاءة محدودة”.

بدائل مكلفة

ويضيف محمد عبد الله: “دفعت قرابة مليوني جنيه سوداني -ما يعادل 500 دولار أميركي- لتجهيز ألواح الطاقة الشمسية، وربما أشعر أنها رديئة الصنع، لكنها ستوفر لنا الكهرباء طيلة مباريات كأس العالم بين شهري يونيو ويوليو”.

في مدينة الأبيض المحاصرة لم تمنع الغارات الجوية وحشود قوات الدعم السريع في محيطها، المواطنين من المشاهدة الجماعية لمنافسات كأس العالم

مواطن مقيم في المدينة

وفي مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، لم تمنع الغارات الجوية وحشود قوات الدعم السريع في محيطها، المواطنين من المشاهدة الجماعية لمنافسات كأس العالم، حسبما يقول المقيم في المدينة مصطفى عبده لـ(عاين). والذي يشير أيضا إلى أن الشبان يحرصون على متابعة جميع المباريات والسهر طوال الليل بالاعتماد على منظومة الطاقة الشمسية وقصرها فقط على تشغيل التلفاز حتى لا تنفد. ويقول مصطفى: “غارات الدعم السريع على محطة كهرباء الأبيض منتصف هذا الشهر أدت إلى إحباط المواطنين، ومع ذلك هم يقاومون بشتى الطرق لمشاهدة المباريات”.

نادي مشاهدة بضاحية شمبات في الخرطوم بحري

وتأتي بطولة كأس العالم هذه المرة في ظل أوضاع إنسانية واقتصادية حرجة في السودان مع استمرار الحرب؛ فإن مناطق واسعة في دارفور وكردفان لن تكون قادرًة على الاهتمام بهذه الفعالية التي يعشقها السودانيون منذ سنوات. وفاقمت الحرب أزمة الكهرباء في السودان، وتعيش المدن والقرى المتصلة بالشبكة العامة برمجة قطوعات يومية تتراوح بين 12 و18 ساعة يومياً، مما يعني عدم تمكن المشاهدين من متابعة المباريات.

في مدينة عبري شمال السودان، حيث أضرم المتظاهرون النار في الإطارات القديمة قبل أسبوعين احتجاجاً على قطوعات الكهرباء، يعتقد مجاهد خليل (32 عاما)، وهو أحد المهتمين بمتابعة مباريات كأس العالم، أن الوضع الراهن معقد للغاية، قائلاً: “نحن لا نحصل على الكهرباء سوى ساعات محدودة يومياً” ويضطرون للمشاهدة الجماعية بتزويد التلفاز من ألواح الطاقة الشمسية.

الهاتف خيار الفتيات

ويرى مجاهد أن اللجوء إلى المشاهدة الجماعية في المقاهي حيث تتوفر الطاقة الشمسية ومولدات الكهرباء هو الحل المتاح، مشيراً إلى أن أزمة الخدمات في السودان سلبت متعة مشاهدة مباريات كأس العالم من العديد من المواطنين، خاصة فئة الشبان. وبينما تغرق عشرات القرى والبلدات حول مدينة دنقلا عاصمة الولاية الشمالية في ظلام شبه يومي، يشاهد المواطنون من بعيد الإنارة تشع من بعض المباني التي حصلت على منظومة الطاقة الشمسية، والتي بالكاد تقتصر على الأثرياء.

وجراء الهجمات المتكررة، حيث بلغت نحو 5 غارات جوية بالطائرات المسيرة خلال العام الماضي على المحطة الرئيسية قرب مدينة دنقلا، باتت الأخيرة تعتمد على أعمال صيانة مؤقتة، بينما يقول عاملون في قطاع الكهرباء إن هناك حاجة ملحة لاستيراد محول جديد لتغطية جميع الأحياء والأسواق بالمدينة.

أشاهد المباريات عبر هاتفي والمقاهي وأندية المشاهدة لا تتيح مكاناً للنساء والفتيات والمنزل لا تتوفر فيه الكهرباء بسبب القطوعات

إيزار أحمد- سيدة من شمال السودان

وتقول الناشطة في المجال الإنساني بالولاية الشمالية إيزار أحمد لـ(عاين)، إنها تشاهد المباريات على الهاتف بالاعتماد على سداد تكلفة عالية لباقات الإنترنت تصل إلى 10 آلاف جنيه يومياً، وقالت: “المقاهي وأندية المشاهدة لا تتيح مكاناً للنساء والفتيات في دنقلا أو حتى العاصمة السودانية، لذلك نلجأ إلى مشاهدة المباريات بالهاتف؛ لأن المنزل لا تتوفر فيه الكهرباء بسبب القطوعات، أو حتى لصعوبة الاشتراك في القنوات الناقلة”.

واستدركت إيزار مؤكدة: “عندما استفسرت عن رسوم الاشتراك في القنوات صدمت بالتكلفة التي وصلت إلى 1.2 مليون جنيه، وراتبي لا يصل إلى نصف هذا المبلغ شهرياً، وحتى لو اشتركت فهل سأضمن انتظام الكهرباء؟”.

أما عثمان عبد المجيد، الذي يدير موقعاً لبيع ألواح الطاقة الشمسية بالعاصمة السودانية، يقول لـ(عاين): إن “أغلب العملاء يأتون من المدن والمناطق التي تضررت كثيراً من أزمة الكهرباء”. وأردف عثمان قائلاً: “حتى يتسنى لبعض الناس مشاهدة كأس العالم، طلبوا تزويدهم بألواح صغيرة تكفي لتشغيل التلفاز وجهاز الالتقاط، لكن هذه الفئة ليست كثيرة العدد؛ لأن الأسعار عالية نظراً لوجود رسوم حكومية على الاستيراد”.

المشاهدة الجماعية أقل مما كانت عليه في السابق بسبب الوضع الأمني وخشية الناس من الخروج ليلاً إلى السوق أو نادي الحي

مواطن من الخرطوم

وأعلنت ولاية الخرطوم مطلع يونيو 2026 عن افتتاح عشرة أماكن لمشاهدة مباريات كأس العالم في العاصمة السودانية، كما رفعت حظر التجول ليلاً، ومع ذلك يقول أيمن حسن، وهو شاب شغوف بكرة القدم، ويقيم في الخرطوم، إن المشاهدة الجماعية تكاد تكون أقل مما كانت عليه هذه المرة بسبب الوضع الأمني وخشية الناس من الخروج ليلاً إلى السوق أو النادي في الحي.

وتقول نفيسة مختار، وهي مستثمرة في منظومات بيع الطاقة بمدينة عطبرة بولاية نهر النيل شمال السودان لـ(عاين)، إن الطلب ارتفع على الألواح الشمسية عقب بداية مباريات كأس العالم؛ فالقرى البعيدة في ولاية نهر النيل يبحثون عن الكهرباء لتشغيل التلفاز ومواقع المشاهدة الجماعية.

الحلول الشعبية

وتقول مختار، إن ارتفاع الضرائب الجمركية على منظومات الطاقة الشمسية المستوردة زاد أسعارها في الأسواق المحلية بنسبة 50% مؤخراً، مشيرة إلى أن إنارة منزل وتشغيل الأجهزة يكلف حوالي 8 ملايين جنيه (ما يعادل 800 دولار أميركي)، وإذا أعفت الحكومة الجمارك يمكن أن تنخفض التكلفة إلى 5 ملايين جنيه.

 2000 جنيه قيمة مشاهدة مباراة واحدة للشخص، وإذا كانت هناك مباراتان متتاليتن يخفّض السعر مراعاة لظروف المشاهدين

صاحب نادي مشاهدة بمدينة عطبرة

في مكان معتم بالكاد تشع منه أضواء خافتة، يتحلق العشرات حول شاشة متوسطة الحجم، وهم يتابعون مباريات كأس العالم في منتصف الليل بتوقيت السودان في أحياء مدينة عطبرة، بل يحرصون على متابعة المباريات المقامة في الساعات الأولى من الصباح.

ويقول محمد عربي، الذي يدير نادياً للمشاهدة في مدينة عطبرة على بعد 300 كيلومتر شمالي العاصمة السودانية لـ(عاين): “الناس يحبون كرة القدم، نحن نحتفظ بالطاقة في ألواح الطاقة الشمسية، حتى لا تنفد عندما يحين موعد المباراة، والتشغيل يقتصر فقط على مباريات كأس العالم، حتى نحافظ على الطاقة”. ويسمح للجمهور بدفع قرابة 2000 جنيه للشخص مقابل مشاهدة المباراة، وإذا كانت هناك مباراتان متتاليتان تُخفّض الأسعار مراعاة للظروف الحالية بالنسبة للمواطنين، كما يضيف عربي.

تراجع الإمداد الكهربائي

منذ مطلع يونيو، وهو الشهر الذي انطلقت فيه مباريات كأس العالم رسمياً في الولايات المتحدة الأميركية وكندا والمكسيك، شهد قطاع الكهرباء في السودان تراجعاً في الإمداد، وارتفعت ساعات برمجة القطوعات في المدن المتصلة بالشبكة العامة شمال وشرق ووسط وجنوب البلاد، بما في ذلك العاصمة السودانية، إلى 12 ساعة يومياً أو 20 ساعة في بعض الأوقات.

وأبلغ وزير الطاقة والنفط، المعتصم إبراهيم، في اجتماع مع بعض الولاة منتصف يونيو الجاري، أن الحكومة تعمل على رفع التوليد في سد مروي -أكبر المحطات الكهرومائية شمالي البلاد- بإضافة 250 ميغاوات لتحسين الإمداد في جميع المدن. فيما كشف مصدر من وزارة الطاقة والنفط لـ(عاين) أن قطاع الكهرباء تعرض إلى دمار كبير خلال الحرب، والنهوض به يحتاج إلى ملياري دولار في المرحلة الأولى لوداع القطوعات وإضافة 2000 ميجاوات إلى الشبكة القومية.

وأضاف المصدر قائلاً: “هذا العام يُدار الوضع عبر الإنتاج المتاح فقط، لكن على المدى البعيد هناك خطط لإضافة 1000 ميغاوات عام 2027 بزيادة إنتاج سد مروي والخط المصري وتشغيل محطة كلانيب في ضواحي مدينة بورتسودان ورفع الإنتاج في مجمع قرى بالخرطوم بحري”. ويرى المصدر الحكومي أن وزارة الطاقة تتمسك بإعفاء معدات الطاقة الشمسية من التعرفة الجمركية، حتى يتمكن المواطنون والمؤسسات والهيئات من الحصول على الإمداد من البدائل وتخفيف الضغط عن الشبكة العامة.

ويوضح المصدر الحكومي، أن تشغيل محطة حرارية في مجمع قرّي بالوقود شمال العاصمة السودانية على سبيل المثال أصبح يكلف 5 مليون دولار شهرياً؛ بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً، ومع ذلك لا حل سوى المضي في هذا المسار.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *