هجمات المسيرات تضع ملايين السودانيين على خطوط النار والجوع
عاين- 30 يوليو 2026
عندما تصل شاحنة محملة بالمساعدات الإغاثية للمناطق المتضررة من الحرب في السودان، يطلب العاملون الإنسانيون من النازحين الانتظار في صفوف طويلة وعدم التجمع في دائرة ضيقة بالقرب من المخيمات المنتشرة بين شمال وغرب دارفور؛ بغرض تجنب الطائرات المسيرة التي باتت تتعقب الشاحنات في كثير من الأحيان.
يقول المتحدث باسم غرفة طوارئ محلية سربا بولاية غرب دارفور، عبد السلام إسحق، لـ(عاين): “إن تجمع الناس للحصول على الغذاء بات يشعرنا بالخطر الدائم؛ لذا نطلب منهم الوقوف على مسافات متباعدة، لأن الغارات الجوية أصبحت تستهدف الشاحنات وتجمعات المدنيين في أنماط جديدة للهجمات في إقليم دارفور”.
يكشف تقرير حديث لشبكة “فيوز نت” الذي اطلعت عليه (عاين) عن تسجيل 522 حادثة غارات جوية وهجمات بالطيران المسير في السودان خلال الفترة بين يناير ويونيو من هذا العام، بزيادة بلغت 38% عن العام 2025، وأعلى نسبة تُسجل منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع؛ ففي يونيو من هذا العام، وثق مشروع المراقبة الدولية (ACLED) وقوع 27 هجومًا على مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، وهو معدل يُعد الأعلى منذ بداية الصراع في المنطقة.
ويقول مدثر عبد الرحمن، وهو متطوع إنساني في ولاية شمال كردفان لـ(عاين): “إن الهجمات الجوية حولت حياة المواطنين في مدينة الأبيض والقرى المجاورة إلى جحيم لا يطاق، حيث فقد عشرات الآلاف القدرة على الحصول على مياه الشرب والكهرباء والخبز والوقود والمواصلات، لأن جميع هذه الخدمات الأساسية تعرضت للغارات الجوية المتكررة بين مايو ويونيو”.
وأردف قائلاً: “لم تشهد المدينة حركة نزوح واسعة؛ لأن هناك مخاوف حقيقية أيضًا من استهداف الحافلات وسيارات النقل، ففي كل الأحوال أنت لا تدري كيف يفكر من يمسكون بأيديهم أجهزة صغيرة تحرك هذه الطائرات، خاصة عندما تشعر أنهم لا يكترثون لأي ضغوط دولية أو محلية، وسيفعلون أي شيء دون رادع”.
واستهدفت الغارات الجوية، طبقًا للتقرير الذي أعدته شبكة “فيوز نت”، 36 سوقًا في شتى أنحاء البلاد مع التركيز على أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وألحقت أضرارًا بالغة بمخزونات سلع التجزئة ومستودعات الحبوب وأسواق الماشية والأنشطة التجارية الصغيرة. أما قوافل الإمداد المتحركة عبر الشاحنات، فقد تعرضت إلى 9 حوادث هذا العام خلال الفترة بين يناير ويونيو، مما أدى إلى تدمير كميات كبيرة من الحبوب الغذائية والأدوية، بينما بلغت الإحصائيات المرتبطة بالبنية التحتية ثماني حوادث شملت قطع الطرق بالألغام وتدمير الجسور.

استهداف الأعيان المدنية
ويؤكد التقرير، أن القوات المسلحة مسؤولة عن تنفيذ 28 حادثة من خلال الأنشطة الجوية التي تشمل القصف الجوي والغارات والطائرات المسيرة، حيث استهدفت البنية المدنية الثابتة مثل الأسواق المركزية والأحياء السكنية. أما قوات الدعم السريع، فنفذت 16 حادثة اعتمدت بصورة رئيسية على الذخائر الجوالة والطيران المسير الموجه والهجمات البرية المباشرة وعمليات النهب وإغلاق الأسواق بالقوة، كما نفذت هذه القوات هجمات مشتركة مع الحركة الشعبية (شمال – الحلو) بلغت خمس حوادث، تمثلت في معظمها بقصف مدفعي كثيف وهجمات بطائرات مسيرة استهدفت ممرات تجارية وإنسانية في جنوب كردفان.
كما نسب التقرير ما أسماها بـ”الهجمات المجهولة” لمصادر غير معروفة ارتكبت أربع حوادث بالطائرات المسيرة، وتسببت في تعطيل طرق التجارة وتلغيم المسارات التي تستخدمها الأمم المتحدة على الأرض أيضًا.
قوافل تحت القصف
وأحصى التقرير 12 حادثة في ولاية شمال دارفور، و10 حوادث في جنوب كردفان، و9 حوادث في شمال كردفان، و5 حوادث في غرب كردفان، وثلاث حوادث في وسط دارفور، وحادثتين بالنيل الأبيض، وأخرى مماثلة في النيل الأزرق، وحادثة في شرق دارفور، وحادثة واحدة في ولاية سنار.
وعبّر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية عن قلقه البالغ إزاء الهجمات التي نفذتها طائرات مسيرة على شاحنات مدنية متعاقدة مع برنامج الأغذية العالمي في يونيو 2026، حيث تعرضت لغارات أثناء نقل المساعدات من كوستي بولاية النيل الأبيض إلى ولاية شمال كردفان.
كما عبّر مسؤول أممي عن قلقه العميق إزاء الهجوم بالطائرات المسيرة الذي استهدف في وقت سابق اليوم شاحنات متعاقدة مع برنامج الأغذية العالمي في شمال كردفان، قائلًا إنه شاهد آثاره بعد بضع ساعات أثناء مغادرته لعاصمة الولاية، الأبيض. وأدى الهجوم إلى مقتل شخص واحد على الأقل وإصابة آخرين، وتدمير الشحنات الغذائية التي كانت مخصصة للاستجابة الإنسانية الطارئة. وقال المكتب الأممي إن هذا الهجوم تزامن مع غارة جوية عبر طائرة مسيرة استهدفت منشأة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي بمنطقة يابوس في إقليم النيل الأزرق، وأسفرت عن إصابة أحد الموظفين.

شل الاقتصادات المحلية
ويلاحظ التقرير وجود توجه متعمد لاستهداف الأسواق عن طريق الطائرات المسيرة والهجمات الجوية حيث تمثل هذه المواقع نقاط ربط رئيسية للإمدادات الدولية أو مراكز توزيع ذات قدرة استيعابية كبيرة.
ويقول المحلل الاقتصادي محمد إبراهيم لـ(عاين): “إن المشكلة الرئيسية في استمرار الهجمات الجوية في السودان وتأثيرها المباشر على المواطنين تكمن في أن هناك جهات دولية أشبه بـ”المافيا” تدير صفقات أسلحة تتجاوز قيمتها 250 مليون دولار خلال هذا العام فقط لكلا الطرفين”. وزاد قائلاً: “بينما تطمئن القوات المسلحة السودانية إلى أن علاقتها مع تركيا تتيح لها الحصول على أسلحة من هذا النوع، تحصل قوات الدعم السريع على شحنات مماثلة من الإمارات عبر مطارات في ليبيا وتشاد، حيث تهبط الطائرات نهارًا في مطار نيالا”. وأضاف أن “المجتمع الدولي لديه معلومات هائلة حول هذه التفاصيل، لكن المصالح الإقليمية تفرض نفسها، وتتقدم على حماية المدنيين والحفاظ على البنية التحتية”.
سلط التقرير الذي أعدته شبكة “فيوز نت”، الضوء على هجوم شنته القوات المسلحة السودانية في 23 يونيو على سوق الصياح بشمال دارفور، وكيف أدى ذلك إلى أضرار واسعة بالبنية التجارية المترابطة بين المالحة والكومة ومليط، بالإضافة إلى 70 قرية مجاورة، فضلًا عن تدمير شبكات التوزيع بالكامل.
كما شهد شهر يونيو 2026، حسب الشبكة، تحولًا بارزًا في طبيعة العمليات العسكرية؛ من استهداف وسائل النقل المتحركة إلى التدمير الدائم للبنية التحتية الحيوية للطرق. ولم يكن استخدام قوات الدعم السريع للمتفجرات الثقيلة لتدمير جسر “كيقا” – الرابط بين الدلنج وكادوقلي في ولاية جنوب كردفان في السابع من يونيو 2026 – سوى مقدمة لعزل قرابة 240 ألف مدني يتوزعون بين المدينتين وحرمانهم من شاحنات الغذاء والقوافل التجارية.
التنصل من المسؤولية
وتعلّق نهلة حسن، المستشارة السابقة في منظمة إغاثية دولية، على استهداف الأطراف المتصارعة للجسور الرابطة بين المدن قائلة لـ(عاين): “إن هناك اعتقادًا سائداً منذ تدمير جسر شمبات في قلب العاصمة السودانية في العام 2024 بعد مرور عام على الحرب، مفاده أن هذه الاستراتيجية تحقق تقدمًا عسكريًا على الأرض بإضعاف خطوط إمداد وممرات الطرف الآخر. غير أن هذا التفكير يتجاهل تمامًا أن هذه المرافق خُصصت للأغراض المدنية، بما في ذلك مرور الغذاء والدواء والمواطنين، وأن إعادة ترميم جسر واحد تكلف نحو 25 مليون دولار أمريكي، وهي مبالغ طائلة يتحملها المواطن لا الحكومة من الضرائب والرسوم، وذلك خصمًا من بندي التعليم والصحة”.
وتحمل نهلة حسن المجتمع الدولي والإقليمي مسؤولية ما تصفه بـ”انفراط عقد الصراع” في السودان، مشيرة، إلى أن الأطراف العسكرية المتنازعة باتت تعتقد أن العالم لم يعد يمتلك أدوات حقيقية للضغط؛ بالتالي أصبحت الحرب تدور فوق رؤوس المدنيين العُزل، وكلما اتسعت الدائرة بعيدًا عن العاصمة، تعمق النزاع وتفاقمت الأوضاع الإنسانية، كما يحدث حالياً في كردفان ودارفور.
متطوعون على مرمى النيران
يعيد تقرير الذي شبكة “فيوز نت”، التذكير باستراتيجيات جديدة اعتمدتها الأطراف العسكرية عبر الإقدام على تدمير الجسور والممرات الحيوية المدنية؛ حيث استخدمت قوات الدعم السريع متفجرات لتدمير جسر كيقا على الطريق الإستراتيجي الرابط بين الدلنج وكادوقلي، مما أدى إلى قطع الطريق البري الرئيسي للشاحنات التجارية، ومنع وصول المنتجات الزراعية والماشية إلى مدينة كادوقلي في السابع من يونيو هذا العام.
كما يوضح التقرير أن الغارات الجوية تضعف المبادرات المشتركة بين السكان المحليين والعاملين المتطوعين في شتى أنحاء البلاد، لا سيما المناطق القريبة من خطوط المواجهة؛ حيث دمرت غارة جوية نفذتها قوات الدعم السريع والحركة الشعبية (شمال – الحلو) مطبخ جماعي في مدينة الدلنج في 13 مايو الماضي، وأسفر الهجوم عن مقتل وإصابة عدد من المتطوعين الذين كانوا يعدون الوجبات المجانية للعائلات النازحة.

تدهور الاستجابة الإنسانية
كما رصد معدو التقرير أنماطًا متعددة من الهجمات الجوية التي نفذتها الأطراف المتحاربة، شملت هجومًا استهدف 50 طنًا من الدقيق المخصص للتوزيع الإغاثي الطارئ في منطقة بالقرب من الرهد في 27 يونيو 2026، حيث حُمِّلت قوات الدعم السريع مسؤولية هذه الغارات.
كما ارتكبت هذه القوات هجومًا آخر في ولاية سنار أدى إلى تدمير مخزون يحتوي على 800 جوال من الذرة، التي تُعد الغذاء الرئيسي للسكان في المنطقة، مما أدى إلى تقليص المعينات التي تعتمد عليها المجتمعات المحلية في محاولتها للتعافي من آثار الحرب.
ويقول محمد يعقوب وهو عامل إنساني عمل مع منظمات دولية في إقليم كردفان لـ(عاين): “عندما تقوم رحلات جوية لطائرات شحن عملاقة بنقل الطائرات المسيرة إلى المطارات في إقليم دارفور، فإنها تُستخدم فوراً للهجوم على المرافق العسكرية والمدنية معًا دون أدنى حرص على التمييز بينهما، وذلك لأن المجتمع الدولي بات متقاعسًا، بل ومتواطئًا في بعض الأحيان مع الأطراف العسكرية”.
ويرى محمد يعقوب، أن الطائرات المسيرة كانت سببًا مباشرًا في إصابة ومقتل نحو 1,300 شخص في السودان هذا العام، أغلبهم في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، من بينهم أكثر من 300 طفل، فضلاً عن حرمانهما ما لا يقل عن 1.5 مليون شخص يقيمون في نحو 36 مدينة و120 قرية من الحصول على الغذاء والمرور عبر ممرات آمنة.

هجمات على مسارات إنسانية
وكانت قوات الدعم السريع – وهي الأكثر تصنيفًا حسب تصريحات مفوض مجلس حقوق الإنسان في جنيف فولكر تورك في مايو 2026 في استخدام الطيران المسير الذي استهدف بنية الكهرباء – استهدفت حسب تقرير شبكة “فيوز نت” شحنة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة قرب تندلتي في يونيو الماضي، وذلك أثناء طريقها لتسليم 50 طنًا من المساعدات للمواطنين في مدينة أبو جبيهة بولاية جنوب كردفان.
وفي شمال دارفور، تسبب هجوم بطائرة مسيرة في تدمير مستلزمات إيواء تخص نحو 1,300 عائلة نازحة، وأدت هذه التطورات الخطيرة إلى تقليص نطاق عمل الوكالات الإنسانية في المنطقة، وفقًا للتقرير الذي اطلعت عليه (عاين). ويتطرق التقرير كذلك إلى استهداف الغارات الجوية لمستودعات الحبوب وخزانات الوقود في الأسواق الريفية بمناطق “جبل عيسى”، و”سرف عمرة”، و”أم جمينة”، و”كرتالا”، وكلها تقع في مناطق مواجهات ساخنة في إقليم دارفور.
يكشف التقرير عن تبادل مكثف للغارات الجوية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع؛ فبينما دمر هجوم في منطقة أبو قمرة بولاية شمال دارفور سوقًا مركزيًا بالإضافة إلى خزان مياه رئيسي -مما أدى إلى حرمان آلاف السكان والمجتمعات الرعوية من المياه والغذاء- تسبب قصف متزامن على سوق “الغرير” ومستشفى الزرق بولاية غرب دارفور في القضاء على فرص الحصول على الغذاء والرعاية الصحية الطارئة
وأبلغت متطوعة إنسانية في مخيم للاجئين السودانيين شرقي تشاد (عاين)، بأن زيادة وتيرة الغارات الجوية جعلت ما لا يقل عن 1400 شخص كانوا يقيمون في قرى بمحيط شمال دارفور على النزوح صوب تشاد هذا العام. وأردفت قائلة: “مرة أخرى قرروا العودة إلى السودان للبقاء في مدن آمنة بالشمالية والعاصمة السودانية لكسب العيش لأن المخيمات في تشاد يفتقر فيها اللاجئون للتعليم والعمل بعضهم تعرض للاختطاف في الصحراء أثناء رحلة العودة”.






























