“كفاح ورهان على البقاء”.. نساء السودان العاملات يُقاوِمْن

عاين- 1 أبريل 2026 

يمر واقع عمل النساء في السودان بمرحلة تحول جذري وتاريخي، حيث انتقل من حالة الركود الهيكلي والتهميش الممنهج الذي ساد قبل عام 2023، إلى حالة “اقتصاد البقاء” المُعقَّد الذي فرضته ظروف الحرب الحالية.

وأحدث هذا التحول زلزالاً في البنية الاجتماعية؛ فبينما كانت نسبة مشاركة النساء في القوة العاملة لا تتجاوز 14% قبل النزاع، دفعت نيران الحرب بالمرأة السودانية إلى صدارة المشهد الاقتصادي قسراً.

منذ أن كانت في المرحلة الثانوية، دخلت مناهل، البالغة من العمر 24 عامًا، إلى سوق العمل المنزلي مدفوعة بظروف اقتصادية قاسية فرضتها الحياة على أسرتها. تقول إن القرار لم يكن خيارًا شخصيًا بقدر ما كان استجابة مباشرة لضغط المعيشة، مضيفة: “ظروفنا صعبة شوية، ومن أنا في الثانوي بشتغل في البيوت”.

تتنقل مناهل بين ثلاثة إلى أربعة منازل أسبوعيًا، وفقًا لحجم الطلب وطبيعة الأعمال المطلوبة. يومها يبدأ وينتهي بحسب ما يفرضه العمل، دون ساعات ثابتة أو إجازات واضحة. وتوضح في مقابلة أجرتها مع (عاين): أن الأجر يُحدد “بالاتفاق وحسب الشغل”، إذ تتقاضى نحو أربعة آلاف مقابل غسل “العدة” الكبيرة، بينما تتراوح بعض الأعمال الأخرى بين ألفين إلى ثلاثة آلاف جنيه.

ورغم أن الأجر يختلف من منزل لآخر، ترى مناهل أن الفارق يرتبط غالبًا بحجم العمل المطلوب، أكثر من أي معايير أخرى. لكنها تشير إلى أن المشكلات تظهر أحيانًا عند الدفع، إذ قد تواجه خصومات أو امتناعًا عن السداد بحجة أن “الغسيل ما نظيف كويس”. وتقول بحسرة: “ما في يدنا شيء نفعله”.

ورغم وجود اتفاقات مسبقة مع أصحاب المنازل، إلا أن السلامة المهنية تكاد تكون غائبة. فعندما تمرض، تتحمل التكلفة وحدها، كما تؤكد أنها لا تملك أي شبكة دعم من أهل أو صديقات أو جيران يمكن اللجوء إليها وقت الأزمات.

تصف مناهل العمل المنزلي بأنه “صعب”، لكنها تضيف أنها اعتادته مع الوقت. وبرغم الإرهاق والمواقف المزعجة التي تعرضت لها، تتمسك بفكرة أن العمل يمنحها قيمة شخصية، قائلة: “أنا مبسوطة إني قادرة أشتغل وأساعد في بيتي”.

وترى مناهل، أن الطلب على العمل المنزلي تراجع بعد الحرب، حتى وإن ارتفعت الأجور، موضحة أن “القروش زادت، لكن أسعار السوق زادت أكثر”. لذلك لا تنظر إلى هذا العمل كمرحلة مؤقتة، بل كمسار طويل فرضه الواقع الاقتصادي. وحتى فكرة الانتقال إلى وظيفة رسمية لا تبدو مغرية بالنسبة لها، إذ تعتبر أن “الوظائف أخير منها، لكن مرتباتها كعبة شديد”.

أرقام صادمة

وفر منتدى البحوث الاقتصادية (ERF)، من خلال “مسح لوحة سوق العمل في السودان لعام 2022″، بيانات خط الأساس التي سبقت النزاع مباشرة، والتي كشفت عن ركود هيكلي عميق في سوق العمل السوداني. ووفقاً للمنتدى، كانت نسبة 12% فقط من النساء في سن العمل مشتغلات فعلياً، مع معدل مشاركة في القوة العاملة لم يتجاوز 14%، في حين سجلت البطالة بين النساء ضعف معدلها لدى الرجال بنسبة 15%.

كما أظهرت بيانات المنتدى أن 98% من الأجور في القطاع الخاص كانت تندرج تحت بند العمالة غير المنظمة، مما يعني افتقار النساء لأي حماية قانونية أو تأمينية قبل انهيار الدولة؛ وهو ما يفسر هشاشة وضعهن الاقتصادي الحالي الذي أجبر القوى العاملة النسائية على الانخراط الكلي في “اقتصاد الظل” للبقاء على قيد الحياة.

كما وثقت دراسة أجرتها جامعة الأحفاد للبنات صادرت في ديسمبر 2025 حول واقع بائعات الشاي والعاملات المنزليات في مدينتي أم درمان والقضارف، تحول 57% من النساء إلى معيلات أساسيات للأسر نتيجة النزاع، وسط غياب تام للحماية القانونية والمالية؛ إذ يعتمد 95% من العاملات المنزليات على عقود شفهية تجعلهن عرضة لضياع حقوقهن، وتفتقر 100% من المشاركات في الدراسة لحسابات بنكية رسمية.

وأوضحت الدراسة أن هؤلاء النساء يعشن حالة من ‘فقر الوقت’ نتيجة العمل لمدد تتراوح بين 10 إلى 14 ساعة يومياً، مما يحرمهن من فرص التطور المهني، في حين تفتقر 83% من أسرهن للتأمين الصحي. كما كشفت النتائج عن فجوة ثقة عميقة في المؤسسات الرسمية، حيث لا تثق سوى 8% فقط في آليات التبليغ الرسمية، بينما يخشى 68% من العاملات المنزليات الانتقام أو فقدان السكن في حال الإبلاغ عن انتهاكات، علماً بأن صاحب العمل يمثل مصدر الخطر الأول لـ 35% من العاملات داخل المنازل. وتخلص الدراسة إلى أن 58% من هؤلاء الأمهات لم يتجاوزن التعليم الابتدائي، مما يهدد بإعادة إنتاج دورة الفقر لأبنائهن الذين يواجهون بدورهم عوائق كبرى في الوصول للتعليم الرسمي نتيجة التكاليف المرتفعة وظروف النزوح

عاملات الأسواق

في محطة 17 بالدروشاب بالخرطوم بحري، تبدأ سهام يومها عند الثامنة صباحًا داخل محل صغير لبيع الشاي والقهوة، وتبقى هناك حتى ساعات المساء، حين يُغلق المكان أبوابه. لا تملك المحل، بل تعمل لدى امرأة أخرى تدير النشاط، بينما تتولى سهام الجانب التشغيلي اليومي من إعداد المشروبات وخدمة الزبائن.

تقول سهام لـ(عاين): إن “طبيعة العمل تقوم على تنفيذ كل ما يُطلب منها داخل المحل، في ظل علاقة عمل غير رسمية لا تستند إلى توصيف واضح للمهام أو الحقوق. أجرها ثابت، ولا توجد إجازات أو أيام راحة منتظمة”.

خلال ساعات الصباح والمساء يزداد الإقبال على المحل، وهما الفترتان اللتان تصفهما سهام بأنهما “وقت الشغل الحقيقي”. يباع كوب القهوة بنحو ألف جنيه، لكن الأسعار تتغير باستمرار بفعل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. ورغم ذلك، لا يتوقف الزبائن عن الشراء، بل يؤجل بعضهم الدفع أحيانًا “ليومين أو ثلاثة”، بحسب قولها، في انعكاس واضح للأزمة الاقتصادية التي تطال البائع والمستهلك معًا.

ورغم بساطة النشاط، إلا أن بيئة العمل ليست مستقرة بالكامل. تتحدث سهام عن مضايقات متكررة داخل السوق، دون الدخول في تفاصيل، مكتفية بالقول: “زولة دخلت السوق دي لازم تصبر”. أما المنافسة، فتراها جزءًا طبيعيًا من المشهد، إذ “كل زول عنده زباينه”.

لم تغيّر الحرب أو الأزمة الاقتصادية طبيعة عملها، فهي تعمل في المجال نفسه منذ سنوات، لكنها تؤكد أن الإقبال على الشاي والقهوة تراجع، وأن الزبائن أصبحوا أكثر حذرًا في الإنفاق، ويميلون إلى طلب الخيارات الأرخص.

وبين ضغط ساعات العمل الطويلة ومتطلبات الحياة اليومية، تقول سهام إن حياتها الخاصة تكاد تكون اختفت: “حياتي بقت الشغل”. ومع ذلك، ترى أن هذا العمل منحها قدرة على الاعتماد على نفسها ومساندة أسرتها، بل ومكّنها من إكمال دراستها الجامعية على نفقتها الخاصة.

ورغم استقرارها النسبي في هذا العمل، لا تزال تحمل تصورًا مختلفًا للمستقبل. فعندما تُسأل عن المشروع الذي قد تستثمر فيه إذا حصلت على تمويل صغير، تجيب بسرعة وكأن الفكرة ظلت جاهزة في ذهنها منذ وقت طويل: “مفكرة أعمل بوتيك”.

وإذا كانت سهام قد اختصرت حياتها في العمل، فإن هذا ‘الذوبان’ في المهنة يمتد ليشمل القطاعات الحيوية، حيث تجد العاملات في الحقل الصحي أنفسهن عالقات بين نبل الرسالة وبين واقع مهني يفتقر للحماية والتمثيل.

داخل أحد أقسام مستشفى بمدينة عطبرة، تعمل “منى” وهو اسم مستعار لممرضة فضّلت إخفاء هويتها خوفًا من العواقب المهنية والاجتماعية. بين نوبات العمل الطويلة وضغط الحالات الطارئة، ترى منى أن الممرضات يتحملن العبء الأكبر داخل المستشفيات، دون أن يمتلكن أي تأثير في اتخاذ القرار.

تقول في مقابلة مع (عاين): إن “الممرضات يقمن بما تصفه بـ 80% من العمل الفعلي، لكن حضورهن في دوائر القرار يكاد يكون محدودًا. وتعتبر أن الصورة التقليدية التي تُرسم للممرضة بوصفها (ملاك رحمة) تحمل جانبًا قاسيًا خلف مظهرها الإنساني، لأنها تُستخدم أحيانًا لتجريد الممرضات من حقهن في الاعتراض أو المطالبة بظروف أفضل. وتوضح: “المجتمع يفترض أن ملاك الرحمة ما يطالب بزيادة راتب، وما يشتكي من سوء بيئة العمل، ولا يرفض الشغل في ظروف غير آمنة”.

وبالنسبة لها، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالأجور أو ضغط العمل، بل أيضًا بالخوف من أي نشاط مطلبي. تقول منى إن مجرد مطالبة الممرضة بحقوقها قد يفتح بابًا واسعًا من التصنيفات والاتهامات، حيث يمكن أن تُتهم بأنها “مخربة” أو مرتبطة بجهة سياسية معينة. وتضيف: أن “هذا المناخ يجعل كثيرات يتراجعن عن أي محاولة للعمل الجماعي خوفًا من فقدان الوظيفة أو التعرض للمضايقات أو العزلة الاجتماعية”.

ورغم هذا الخوف، تؤكد منى أن الممرضات يخلقن أشكالًا صغيرة وغير معلنة من التضامن داخل المستشفى. تصف ذلك بـ “النقابة الصامتة”، حيث تتبادل الممرضات الحديث عن حقوقهن داخل “مكتب التمريض”، ويحاولن حماية بعضهن من الظلم الإداري أو المضايقات اليومية. لكنها تشير إلى أن الخط الفاصل بين التضامن والصدام مع السلطات يبدو هشًا للغاية، لذلك تتردد كثيرًا قبل التوقيع على أي بيان أو حضور أي اجتماع رسمي.

بعد انتهاء “النبطشية” داخل المستشفى، تقول منى إنها تدخل مباشرة في “نبطشية ثانية” داخل المنزل، في إشارة إلى العبء المضاعف الذي تتحمله النساء العاملات. وتصف حياتها بأنها عالقة بين رغبتها في التغيير وخوفها من الثمن الذي قد تدفعه مقابل ذلك. وتقول إن مجرد الحديث مع زميلاتها عن ظروف العمل أصبح بالنسبة لها “شكلًا صغيرًا من المقاومة”.

وفي مناسبة عيد العمال، لا تطلب منى امتيازات استثنائية بقدر ما تطالب بوجود جسم نقابي مستقل يحمي العاملات في القطاع الصحي من تعسف الإدارات وضغط المعيشة، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي. وتقول إن حلمها يتمثل في أن يصبح صوت العامل المهني المستقل صوتًا مشروعًا، لا تهمة جاهزة، خاصة بالنسبة للنساء العاملات في القطاع الصحي.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *