غارات جوية تشعل حدود السودان الغربية

عاين- 23 أبريل 2026

لم يعد المثلث الحدودي الذي يربط السودان بتشاد وأفريقيا الوسطى، نشطًا بالقوافل التجارية كما هو معتاد في أعقاب التصعيد العسكري بين قوات الدعم السريع من جهة والجيش السوداني والقوات المشتركة من جهة أخرى، لا سيما الهجمات الجوية التي تطال المناطقة الحدودية الخاضعة لسيطرة الدعم السريع.

ومنذ يناير وحتى أبريل الجاري، تعرضت هذه المناطق لما لا يقل عن 13 غارة جوية. وخلال الأيام الماضية كثف الجيش السوداني غاراته الجوية على مناطق التماس مع تشاد، من مدينة “الطينة” شمالاً و”أم دخن” جنوباً، وسط توتر دبلوماسي صامت مع “أنجامينا” وتحول المدن الحدودية إلى أهداف عسكرية مباشرة.”

والثلاثاء الماضية، استهدفت ثلاث طائرات مسيرة تابعة للجيش السوداني “سوق المواتر”، بمنطقة “أم دخن” بولاية شرق دارفور؛ مما أسفر عن مقتل نحو 20 شخصاً وإصابة العشرات. وأكدت مصادر محلية لـ (عاين) أن ارتفاع عدد الضحايا يعود لتزامن القصف مع “يوم السوق” الأسبوعي، الذي يمثل الشريان الاقتصادي لسكان المناطق الحدودية.

سيارة مدمرة في منطقة

لم تكن هذه الواقعة معزولة؛ فقبلها بأيام، وتحديداً في 15 أبريل، استهدفت طائرة مسيرة “سوق المحلية” قرابة الساعة الثانية ظهراً، مما أسفر عن تدمير عدة مركبات وسقوط ضحايا بين قتيل وجريح.

وفي تفاصيل ذلك الهجوم، تنقل (عاين) عن مصدر طبي من مستشفى “أم دخن” (فضل حجب اسمه) أن القصف تركز على منطقة “مكتب الجمارك”؛ مما أدى إلى إصابة 6 مدنيين بجروح متفاوتة، بالإضافة إلى وفاة مواطن اختناقاً جراء الأدخنة الكثيفة. وأوضح المصدر أن الهجوم أسفر أيضاً عن قتلى في صفوف عناصر “قوات الدعم السريع” المتمركزين في المكتب، مشيراً إلى أن جثامينهم لم تُنقل إلى المستشفى نظراً لتفحمها بالكامل.

وفي السياق ذاته، أفاد شهود عيان بأن الاستهداف تزامن مع اجتماع لقيادات عسكرية في موقع قريب من مكتب الاستخبارات بساحة الجمارك، مما أدى لمقتل عدد من العسكريين. غير أن الشظايا والحرائق الناجمة عن القصف لم ترحم المدنيين، حيث امتدت النيران لتبيد مأوى للنازحين في مدرسة مجاورة للموقع.

معبر “أديكونق”: قصف شريان الحياة

على جبهة أخرى لا تقل أهمية، تعرضت معبر “أديكونق” (منطقة أدري) بولاية غرب دارفور لقصف جوي في 14 أبريل. هذا المعبر يمثل “الرئة” التي يتنفس منها أكثر من 6 ملايين مواطن في دارفور، حيث تمر عبره المساعدات الإنسانية والسلع الأساسية من تشاد.

استهدف القصف “سوق الوقود” بالمعبر، مما أحدث حالة من الهلع الشديد أدت إلى توقف حركة الشاحنات. وبحسب شهود عيان تحدثوا لـ (عاين)، فإن القصف دمر مركبات تجارية وسلعاً غذائية أساسية مثل السكر والدقيق، مما أدى فوراً إلى قفزة جنونية في الأسعار داخل أسواق الإقليم المنهك أصلاً. ويقول الناشط الاجتماعي في غرب دارفور، شريف أحمد، لـ(عاين): “أتحرك باستمرار بين أدري والطينة وأديكونق، وما نراه هو نمط متكرر. منذ يناير وحتى أبريل، تعرضت هذه المناطق لما لا يقل عن 13 غارة جوية. القصف لا يفرق دائماً بين هدف عسكري ومدني، والنتيجة هي عرقلة حركة الشاحنات القادمة من موانئ الكاميرون وبنين عبر تشاد”.

قصف جوى يطال مبان مدنية بمنطقة الطينة الحدودية

ويضيف شريف: أن “القصف يؤثر بشكل كبير على حركة الشاحنات، سواء كانت تجارية أو تابعة لمنظمات الإغاثة. وبما أن معبري (أدري والطينة) يمثلان شريان الحياة للبضائع القادمة من غرب أفريقيا، فإن القصف يؤدي إلى تراكم البضائع وتوقف الإمدادات، مما يضع السكان أمام واقع معيشي كارثي”.

القصف المستمر على المناطق الحدودية وإغلاق المعابر أدى إلى ازدهار التهريب والمسارات غير الرسمية، مما رفع تكاليف النقل إلى مستويات غير مسبوقة. ويقول عضو في غرف طوارئ بدارفور لـ(عاين): أن “السلطات التشادية، نتيجة لهذا القصف، بدأت في اتخاذ إجراءات أمنية مشددة شملت الإغلاق الجزئي للحدود، وهو ما انعكس سلباً على تدفق الوقود والسلع”.

ويتابع عضو غرفة الطوارئ الذي فضل حجب اسمه: “عندما تضرب مسيرة شاحنة وقود أو دقيق، أنت لا تقتل سائقاً فقط، بل تقتل آلاف الأسر التي تنتظر هذه السلعة في مخيمات النازحين. الأسعار تضاعفت والنشاط التجاري الرسمي أصيب بالشلل، مما دفع النشاط نحو مسارات التهريب”.

 عمق حدودي

وفي سياق تفسير هذا التصعيد، ترى المتخصصة في العلوم السياسية والنزاعات المسلحة، عزة مصطفى، في مقابلة مع (عاين)، بأنه وفي ظل إغلاق إقليم دارفور وافتقاره للمنافذ، تشكل تشاد وأفريقيا الوسطى “نافذة يتنفس من خلالها” ومساحة للحصول على الإمدادات اللوجستية التي تعينه على الاستمرار في الحرب. كما أكدت أنه لا يمكن قراءة هذه العلاقة بمعزل عن التدخلات الإقليمية، حيث تُستخدم حدود البلدين كمنفذ لتدفق السلاح، معتبرة أن هجمات الجيش قد تكون “رسالة تهديد” من حكومة بورتسودان لتشاد، مفادها القدرة على الوصول إلى العمق الحدودي.

يتفق هذا الطرح مع رؤية الخبير الأمني، الفاتح محجوب عثمان، الذي أكد لـ(عاين)، أن المعارك في شمال دارفور تدار ميدانياً بواسطة القوات المشتركة في كرنوي والطينة، بينما تمثل “أم دخن” القاعدة الرئيسة لانطلاق هجمات الدعم السريع المضادة.

آثار الدمار على محال تجارية صغيرة بمنطقة الطينة الحدودية

ويضيف عثمان: “إن العمليات الجوية للجيش ترمي أساساً للحفاظ على تواجد القوات المشتركة، وفتح الطريق للتوغل بغرض قطع طرق الإمداد القادمة من ليبيا وتشاد لصالح قوات الدعم السريع”. فيما تشير عزة مصطفى في هذا السياق إلى أن تشديد تشاد لإجراءاتها عبر المعابر مؤخراً يعكس استشعارها لجدية العمليات العسكرية التي ينفذها الجيش لقطع هذه الشرايين الحيوية.

الهجمات الجوية الأخيرة على الطينة وأم دخن تعكس نمطا مثيرا للقلق- بحسب الراصد الحقوقي بدارفور- مصطفى بشير الذي ينوه إلى أن القصف يظهر عدم انضباط واضح في استهدافه للأسواق والمعابر الحدودية المكتظة.

وينوه بشير في مقابلة مع (عاين) إلى صعوبة التوثيق الدقيق في ظل انقطاع الاتصالات وانعدام الأمن، حيث يضطر الراصدون للاعتماد على “التصوير المجتمعي” والمقاطع المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي، والتي تخضع لعمليات تحقق معقدة للتفريق بين الحقائق والدعاية السياسية. “هناك تلاعب كبير، والناس تأخذ الصور للكسب السياسي والدعاية الحربية لطرفي النزاع، وهذا يجعل عملية الرصد الدقيق صعبة للغاية”. يقول بشير.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *