تسجيل الصحافة الإلكترونية.. تنظيم مهنة أم بناء قاعدة بيانات؟

عاين- 7 يونيو 2026

واجه الصحفيون السودانيون قرار وزارة الثقافة والإعلام الخاص بتسجيل المواقع والمنصات الصحفية برفضٍ واسع، واعتبروا استمارة التسجيل التي أعدتها الوزارة أنها “تتجاوز التسجيل الإداري إلى بناء قاعدة بيانات شديدة الحساسية” مما يتطلب رفضها ومقاومتها.

وأمهلت وزارة الثقافة والإعلام السودانية المواقع والمنصات الصحفية الإلكترونية مدة 15 يوماً، تنتهي منتصف يونيو الجاري، للتسجيل لديها، وإلا ستواجه إجراءات قانونية لم تفصح عنها في الإعلان المنشور. واطلعت (عاين) على نسخة من استمارة التسجيل المطلوب تعبئتها من قبل أصحاب المواقع الإلكترونية، وقد احتوت على بيانات ومعلومات تفصيلية وُصفت بأنها ذات طابع أمني، من بينها البريد الإلكتروني المرتبط بالنطاق (الدومين)، واسم ومقر شركة الاستضافة (السيرفر)، ووسائل الحماية الإلكترونية، ومصادر التمويل والميزانية. كما شملت الاستمارة أسماء الصحفيين العاملين بالمنصة وأرقام هواتفهم وعناوينهم.

منظومة رقابية

وأعلنت نقابة الصحفيين السودانيين رفضها للإجراءات التي أعلنتها وزارة الثقافة والإعلام، وقالت إن “استمارة تسجيل المراكز الصحفية والمنصات الإلكترونية للعام 2026” تطلب بيانات واسعة وغير مسبوقة تتجاوز بكثير حدود التنظيم الإداري المعقول، لتغوص في تفاصيل تمويلية وتقنية وشخصية وأمنية تمس خصوصية الصحفيين والمؤسسات الإعلامية وحقوقهم الأساسية.

وأضافت النقابة، في بيان، أن “الاستمارة بشكلها الحالي امتداد لسياسات التضييق على العمل الإعلامي، وتتجاوز التسجيل الإداري إلى بناء قاعدة بيانات شديدة الحساسية”. مؤكدة رفضها “تحويل التسجيل إلى أداة رقابية تهدد سلامة الصحفيين، وتقيّد حريتهم، وتُخضع حقهم في العمل لموافقات أمنية ومعلوماتية مسبقة”.

واعتبرت النقابة أن الاستمارة تمثل انتهاكاً للخصوصية وحماية البيانات في ظل غياب أي نص يوضح سبب جمع البيانات، وطريقة تخزينها، والجهات التي يمكنها الوصول إليها، ومدة الاحتفاظ بها. كما وصفتها بأنها نموذج “امتثال شامل” يهدف إلى بناء منظومة رقابية معلوماتية متكاملة.

استمارة أمنية

يقول الصحفي علي الدالي، إن وزارة الثقافة والإعلام لا اختصاص لها بتنظيم العمل الصحفي، وإنما يحكم وينظم العلاقة بين الدولة والمؤسسات الصحفية والصحفيين قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2009، وينعقد الاختصاص في تنفيذ القانون لمجلس الصحافة، وليس للوزارة.

وزارة الثقافة والإعلام ليست لها ولاية على عمل المنصات الإعلامية الرقمية، وما تقوم به تدخلات قهرية لا سند لها من القانون

الخبير القانوني المعز حضرة

ويضيف لـ(عاين): “ما عدا ذلك تُعد قرارات سلطة هدفها ممارسة وسائل القمع ومحاولة إسكات صوت الصحافة الحرة”. موضحاً أن الاستمارة تتعارض حتى مع قانون جرائم المعلوماتية، لأن التشريع يسمو على أي قرار إداري.

وأشار الدالي إلى أن كثيراً من البيانات التي احتوتها الاستمارة كانت موجودة في استمارة سابقة تخص جهاز الأمن في عهد الرئيس السابق عمر البشير، وكان يُجبر الصحفيون على تعبئتها، وفق قوله. وأضاف: “هي استمارة أمنية بامتياز تسعى لإسكات الصوت الحر في الفضاء الواسع. ومن يتضرر من النشر الإلكتروني عليه اللجوء إلى المحكمة وفقاً لقانون جرائم المعلوماتية، رغم سيئاته، ولا حاجة لاستمارة رقابية على الصحفيين”.

وأشار إلى أن الاستمارة شملت بيانات سرية وخاصة بالمؤسسة والصحفي، ولا يجوز الاطلاع عليها، لأن ذلك يعني تعريضها للاختراق الالكتروني، مما يؤكد ـ بحسب رأيه ـ نية السلطة في تقييد حرية العمل الصحفي. ودعا الدالي الصحفيين إلى مقاومة القرار وعدم التسجيل لدى وزارة الإعلام حتى لا تصبح الاستمارة سيفاً مسلطاً على رقابهم.

وتابع: أن “وزير الإعلام حاول استمالة بعض الصحفيين من خلال تقديم التسجيل كشرط للحصول على الإعلانات، وهو فخ يجب أن ينتبه له الصحفيون، لأن السعي وراء الإعلان قد يحول المؤسسة إلى بوق للسلطة، وهو ما يتنافى مع أخلاقيات المهنة وميثاق العمل الصحفي”.

تدخلات قهرية

من جهته، أكد الخبير القانوني المعز حضرة أن وزارة الثقافة والإعلام ليست لديها ولاية على العمل الإعلامي الرقمي أو المنصات الإعلامية الإلكترونية، وأن ما تقوم به “تدخلات قهرية لا سند لها من القانون”.

وقال حضرة لـ(عاين): إن “تسجيل المواقع الإلكترونية يحتاج إلى قانون خاص ينظم الأمر، وهو ما لم يحدث حتى الآن”. وتابع: “وزارة الثقافة ليست لها علاقة بالأمر، ولا يوجد قانون مختص، وما يجري هو نوع من التغول واحتكار المعلومة في ظل الأنظمة الشمولية التي تمارس القهر والوصاية على الآخرين”.

ووصف حضرة قرار تسجيل المواقع الإلكترونية بأنه “محاولة لقهر الصحفيين وحجب المعلومات”، لأنه لا يستند إلى أي قانون نافذ في السودان. وأضاف: “إذا أرادوا تنظيم الأمر فعليهم إصدار قانون، لكن القوانين القائمة حالياً لا تمنح وزارة الثقافة والإعلام هذا الحق”.

وأوضح أن ما يجري جزء من سياسات الأنظمة الشمولية، وكان يمكن مناهضة القرار بالطعن فيه أمام المحاكم، قائلاً: “لكن للأسف لا توجد حالياً مؤسسات عدلية فاعلة للقيام بذلك بسبب الحرب”.

بدوره، قال الأمين العام السابق لمجلس الصحافة والمطبوعات، حسام الدين حيدر، لـ(عاين): إن “وزارة الإعلام ليست لها علاقة قانونية أو تنفيذية بتنظيم العمل الصحفي”، موضحاً أن الوزارة تملك سلطات إشرافية على الإدارات التابعة لها، بينما تنظيم العمل الصحفي من اختصاص مجلس الصحافة والمطبوعات، وهو هيئة مستقلة بقانونها وميزانيتها، تضع الموجهات العامة للصحف دون التدخل في السياسات التحريرية.

تنظيم العمل الصحفي من اختصاص مجلس الصحافة والمطبوعات، وهي هيئة مستقلة بقانونها وميزانيتها، تضع الموجهات العامة للصحف ولا تتدخل في السياسات التحريرية

أمين عام مجلس الصحافة والمطبوعات السابق، حسام الدين حيدر

وأوضح حيدر، أن قانون الصحافة والمطبوعات يتضمن مواد تتعلق بتسجيل مراكز الخدمات الصحفية ووكالات الإعلان، لكنه لا يحتوي على نصوص تنظم المنصات الإلكترونية، كما لا توجد نصوص مماثلة في أي تشريع آخر. مؤكداً أن قرار الوزارة مخالف لقانون الصحافة والمطبوعات وللائحة تطوير العمل الصحفي لسنة 2013.

من جهته، اعتبر المدير التنفيذي لمنصة “دروب” الإلكترونية، مرتضى أحمد، أن الاستمارة المطلوب تعبئتها من وزارة الإعلام تمثل تعدياً سافراً على الحريات الصحفية في السودان، وتهدد سلامة الصحفيين.

وقال لـ(عاين): “من غير المنطقي أن يُطلب من المؤسسة الصحفية تسليم مثل هذه المعلومات الحساسة، وإذا فعل الصحفي ذلك فكأنه يسلم نفسه للسلطات الأمنية”. مبيناً أن المعلومات المطلوبة ذات طبيعة خاصة ولا تخدم الغرض العام، وليس من حق الدولة الاطلاع على هذه التفاصيل الفنية، وفق قوله.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *