كيف تحولت الجامعات السودانية إلى (مقبرة أحلام) الطلاب؟

عاين- 20 مايو 2026

في وقتٍ تحاول فيه آلاف العائلات السودانية التمسك بفكرة التعليم باعتبارها آخر ما تبقى من الاستقرار وسط الحرب والانهيار الاقتصادي، يجد كثيراً من طلاب الجامعات أنفسهم عالقين داخل مسارات أكاديمية مضطربة، تمتد فيها السنوات الدراسية إلى ما يشبه “فترات انتظار مفتوحة”، دون جداول مستقرة أو مواعيد واضحة للتخرج.

وتكشف إفادات طلاب حصلت عليها (عاين) من عدة جامعات وكليات سودانية عن أزمة متشابكة تتجاوز آثار الحرب وحدها، لتشمل اتهامات بضعف الإدارة، وتراكم الدفعات، وتأخير النتائج، وغياب الاستقرار الأكاديمي، إلى جانب الضغوط النفسية والمالية التي يتحملها الطلاب وأسرهم.

أعمار تتآكل داخل القاعات

تقول “سارة”، وهو اسم مستعار لطالبة بكلية علوم البصريات بجامعة النيلين لـ(عاين): إن “أزمة الكلية لا ترتبط فقط بالحرب أو جائحة كورونا أو إغلاقات الجامعات، بل تعود في الأساس إلى ما تصفه بـسوء الإدارة والتسويف المستمر”.

وتوضح أن الدراسة ظلت تسير دون تقويم أكاديمي واضح، بينما يضطر الطلاب بصورة متكررة إلى تقديم خطابات واسترحامات، حتى تُستكمل لهم المواد، أو تُعقد الامتحانات، مضيفة أن الوضع تحول إلى “استنزاف نفسي وأكاديمي طويل”.

وتقول الطالبة إنها أمضت ثماني سنوات داخل الجامعة، لكنها فعليًا لم تدرس سوى ما يعادل ثلاث سنوات أكاديمية فقط، إذ لا تزال حتى الآن في السنة الرابعة، مشيرة إلى أن بعض الدفعات السابقة تجاوزت عشر سنوات داخل الكلية دون تخرج. وتضيف: أن “التعطيل كان مستمرًا حتى قبل الحرب، لافتة إلى أن الكلية شهدت إضرابًا استمر نحو ستة أشهر، بينما كانت كليات أخرى تبحث عن بدائل لاستمرار الدراسة”.

ولا تبدو هذه الشكاوى معزولة عن واقع جامعات أخرى. ففي جامعة الفاشر، تحدثت رابطة طلاب كلية الطب في بيان مطول عن ما وصفته بـ” التخبط الإداري” وتأجيل الامتحانات بصورة مفاجئة، رغم سداد الرسوم الدراسية ورسوم الامتحانات مسبقًا. كما أشار البيان إلى معاناة الطلاب من التنقل المتكرر بين الولايات بعد نقل الدراسة من الفاشر إلى كسلا ثم أم درمان، وسط غياب الخدمات الأساسية والمعينات الأكاديمية والسكن.

كما اشتكى الطلاب من ارتفاع الرسوم وعدم استقرار المنصات الإلكترونية الخاصة بالنتائج، إلى جانب ما وصفوه بغياب الإدارة عن متابعة أوضاع الطلاب خلال فترة النزوح والحرب.

وفي جامعة الإمام المهدي، وصف طلاب كلية الطب أوضاعهم بأنها “مقبرة للأحلام”، مشيرين إلى أن بعض الدفعات ظلت داخل الكلية لما يقارب عشر سنوات دون تخرج. وقال الطلاب، في بيان متداول، إن تراكم الدفعات وغياب التقويم الأكاديمي وتأخير الدراسة تحوّل إلى أزمة مزمنة سبقت الحرب نفسها، متهمين إدارة الكلية بالعجز عن معالجة التدهور المستمر.

أما في جامعة الدلنج، فقد تحدث طلاب كلية الطب عن فراغ إداري مستمر منذ استقالة عميد الكلية، مؤكدين أن بعض الطلاب أمضوا سبع سنوات داخل الكلية وهم ما يزالون في السنوات الأولى، إلى جانب تأخر النتائج لفترات طويلة وغياب مقر ثابت ومجهز للدراسة والامتحانات. وفي كلية التمريض بجامعة المناقل، عبّر الطلاب عن قلقهم من استمرار إضراب الأساتذة لفترة طويلة، ما تسبب في تعطيل الدراسة وتهديد مستقبل الخريجين الذين ينتظرون الامتحانات النهائية.

وفي جامعة السودان العالمية، اشتكى طلاب من فرض رسوم إضافية تحت مسمى “رسوم استضافة” بعد نقل الدراسة إلى مراكز خارج الخرطوم، معتبرين أن تلك الرسوم تمثل عبئًا اقتصاديًا جديدًا في ظل الظروف الحالية. كما تحدث طلاب من جامعة المغتربين عن طول الفصول الدراسية وارتفاع رسوم التسجيل واللابات، إضافة إلى معاناة السفر وغياب الداخليات، مطالبين بإعادة الدراسة إلى المقر الرئيسي للجامعة في الخرطوم.

وفي جامعة العلوم والتقانة، قال طلاب كلية الصيدلة إن العام الدراسي الذي بدأ قبل الحرب امتد لما يقارب ثلاث سنوات بسبب التوقفات المتكررة وتأخير الامتحانات والنتائج، مشيرين إلى أن الدراسة توقفت مرارًا حتى بعد استئنافها.

معارك استنزاف يومية

تقول “هديل”، وهو اسم مستعار لطالبة في كلية إمبريال الجامعية، في مقابلة مع (عاين): إن “رحلتهم داخل الكلية تحولت مع الوقت من تجربة تعليمية إلى معركة استنزاف يومية”. وتوضح أنها تدرس حاليًا في السمستر العاشر، لكنها لم تتسلم حتى الآن نتائج بعض المستويات السابقة، مضيفة أن آخر نتيجة رسمية حصلت عليها كانت منذ المستوى الخامس، رغم استمرارهم في الدراسة ودفع الرسوم بصورة منتظمة. وتتابع: “نحن في آخر سنة تقريبًا، لكن في مواد ونتائج لحدي الآن ما شفناها”.

وبحسب إفادتها، فإن الإدارة الفعلية للكلية أصبحت شبه غائبة بعد الحرب، بينما يواجه الطلاب ارتفاعات متكررة في الرسوم الدراسية، دون وجود بيانات رسمية واضحة. وتقول: إن “بعض الامتحانات ارتبطت بإجراءات وصفتها بـ المرهقة”، مشيرة إلى أن طلابًا مُنعوا من الجلوس للامتحانات بسبب الرسوم.

وتضيف: “أصبحنا نحاول إنهاء الدراسة والتخرج بأي طريقة بعد سنوات طويلة من الضغط والتأجيل والفوضى”.

وفي ردها على شكاوى بعض الطلاب، نفت الأستاذة ريم، من إدارة كلية إمبريال الجامعية، وجود أزمة تتعلق بعدم استقرار الدراسة أو تأخير النتائج، مؤكدة أن العملية التعليمية تسير بصورة مستقرة. وقالت إن الكلية أن الإدارة تمكنت من تخريج ثماني دفعات منذ اندلاع الحرب. وأضافت لـ(عاين)أن وزارة التعليم العالي تتابع أوضاع الكلية بصورة مستمرة، وعلى تواصل دائم مع الإدارة، معتبرة أن ما يُثار حول وجود مشكلات كبيرة داخل الكلية “لا يعكس الواقع”، على حد تعبيرها.

التأخير الأكاديمي وأثره النفسي

يحذر أخصائيون نفسيون من التأثيرات طويلة المدى لحالة “التعليق الأكاديمي” التي يعيشها الطلاب، مشيرين إلى أن التأخير المستمر وعدم وضوح المستقبل قد يؤديان إلى القلق المزمن وفقدان الدافع والشعور بالإحباط لدى كثير من الشباب. ويقول أستاذ علم النفس بجامعة بحري عبدالله آدم، في مقابلة مع (عاين): أن “تأخر الدراسة لفترات طويلة يترك آثارًا نفسية واضحة على الطلاب، خاصة مع استمرار حالة عدم اليقين التي يعيشها التعليم العالي منذ اندلاع الحرب”.

ويشير آدم، إلى إن تعطّل الدراسة وغياب وضوح المستقبل الأكاديمي يرفعان مستويات القلق والتفكير المستمر بشأن المستقبل، ما قد ينعكس في صورة اكتئاب وانخفاض في المزاج العام، إلى جانب تراجع الدافعية والتحصيل الأكاديمي. ويضيف: أن “القلق المستمر وعدم الاستقرار النفسي يؤثران على التركيز والانتباه والقدرة على الالتزام بالدراسة، موضحًا أن غياب تقويم دراسي واضح أو موعد ثابت للتخرج يخلق شعورًا دائمًا بالإحباط وفقدان الحافز والثقة بالنفس لدى بعض الطلاب”.

وبحسب آدم، فإن التأثيرات النفسية تشمل معظم الطلاب، لكنها قد تكون أكثر حدة وسط طلاب الطب والكليات ذات السنوات الدراسية الطويلة، بسبب طبيعة الدراسة والتدريب العملي وامتداد الفترة الزمنية داخل الجامعة. كما يشير إلى أن الأزمة لا تنعكس على الطلاب وحدهم، بل تمتد إلى أسرهم أيضًا، إذ يعني تأخر الدراسة استمرار الأعباء المالية المرتبطة بالرسوم والسكن والمعيشة لفترات أطول.

ولا يستبعد آدم أن تتحول الضغوط المستمرة إلى حالة من “الإحباط الجماعي” وسط الطلاب، خاصة مع تكرار الأزمات وتأخر الحلول، مشددًا على أهمية توفير دعم نفسي واجتماعي ومساحات آمنة للطلاب للتعبير عن مخاوفهم ومشكلاتهم.

الحرب كشفت هشاشة التعليم العالي

المهتم بقضايا التعليم العالي أسامة العوض، يشدد في مقابلة مع (عاين) على أن الحرب لم تؤثر فقط على البنية التحتية للجامعات، بل ضربت العملية التعليمية في عمقها، باعتبارها جزءًا من الانهيار الواسع الذي طال تفاصيل الحياة اليومية في السودان. ويقول العوض: إن “مؤسسات التعليم العالي كانت ضمن القطاعات التي تعرضت للتدمير والتشظي، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على استقرار الدراسة والتحصيل الأكاديمي للطلاب. ويوضح أن عودة بعض الجامعات للعمل في المناطق الآمنة لا تعني عودة الأوضاع إلى طبيعتها، مشيرًا إلى أن الطالب الذي عاد إلى مقاعد الدراسة “لم يجد الجامعة التي كان يعرفها قبل الحرب”.

ويشير إلى أن كثيرًا من الأساتذة الجامعيين أصبحوا، مثل بقية السودانيين، بين نازح ولاجئ داخل البلاد وخارجها، بينما اضطر آخرون للبحث عن أعمال إضافية لتأمين احتياجات أسرهم بعد التدهور الاقتصادي الواسع. وبحسب العوض، فإن الجامعات تعمل حاليًا في ظروف استثنائية، وتحاول “إعادة بناء الحياة الأكاديمية من وسط الركام”، معتبرًا أن استئناف الدراسة، حتى بصورة غير مكتملة، يبقى أفضل من توقفها بالكامل.

ويشير إلى أن البيئة الجامعية الحالية تعاني من نواقص كبيرة تشمل الكوادر التدريسية والمعامل والأجهزة والبنى التعليمية، إلى جانب الأزمات المالية التي تواجه الجامعات والطلاب معًا.

كما يربط العوض بين هذه الظروف وبين تراكم الدفعات وتأخر التخرج، موضحًا أن الحرب فاقمت مشكلات قديمة كانت موجودة أصلًا داخل قطاع التعليم العالي، لكنها أصبحت أكثر تعقيدًا بعد اندلاع النزاع. ويقول: “كانت هناك مشكلات إدارية متراكمة قبل الحرب، لكنها كانت تحت السيطرة إلى حد ما، بينما جاءت الحرب وقضت على الممكن نفسه”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *