كيف تعرقل الأزمات الإدارية مستقبل أطباء السودان؟
عاين- 8 يونيو 2026
بين طبيب ينتظر منذ سنوات استكمال إجراءات تسجيله المهني، وطبيبة خسرت فرصة عمل خارج السودان بسبب تعثر التحقق من مستنداتها، ونائب أخصائي يعمل في مستشفى يستقبل موجات متلاحقة من النازحين دون استقرار مالي أو إداري، تتشكل صورة معقدة للأزمة التي يواجهها الأطباء السودانيون في سنوات الحرب.
وإلى جانب الانهيار الذي أصاب أجزاء واسعة من النظام الصحي، برزت شكاوى متزايدة من تعثر إجراءات التسجيل والتوثيق واعتماد التدريب المهني، وهي إجراءات يقول أطباء إنها أصبحت عقبة إضافية أمام بناء مستقبلهم المهني أو حتى مغادرة البلاد بحثًا عن فرص عمل أفضل. في هذا التقرير، ترصد شهادات ووثائق ومؤشرات رسمية جوانب من هذه الأزمة وتأثيرها على آلاف الأطباء العاملين والخريجين الجدد.
آلاف الأطباء في الانتظار
يروي الطبيب عمر سيد أحمد طه، وهو خريج دفعة 2022، في مقابلة مع (عاين)، تفاصيل ما وصفه بسلسلة طويلة من التعقيدات والتأخيرات التي واجهت الأطباء حديثي التخرج في إجراءات التسجيل والامتياز عقب اندلاع الحرب في السودان.
ويقول عمر إن إجراءات ما بعد التخرج كانت تسير بصورة طبيعية قبل الحرب، إذ كان الخريج يكمل ما يُعرف بـ”القسم”، ثم يحصل خلال فترة تتراوح بين شهرين وأربعة أشهر على شهادة التسجيل التمهيدي، وهي الوثيقة التي تحتوي على الرقم التسلسلي المعتمد لتوزيع الأطباء على برنامج الامتياز.
وبحسب إفادته، فإن أهمية التسجيل التمهيدي لا تكمن في الشهادة نفسها، وإنما في الرقم التسلسلي الذي يحدد أولوية الطبيب في التوزيع على مواقع الامتياز، مشيرًا إلى أن استخراج هذه الشهادة كان يتم سابقًا دون رسوم تُذكر.
ويوضح سيد أحمد، أن الأوضاع تغيرت بصورة كبيرة بعد الحرب، حيث أدى تراكم أعداد الخريجين وإغلاق مقر المجلس الطبي وانتقال العمل إلى المنصات الإلكترونية إلى تعقيد الإجراءات، ما جعل التواصل مع المجلس الطبي أكثر صعوبة، بحسب وصفه.
وأوضح عمر أنهم أكملوا إجراءات التخرج في بداية الحرب، لكنهم انتظروا أكثر من عامين ونصف للحصول على التسجيل التمهيدي. ويشير إلى أن الموقع الإلكتروني للمجلس كان يوضح أن رسوم استخراج الرقم التسلسلي والتسجيل التمهيدي تبلغ “صفر جنيه”، إلا أن الشهادات لم تصل إلى المتقدمين لفترات طويلة.
وفي المقابل، يقول إن بعض الخريجين كانوا يحصلون على الشهادات بسرعة عبر وسطاء مقابل مبالغ مالية، لافتًا إلى أنه قدم طلبه في ديسمبر، لكنه لم يتسلم الشهادة إلا في مارس التالي، رغم أن تاريخ استخراجها الرسمي يعود إلى ديسمبر.
وبعد حصوله على التسجيل التمهيدي، تم توزيعه رسميًا على برنامج الامتياز في مارس 2025، إلا أن إشكالات جديدة ظهرت لاحقًا مع اعتماد فترات التدريب السابقة للتوزيع الرسمي.
ويشرح أن العديد من الخريجين كانوا يعملون في المستشفيات بنظام الإلحاق قبل حصولهم على التوزيع الرسمي، ثم طُلب منهم لاحقًا تقديم مستندات تثبت تلك الفترات لاعتمادها ضمن فترة الامتياز.
ويرى الطبيب أن عملية الاعتماد شابتها إشكالات عديدة، موضحًا أن بعض الأطباء حصلوا على اعتماد لفترة الامتياز رغم عدم إكمالهم التدريب بصورة فعلية، الأمر الذي تزامن مع أزمة أخرى مرتبطة بالامتحانات نتيجة محدودية المراكز الاستيعابية مقارنة بأعداد المتقدمين.
ويقول إن عدد المتقدمين للامتحانات تجاوز سبعة آلاف شخص، في حين كانت القدرة الاستيعابية للمراكز أقل بكثير من ذلك، ما تسبب في صعوبات كبيرة أثناء التسجيل. وأضاف أن الموقع الإلكتروني كان يُفتح لفترات قصيرة جدًا قبل أن يُغلق مجددًا، الأمر الذي فتح الباب أمام السمسرة وبيع الحجوزات، بحسب تعبيره. ويشير إلى أنه اضطر شخصيًا لدفع مبالغ إضافية عبر أحد الوسطاء للحصول على فرصة للتسجيل، معتبرًا أن هذه الممارسات أضرت بعدد كبير من الأطباء حديثي التخرج.
ويختتم إفادته بالقول إن أكثر ما يثير الإحباط هو شعور كثير من الخريجين بأن سنوات من عمرهم المهني ضاعت بسبب التعطيل الإداري والتأخير في الإجراءات، بينما أصبح طلاب التحقوا بكليات الطب بعدهم بسنوات قريبين من الوصول إلى مراحل مهنية مماثلة، أو حتى تجاوزهم في بعض المسارات، على حد قوله.
مؤشرات رسمية
وتُظهر المؤشرات الرسمية لوزارة الصحة الاتحادية وجود 8,707 أطباء امتياز موزعين حالياً في المستشفيات تحت ظروف الحرب والنزوح المستمر. يعاني هؤلاء الأطباء الجدد من انقطاع شبه كامل لمرتباتهم لشهور متتالية وتدهور مريع في بيئة العمل؛ إذ لا يتجاوز الراتب الشهري لطبيب الامتياز 57,000 جنيه سوداني وهم مجبرون علي العمل حسب إفادة الطبيب عمر، وبالرغم من إجراء المجلس الطبي لامتحانات ممارسة المهنة الاستثنائية في نوفمبر 2025 بمشاركة 2,938 طبيباً وطبيبة وتحقيق نسبة نجاح بلغت 86.5% في الطب البشري حسب المجلس، فإن استكمال إجراءات نيل السجل الدائم ورخصة المزاولة المستقلة يظل معطلاً بفعل شلل اللجان الفنية، واضطرار الخريجين لانتظار مصير مجهول دون استجابة حكومية حقيقية.
العُقد الإدارية
تشير الطبيبة السودانية “سارة” (اسم مستعار)، وهي خريجة كلية الطب بجامعة الخرطوم عام 2018، لـ(عاين) إن حلمها بالعمل في دولة خليجية اصطدم بسلسلة طويلة من التعقيدات الإدارية والتوثيقية المرتبطة بالمؤسسات الطبية السودانية، لتنتهي رحلتها، بحسب روايتها، بفقدان فرصة وظيفية كانت تعول عليها كثيرًا.
وتروي “سارة” أنها وصلت إلى الدولة الخليجية، وشرعت في استكمال إجراءات التوظيف، غير أن الجهات المختصة هناك طلبت منها إخضاع مؤهلاتها الأكاديمية والمهنية لعملية تدقيق دولية. الأمر تزامن مع اقتراب انتهاء صلاحية تسجيلها الطبي الدائم في السودان خلال شهر فبراير الماضي، بينما منحتها السلطات الصحية في الدولة الخليجية مهلة محدودة لاستكمال المستندات المطلوبة، ما وضعها تحت ضغط زمني.
وبحسب إفادتها، اضطرت إلى دفع أموال طائلة نظير التحقق من مستنداتها لدى عدد من الجهات السودانية، من بينها مستشفى إبراهيم مالك التعليمي، ووزارة الصحة الاتحادية، والمجلس الطبي السوداني، وإدارة الخدمات الطبية التابعة للقوات المسلحة السودانية.
لكن “سارة” تقول إن “الإجراءات دخلت بعد ذلك في دوامة من التأخير والتعطيل”. وتضيف: أنها “أكملت جميع الخطوات المطلوبة إلكترونيًا، إلا أن الطلب ظل معلقًا دون تقدم”. وعندما أرسلت شقيقها لمراجعة المجلس الطبي السوداني وشرح طبيعة الظرف الزمني الذي تواجهه، أفادت بأن الرد الذي نُقل إليها كان: “الآن مستحيل، أخبروها أن تنتظر”.
وتشير سارة إلى أن محاولاتها لتتبع مستندات التدريب السريري الخاصة بها لعام 2021 واجهت عراقيل إضافية. فبحسب روايتها، تواصلت مع المدير الطبي السابق لمستشفى إبراهيم مالك، الذي أخبرها أن المستشفى لم يعد مسؤولًا عن تلك الإجراءات، وأن الملفات تُحال مباشرة إلى وزارة الصحة. وتقول إن ذلك “أجبرها على خوض رحلة طويلة من المتابعات والاتصالات بين مؤسسات مختلفة، رغم أن شهاداتها كانت قد استكملت سابقًا إجراءات التوثيق الرسمية لدى الجهات المختصة”.
وتقول “سارة” إن النتيجة النهائية كانت خسارة فرصة العمل التي سعت إليها لسنوات، مشيرة إلى أن ما حدث لا يمثل حالة فردية، بل يعكس معاناة عدد من الأطباء السودانيين الساعين إلى استكمال إجراءاتهم المهنية خارج البلاد.
وتطرح “سارة” تساؤلات حول الفجوة بين المؤشرات الرسمية التي تتحدث عن استمرار خدمات التدقيق والتحقق من المؤهلات خلال فترة الحرب، وبين ما يواجهه بعض الأطباء عمليًا من تأخير وتعقيدات إدارية وخلافات مؤسسية تنعكس بصورة مباشرة على مستقبلهم المهني وفرص عملهم خارج السودان.
تحذيرات
يصف الطبيب محمد الحارث، نائب أخصائي جراحة بمستشفى عطبرة التعليمي، في مقابلة مع (عاين) واقع الأطباء العاملين في المستشفى بأنه أحد أكثر المشاهد تعقيدًا منذ اندلاع الحرب، ويرى الحارث أن التحديات لا تقتصر على ظروف العمل داخل السودان، بل تمتد إلى الأطباء الذين يسعون للحصول على فرص عمل خارج البلاد. ووفقًا لإفادته، يواجه بعض الأطباء السودانيين صعوبات أثناء استكمال إجراءات التحقق المهني المطلوبة للعمل في دول الخليج عبر شركة “داتا فلو” الدولية.
ويقول إن بعض الأطباء يدفعون مبالغ كبيرة نظير إجراءات التحقق من الشهادات والخبرات المهنية لدى عدد من المؤسسات السودانية، إلا أن بعض المعاملات تتعرض للتأخير لفترات طويلة. ويضيف أن زملاء له أبلغوه بوجود حالات لم تتلق فيها بعض الجهات السودانية استفسارات التحقق الدولية الرد المطلوب في الوقت المناسب، ما أدى إلى تأخير أو تعثر إجراءات التوظيف.
وبحسب الحارث، فإن عدداً من الأطباء يعتقدون أن خلافات مالية أو إدارية بين بعض الجهات المحلية والجهات الدولية المعنية بالتحقق من المؤهلات قد تكون أحد أسباب التأخير، غير أنه يؤكد أن الأطباء أنفسهم لا يملكون معلومات رسمية توضح طبيعة هذه الخلافات أو مدى تأثيرها في سير المعاملات.
كما يشير إلى ما يصفه بمشكلات متكررة في الأنظمة الإلكترونية الخاصة بإجراءات التسجيل والتجديد المهني، موضحًا أن بعض الأطباء يشتكون من بقاء طلباتهم قيد المعالجة لفترات طويلة دون تحديث واضح لحالة الطلبات.
ويحذر الحارث من أن استمرار المشكلات الإدارية والمالية المرتبطة بالتسجيل والتوثيق والتوظيف قد ينعكس سلبًا على قدرة المؤسسات الصحية السودانية على الاحتفاظ بكوادرها الطبية المؤهلة، داعيًا الجهات المختصة إلى معالجة هذه الملفات بصورة عاجلة وضمان انسياب الإجراءات المتعلقة بالتسجيل المهني والتحقق من المؤهلات الطبية.





















