احتيال باسم المساعدات الإنسانية.. كيف يسقط السودانيون في الفخ؟
عاين- 4 يونيو 2026
توسعت مؤخرا في السودان عمليات احتيال إلكتروني ينفذها أشخاص مجهولون باسم المساعدات الإنسانية والمنظمات الداعمة للنازحين والمتضررين من الحرب، ويقدم هؤلاء المحتالون أنفسهم على أنهم موظفون أو مندوبون يتبعون لمنظمات إنسانية، ويستخدمون أسماء جهات معروفة ظلت بالفعل تقدم دعما ماديا لمتضرري الحرب.
أغلب عمليات الاحتيال التي رصدتها (عاين)، تتم بإيهام الضحايا عبر الاتصال المباشر أو إرسال رسائل نصية عبر وسائل التواصل الاجتماعي يُبلّغ فيها الضحايا بأن لديهم مساعدات نقدية، ويطلبون منهم إدخال أرقام سرية أو أكواد تصل إلى هواتفهم بحجة استلام الدعم لتبدأ بعدها عمليات سحب وتحويل الأموال من حساباتهم المصرفية بصورة مفاجئة.
وتشير متابعات (عاين)، إلى أن هذه الشبكات تنشط منذ وقت، إلا أن الظاهرة تصاعدت بصورة لافتة خلال شهر فبراير من هذا العام حيث سجلت حالات متعددة في عدد من الولايات السودانية وسط شكاوى متزايدة من الضحايا الذين فقد بعضهم مدخراتهم وأموال آخرين كانت بحوزتهم. في وقت أفاد وكيل نيابة مكافحة جرائم المعلوماتية (عاين) بمتابعتهم 15 ألف بلاغ احتيال إلكتروني بهذا الخصوص في نيابة مكافحة جرائم المعلوماتية خلال العام الماضي.
يكشف المواطن، نجم الدين قمر، تفاصيل تعرضه لعملية نصب محكمة أدت إلى فقدانه مليارات الجنيهات السودانية بينها أموال تخص آخرين كانت مودعة بحسابه المصرفي. ويقول نجم الدين لـ(عاين): إن “شخصا حضر إليه، وطلب منه مبلغ 2 مليار و200 مليون جنيه سوداني كاش، ثم طلب منه التحدث مع شخص آخر عبر الهاتف عرفه بنفسه، وأنه يتبع لمنظمة قطرية للمساعدة الإنسانية وأوهمه بوجود دعم مالي سيُحَوَّل إليه”. وتابع: “المتصل أخبرني بأنه سيرسل رقم كود لاستلام المبلغ وبمجرد إدخال الرقم في هاتفه اختفت الأموال من حسابه البنكي بصورة مفاجئة ليتفاجأ لاحقا بأن المبلغ المسحوب تجاوز 3 مليارات و600 مليون جنيه سوداني”.
يشير نجم الدين إلى اكتشافه التعرض لعملية نصب إلكترونية، ويقول أنه “باشر فورا الإجراءات القانونية، وأصدرت النيابة خطابا للبنك للتحقق من الحسابات التي استقبلت الأموال المحولة وبحسب نتائج التتبع البنكي تبين أن المبالغ حُوِّلَت إلى ثلاثة حسابات مصرفية في ولايات مختلفة شملت حسابا بمدينة فوربرنقا بولاية غرب دارفور وآخر بولاية الجزيرة وثالثا بمدينة عطبرة”. وأضاف نجم الدين: أن “كافة الإجراءات القانونية اكتملت وتمت متابعة التحويلات والحسابات المشتبه بها، إلا أن القضية لا تزال أمام المحكمة، ولم يصدر فيها حكم نهائي حتى الآن”.
احتيال أموال مساعدات إنسانية
في حادثة أخرى استهدفت أحد العاملين في المجال الإنساني بإقليم دارفور، تعرض أحمد يحيى -اسم مستعار- لأحد العاملين المتطوعين في مجال المساعدات الإنسانية- لاختراق حسابه المصرفي وسحب مبالغ مالية تقدر بنحو 45 مليار جنيه سوداني في واحدة من أكبر عمليات الاحتيال الإلكتروني.

على الرغم من حرص أحمد الشديد على حماية حسابه المصرفي وعدم مشاركة بياناته مع أي شخص خاصة بحكم تعامله مع منظمات إنسانية تعمل في تقديم المساعدات للمواطنين المتضررين، إلا أنه فوجئ يوم الجمعة الموافق 24 أبريل بتعرض حسابه للاختراق وإغلاقه وفتحه عبر هاتف آخر دون علمه
وأوضح أنه سارع بالتواصل مع أحد أصدقائه الذي قام بدوره بإخطار البنك ليتم اكتشاف تنفيذ عمليات تحويل مالية ضخمة من الحساب إلى حسابين مصرفيين مختلفين.
وعلى إثر ذلك اتخذ أحمد، ومن معه الإجراءات القانونية اللازمة حيث تم فتح بلاغ جنائي فيما باشرت النيابة فتح بلاغ آخر بغرض تتبع حركة الأموال والتحويلات المشبوهة. وأشار في مقابلة مع (عاين)، إلى أن الحساب المستهدف كان يستقبل أموالا مخصصة للمساعدات الإنسانية المقدمة للمواطنين في إحدى ولايات دارفور.
وبحسب نتائج التحريات الأولية تبين أن أحد الحسابين المحول إليهما الأول في مدينة الجنينة والثاني بالخرطوم بحري. وأكد أحمد، أن الإجراءات القانونية ما تزال مستمرة وسط جهود مكثفة لتعقب الحسابات المرتبطة بعملية الاحتيال، غير أنه أشار إلى أن مسار التقاضي وتتبع الأموال قد يستغرق وقتا طويلا.
15 ألف بلاغ احتيال إلكتروني خلال عام
يحدد وكيل نيابة مكافحة جرائم المعلوماتية آدم السنوسي، أبرز أساليب الاحتيال في الوقت الحالي، ويشير إلى أنها تتمثل في ما يُعرف بالاحتيال عبر المساعدات الإنسانية، حيث يتصل الأشخاص بالضحايا مستخدمين أرقام هواتف مزيفة، ويزعمون أنهم تابعون لمنظمات إنسانية، ويعرضون تقديم دعم مالي، أو يدعون وجود أقارب للضحايا في الخارج، مثل السعودية، ويريدون تحويل أموال لهم”
ويشير السنوسي، إلى أن هؤلاء المحتالين يطلبون من الضحايا الدخول إلى تطبيقات مالية وإدخال كلمات السر أو الأرقام المرجعية، وفور تنفيذ ذلك يتم سرقة الأموال من الحسابات المصرفية.
يكشف السنوسي، البلاغات المتعلقة بالاحتيال الإلكتروني يشهد زيادة كبيرة، حيث بلغ عدد البلاغات التي تم التعامل معها العام الماضي في نيابة المعلوماتية الواحدة أكثر من 15 ألف بلاغ، وهذا دون احتساب بقية الولايات السودانية، ما يعكس خطورة هذه الجرائم وضرورة توخي الحذر.

فيما يصف المحامي زكريا عبدالله الشريف، جرائم الاحتيال الإلكتروني بـ “أخطر الجرائم المالية” لما تسببه من أضرار مباشرة على الضحايا، وتؤثر سلباً على الثقة العامة في التعاملات المالية بين الأفراد والمؤسسات.
وأوضح أن القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 يعرف الاحتيال والنصب بأنه الخداع العمدي للاستيلاء على مال الغير أو تحقيق كسب غير مشروع، أو التسبب في ضرر للضحايا، وأن العقوبة قد تكون السجن أو الغرامة أو الجمع بينهما، وقد تصل مدة السجن إلى ثلاث سنوات، حسب ظروف وملابسات الجريمة.
أساليب متطورة.. كيف يتم استهداف الضحايا؟
المحتالون يستهدفون عقل الضحية فيما يعرف بالهندسة الاجتماعية عبر الاتصال بالمستخدم وإيهامه بأن حسابه البنكي يحتاج إلى تحديث، ويطلبون منه إرسال كود التفعيل أو التنشيط المرسل إلى هاتفه كما يرسلون روابط عبر الواتساب، ويطلبون من الضحية تسجيل الدخول وبمجرد تسجيل الدخول يتم اختراق الحساب- وفقا لما تفيد به (عاين) مهندسة الأمن السيبراني نضال عباس.
وبحسب عباس، فإن من أساليب الاحتيال أيضا استخدام التطبيقات الخبيثة التي تستطيع قراءة الرسائل بمجرد تنزيلها على الهاتف إلى جانب الاحتيال باسم المنظمات الإنسانية حيث يتم التواصل مع الأشخاص عبر الواتساب أو المكالمات المباشرة وإخبارهم بأنهم فازوا بمساعدة مالية أو منحة، ويطلب منهم إرسال بيانات الحساب البنكي وكود التفعيل وأرقام التواصل وأحيانا يطلب منهم دفع رسوم مالية.
وتشير مهندسة الأمن السيبراني، إلى أن الكود الخاص ورقم الهاتف وكلمة المرور معلومات شخصية لا يجب مشاركتها مع أي شخص كما حذرت من الدخول إلى الروابط المجهولة لأنها تستخدم في عمليات الاحتيال.
وتدعو عباس جميع مستخدمي التطبيقات البنكية إلى تفعيل خاصية التحقق الثنائي في التطبيقات البنكية والواتساب والبريد الإلكتروني مع استخدام وسائل الحماية مثل بصمة الإصبع أو بصمة العين كما شددت على ضرورة تنزيل التطبيقات من المتاجر الرسمية مثل قوقل بلاي أو آب ستور وعدم تحميلها من الروابط أو المواقع غير الموثوقة.





















