عملتان وتطبيق مصرفي واحد.. كيف تشظى النظام المصرفي في حرب السودان؟
عاين أغسطس 2026
بينما ألغى بنك السودان المركزي تداول العملة القديمة في مناطق سيطرة الجيش، ما تزال هذه الأوراق يتم تحوليها عبر تطبيق “بنكك” إلى أرصدة مصرفية ثم عملة جديدة داخل المناطق التي نُفذت فيها عملية الاستبدال، في مفارقة أوجدت واقعاً نقدياً غير مسبوق؛ عملة واحدة بإصدارات مختلفة، وسلطتان نقديتان، يربط بينهما تطبيق مصرفي واحد.
داخل هذا الوضع، وجد علاء الدين أحمد دفع الله، التاجر بمدينة غبيش في ولاية غرب كردفان، أن 25 مليون جنيه اختفت من حسابه في بنك الخرطوم دون إشعار مسبق. وسط عجزه عن معرفة السبب أو الاعتراض على الإجراء وإرجاع أمواله.
25 مليون جنيه اختفت من حسابي في بنك الخرطوم دون إشعار مسبق، ولا أستطيع السفر إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش لإستفسار البنك، خشية التعرض للاعتقال بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع
تاجر في كردفان
يقول علاء الدين لـ(عاين): إنه “لا يستطيع السفر إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، حيث توجد فروع بنك الخرطوم، خشية تعرضه للاعتقال بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع”. ويضيف: أنه “كلّف شخصاً بمتابعة الأمر نيابة عنه، لكن إدارة البنك اشترطت حضور صاحب الحساب شخصياً”.
ويؤكد أن ما جرى معه ليس حالة فردية، إذ تعرض أكثر من عشرة تجار في سوق غبيش، بحسب قوله، لخصومات مماثلة تجاوزت في مجموعها 170 مليون جنيه، فيما أبلغ أحد فروع البنك وكيلاً عنه بأن الأموال “محجوزة بسبب بلاغ”، وستظل مجمدة لفترة قبل اتخاذ قرار بشأنها في حالة عدم حضور صاحب الحساب شخصياً.
ورغم أن قضية السحوبات المالية أثارت مخاوف العملاء في دارفور وكردفان، إلا أنها تفتح الباب حول طبيعة النظام النقدي الذي فرضته الحرب. ففي الوقت الذي استبدل فيه بنك السودان المركزي العملة في عدد من الولايات، لا يزال تطبيق “بنكك” يعمل في مناطق لم تشملها عملية الاستبدال، ما يتيح انتقال القيمة من الأوراق النقدية المتداولة هناك إلى أرصدة رقمية داخل النظام المصرفي، قبل أن تتحول لاحقاً إلى أوراق نقدية جديدة في ذات مناطق الجيش.
بداية الانقسام النقدي
وكان بنك السودان المركزي قد بدأ في ديسمبر 2024 تنفيذ خطة لاستبدال الطبعات القديمة من فئتي 500 و1000 جنيه، ونُفذت العملية على مرحلتين، بدأت الأولى في ولايات شرق وشمال ووسط السودان، فيما استثنيت منها الولايات الواقعة خارج سيطرة الحكومة، وعلى رأسها ولايات دارفور وكردفان.
وفي مايو 2025، وسّع البنك المركزي نطاق الاستبدال ليشمل ولايتي الخرطوم والجزيرة، إضافة إلى أجزاء من ولاية النيل الأبيض كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع قبل استعادتها من قبل الجيش. لكن البنك المركزي أكد في المقابل أن الولايات التي لم تشملها المرحلتان الأولى والثانية، ومن بينها ولايات دارفور وكردفان، ستظل الطبعات القديمة فيها مبرئة للذمة وصالحة للتداول إلى حين تهيئة الظروف الأمنية لتنفيذ عملية الاستبدال.
وفي المقابل حظرت قوات الدعم السريع تداول العملة الجديدة التي طبعها بنك السودان المركزي، واعتمدت في مناطق سيطرتها سريان العملة القديمة. لكن ما يزال تطبيق “بنكك” الوسيلة الرئيسية للتحويلات المالية، رغم اختلاف وضع الأوراق النقدية المتداولة.
استمرار عمل تطبيق “بنكك” في دارفور وكردفان لا يعني غياب الرقابة المصرفية، بل قد يعكس قراراً أمنياً أو استخباراتياً يتيح متابعة حركة الأموال والأنشطة الاقتصادية داخل مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.
خبير مصرفي
ويقول خبير الأنظمة المصرفية، تاج السر حسن لـ(عاين): إن “بنك السودان المركزي لا يفقد رؤية حركة الأموال التي تمر عبر التطبيق، لأن جميع التحويلات بين البنوك تخضع لنظام المقاصة الخاضع لإشرافه، ما يعني أن البنك المركزي يستطيع تتبع حركة الأموال ومصدرها حتى وإن جرت داخل مناطق لا تخضع لسيطرة الحكومة”.
ويرى حسن، أن استمرار عمل “بنكك” في تلك المناطق لا يعني غياب الرقابة المصرفية، بل قد يعكس قراراً أمنياً أو استخباراتياً يتيح متابعة حركة الأموال والأنشطة الاقتصادية داخل مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.
ويؤكد، أن الأوراق النقدية المتداولة في دارفور وكردفان ما تزال مبرئة للذمة داخل تلك الولايات، لأن عملية استبدال العملة لم تُنفذ فيها حتى الآن، وبالتالي فإن تداولها هناك لا يتعارض، من الناحية القانونية، مع قرارات بنك السودان المركزي.
اقتصاد منقسم
من جهته يصف الخبير الاقتصادي، حسام الدين إسماعيل، الوضع بأنه أقرب إلى ما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ”التشظي النقدي” أو “الازدواج النقدي الجغرافي”، حيث تعمل أجزاء من الدولة بترتيبات نقدية مختلفة نتيجة الانقسام العسكري والسياسي، الأمر الذي يحد من قدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية بصورة موحدة.
ويقول إسماعيل في حديثه لـ(عاين): إن “المشكلة لم تعد تقتصر على استمرار تداول إصدارات نقدية مختلفة، بل تطورت إلى إنشاء مؤسسات مصرفية موازية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، بما ينذر بوجود نظامين نقديين داخل الدولة الواحدة”.
ويضيف: “هناك أوراق نقدية لم تعد معتمدة في المناطق التي نفذت فيها عملية استبدال العملة، لكنها ما تزال متداولة في مناطق سيطرة حكومة تأسيس، التي تعترف بها؛ لأنها تحمل توقيع المحافظ السابق لبنك السودان حسين يحيى جنقول، وهو الشخص نفسه الذي عينته حكومة تأسيس لاحقاً محافظاً للبنك المركزي التابع لها”.
وكان رئيس وزراء حكومة “تأسيس” محمد حسن التعايشي أصدر في 11 مايو الماضي مرسوماً بإنشاء مجلس العملة الانتقالي، وأسند إليه الإشراف على تداول العملة، وتنظيم الشؤون النقدية والمصرفية، وإعداد برنامج لاستبدال العملة في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة الموازية، قبل أن تعلن ذات الحكومة في 21 مايو تعيين حسين يحيى جنقول محافظاً للبنك المركزي في مدينة نيالا.
ويرى إسماعيل، أن استمرار عمل “بنكك” في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع قد يرتبط باعتبارات قانونية وتجارية. ويقول إن بنك الخرطوم، بوصفه مؤسسة مصرفية تتعامل مع النظام المالي الدولي، قد يتجنب اتخاذ إجراءات من شأنها التأثير على سمعته أو التزاماته تجاه عملائه، كما أن نصفه مملوك لدولة الإمارات.
سوقان نقديان
وإلى جانب اختلاف وضع الأوراق النقدية بين مناطق البلاد، برزت ظاهرة أخرى تتمثل في وجود سعرين للسلعة الواحدة، أحدهما عند الدفع نقداً، والآخر عند السداد عبر التحويل المصرفي باستخدام تطبيق “بنكك”.
ويفيد متعاملين في أسواق دارفور وكردفان (عاين)، إن الفرق بين السعرين يتراوح في كثير من الأحيان بين 20 و30 في المائة، وهو فارق لم يعد استثناءً، بل تحول إلى ممارسة يومية في الأسواق، مع تزايد الطلب على السيولة النقدية.
ويقول متعاملون في التحويلات المالية إنهم يشترون النقد الورقي من تجار السلع الاستهلاكية مقابل عمولات تتراوح بين 20 و25 في المائة، ثم يعيدون بيعه للمواطنين بعمولات تصل إلى 30 في المائة، ما يجعل النقد نفسه سلعة تباع وتشترى مثل أي سلعة أخرى.
وأدى ذلك إلى انتقال تكلفة الحصول على السيولة إلى المستهلك النهائي، إذ يضيف التجار تلك العمولات إلى أسعار السلع عند السداد عبر التحويلات المصرفية. ففي مدينة غبيش بولاية غرب كردفان، يباع جوال ذرة الدخن بـ 500 ألف جنيه عند السداد عبر التحويل البنكي، بينما ينخفض سعره إلى 420 ألف جنيه عند الدفع نقداً. وفي مدينة الضعين بولاية شرق دارفور، يباع جوال دقيق القمح (25 كيلو) بـ 165 ألف جنيه عند الدفع عبر “بنكك”، مقابل 140 ألف جنيه عند الدفع النقدي.
ومنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، فقد آلاف السودانيين مصادر دخلهم بعد توقف الأنشطة الاقتصادية والنزوح من مناطقهم، لتصبح التحويلات المالية القادمة من الأقارب في الخارج شرياناً رئيسياً لإعالة الأسر، خاصة في دارفور وكردفان. وتصل هذه التحويلات عبر تطبيق “بنكك”، ليقومون بتحويل الرصيد الإلكتروني إلى نقد ورقي، عبر وسطاء أو تجار سيولة يقتطعون نسباً تصل إلى 30 في المائة من قيمة المبلغ المحول.
وبمرور الوقت، لم تعد هذه الممارسات مجرد حلول مؤقتة فرضتها ظروف الحرب، بل تحولت إلى جزء من دورة اقتصادية كاملة، نشأت حول تجارة السيولة والتحويلات المصرفية، وأوجدت مهنًا ووسطاء وأسعاراً خاصة بها، خصوصاً في دارفور وكردفان.
تحديات أمام السياسة النقدية
ويرى الخبير الاقتصادي، هيثم محمد فتحي، أن إدارة الكتلة النقدية تمثل إحدى أهم وظائف بنك السودان المركزي، إذ يستخدم أدوات السياسة النقدية للتحكم في عرض النقود والسيولة المتداولة، بهدف كبح التضخم وتحقيق الاستقرار المالي ودعم النشاط الاقتصادي.
ويقول فتحي، في لـ(عاين): إن “خطة استبدال العملة استهدفت سحب كتلة نقدية محددة من التداول وإحلال أوراق جديدة محلها، إلا أن العملية لم تكتمل في جميع أنحاء البلاد، كما أن استمرار تعدد الإصدارات النقدية خلق تحديات إضافية أمام إدارة السياسة النقدية”.
السحوبات قد تكون مرتبطة بمتابعة الأجهزة المختصة لحركة الأموال والتحويلات المالية، خصوصاً إذا وجدت شبهات تتعلق بتمويل أنشطة الحرب أو مخالفة القوانين واللوائح المنظمة للتعاملات المصرفية.
خبير اقتصادي
ويشير إلى أن غياب الوضوح بشأن بعض الإجراءات المرتبطة بعملية الاستبدال، إلى جانب احتمال وجود نقص في كميات العملة الجديدة نتيجة تأخر الطباعة أو التوزيع، قد يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق، ويؤثر في ثقة المتعاملين بالنظام النقدي، كما قد يوسع الفجوة بين السعر الرسمي للجنيه وسعره في السوق الموازية، ويزيد الطلب على العملات الأجنبية، في وقت تستغل فيه شبكات المضاربة هذا الوضع بشراء بعض الإصدارات القديمة بأقل من قيمتها الاسمية.
ويضيف فتحي: “عدد من المناطق الريفية ما تزال تعاني نقصاً في الأوراق النقدية الجديدة، وهو ما دفع بعض المجتمعات إلى اللجوء إلى المقايضة أو الاعتماد بصورة أكبر على العملات الأجنبية لتسيير معاملاتها التجارية”. ويشير إلى أن الجنيه السوداني لا يزال يمثل العملة الوطنية الوحيدة من الناحية القانونية، إلا أن الحرب أفرزت واقعاً جديداً يتمثل في تعدد الإصدارات النقدية وتفاوت مستويات قبولها بين المناطق، ما أسهم في نشوء أسواق نقدية متباينة داخل الدولة الواحدة، وألقى بأعباء إضافية على قدرة البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية بصورة موحدة.
ورغم أن التحولات التي شهدها النظام النقدي خلال الحرب تفسر جانباً من تعقيدات المشهد المالي، فإنها لا تقدم تفسيراً مباشراً للسحوبات التي يقول عدد من عملاء بنك الخرطوم في دارفور وكردفان إنهم تعرضوا لها دون إشعار مسبق.
ويرجح الخبير الاقتصادي حسام الدين إسماعيل، أن تكون السحوبات مرتبطة بمتابعة الأجهزة المختصة لحركة الأموال والتحويلات المالية، خصوصاً إذا وجدت شبهات تتعلق بتمويل أنشطة الحرب أو مخالفة القوانين واللوائح المنظمة للتعاملات المصرفية.































