جروحٌ لا تُرى.. حرب السودان تمتد إلى الصحة النفسية للملايين

عاين- 23 يوليو 2026

لم تقتصر الحرب في السودان على ما خلفته من قتلى وجرحى ودمار واسع في المدن والبنية التحتية، بل امتد آثارها إلى صحة السودانيين النفسية. فمع استمرار الحرب تصاعدت التحذيرات من أن البلاد مقبلة على تحدٍّ جديد قد يستمر سنوات مع اتساع رقعة الاضطرابات النفسية، وسط محدودية الخدمات العلاجية ونقص الكوادر المتخصصة.

علياء (28 عاماً)، واحدة من بين السودانيات اللائي لم تكن الحرب لديهن مجرد معارك أو قصف أو رحلة نزوح قاسية، وإنما شكلت بداية مواجهة طويلة مع الفقد والصدمة النفسية. فقدت والدتها خلال الحرب، واضطرت إلى التنقل بين أكثر من منطقة بحثاً عن الأمان، قبل أن تجد نفسها أيضاً مضطرة إلى إيقاف جلسات العلاج النفسي التي كانت تمثل بالنسبة إليها طوق نجاة، بعدما حالت الظروف الأمنية دون استمرارها بصورة منتظمة.

تروي علياء، في حديثها لـ(عاين)، أن رحلتها مع العلاج النفسي بدأت قبل اندلاع الحرب مع أخصائية نفسية ساعدتها على تحقيق تقدم ملحوظ، غير أن اندلاع القتال قطع استمرارية العلاج. وبعد ذلك تابعت جلساتها مع أخصائي نفسي، قبل أن تستكمل رحلة التعافي مع معالجة نفسية أخرى خلال جلسات حضورية أو عبر الإنترنت كلما سمحت ظروف الاتصالات بذلك.

لا تبدو قصة علياء استثناءً في السودان اليوم، بل تمثل نموذجاً لآلاف القصص التي خلّفتها الحرب، حيث تجاوزت آثارها الدمار المادي لتصيب الصحة النفسية لشريحة واسعة من السكان، في وقت يحذر فيه مختصون من موجة متزايدة من الاضطرابات النفسية قد تمتد لسنوات بعد انتهاء النزاع، إذا لم تُعزز خدمات العلاج والدعم النفسي بصورة عاجلة.

مستشفى النو.. ملاذ وحيد

مستشفى النو في أم درمان بالعاصمة السودانية كان واحد من المستشفيات التي استمرت في تقديم الخدمات العلاجية، رغم استمرار القصف وانهيار المنظومة الصحية في العاصمة الخرطوم، وكان عيادة الطب النفسي الوحيدة التي تقدم خدماتها للمرضى النفسيين. وتقول اختصاصية الطب النفسي، خديجة محمد الحبيب السيد التي استمرت في العمل بالمستشفى: “حجم الإقبال كان كبيراً للغاية، إذ كانت العيادة تستقبل نحو 90 مريضاً كل يوم خميس من الأسبوع، وهو رقم يعكس حجم الاحتياج المتزايد إلى خدمات الطب النفسي في ظل توقف معظم المؤسسات المتخصصة، بينما كانت الكوادر الطبية تعمل بإمكانات محدودة ونقص واضح في عدد الاختصاصيين.

متطوعة بمستشفى النو- الخرطوم- أم درمان

وتضيف خديجة في مقابلة مع (عاين): “مستشفى النو لم يكن يضم قسماً للطب النفسي قبل الحرب، غير أن الزيادة الكبيرة في أعداد المرضى دفعت إلى إنشاء القسم بعد اندلاع القتال، إلا أن المشكلة الأساسية ظلت تتمثل في غياب خدمات التنويم، ما اضطر الأطباء إلى تحويل الحالات التي تحتاج إلى رعاية داخلية إلى مستشفيات في بورتسودان أو عطبرة أو كسلا”.

الطلب على العلاج النفسي يتزايد

وزارة الصحة في ولاية الخرطوم تقول: إن “المؤشرات التي رصدتها الوزارة منذ اندلاع الحرب تظهر زيادة مطردة في الإقبال على خدمات الصحة النفسية، الأمر الذي فرض تحديات إضافية على المؤسسات الصحية التي تعمل في ظروف استثنائية، وسط نقص في الإمكانات والكوادر”.

وتشير مديرة إدارة الصحة النفسية بالوزارة، هيام إبراهيم، في مقابلة مع (عاين)، إلى أن الحرب لم تستهدف البنية التحتية والاقتصاد وحدهما، وإنما تركت آثاراً عميقة في الصحة النفسية للمواطنين، نتيجة النزوح الجماعي، وفقدان الأمان والاستقرار، والتعرض المستمر لمشاهد العنف.

وتنوه بأن ارتفاع الطلب على العلاج النفسي يعكس اتساع دائرة المتأثرين بالحرب، ويؤكد الحاجة إلى توسيع الخدمات النفسية لتلبية الاحتياجات المتزايدة خلال المرحلة المقبلة.

مصير عدد كبير من المرضى الذين كانوا يتلقون العلاج داخل المستشفيات النفسية قبل الحرب ظل مجهولاً بعد توقف تلك المؤسسات عن العمل

أخصائية نفسية بمستشفى النو

فيما تعود أخصائية الطب النفسي خديجة السيد للتذكير بأن مصير عدد كبير من المرضى الذين كانوا يتلقون العلاج داخل المستشفيات النفسية قبل الحرب ظل مجهولاً بعد توقف تلك المؤسسات عن العمل، مشيرة إلى أن آخر عملية لإخراج المرضى من مستشفى التجاني الماحي بالخرطوم جرت في السابع والعشرين من رمضان، بعدما أصبحت المنطقة غير آمنة نتيجة العمليات العسكرية، وهو ما اضطر الكوادر الطبية إلى إخلاء المستشفى حفاظاً على سلامة المرضى والعاملين. وتلفت إلى أن عائلات المرضى واجهت معاناة مضاعفة في سبيل توفير الأدوية لأقاربها، في ظل انقطاع الإمدادات الدوائية، وارتفاع أسعار العلاج، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية.

الحرب تترك جروحاً لا تُرى

ويحذر استشاري الطب النفسي بمستشفى التجاني الماحي، يس عباس وداعة، من أن آثار الحروب والكوارث لا تقف عند حدود الخسائر البشرية والمادية، وإنما تمتد لتخلق أزمة نفسية واسعة قد تلازم المجتمعات لفترات طويلة بعد توقف العمليات العسكرية.

ويقول في مقابلة مع (عاين): إن “النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية تؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الضغوط والاضطرابات النفسية”، موضحاً أن غالبية الأشخاص الذين يعيشون في بيئات النزاع يتعرضون بدرجات متفاوتة لضغوط نفسية، حتى وإن لم تظهر عليهم أعراض الأمراض النفسية بصورة مباشرة.

ويضيف وداعة: “دراسات العالمية تشير إلى أن شخصاً واحداً من كل خمسة أشخاص يعيشون في مناطق النزاعات، أي ما يعادل نحو 22 في المائة من السكان، يحتاج إلى دعم نفسي أو تدخل علاجي متخصص، وهو ما يعكس حجم العبء الذي قد تواجهه خدمات الصحة النفسية في السودان خلال مرحلة ما بعد الحرب”.

الصورة من محاضرات للدعم النفسي بمركز إيواء ( مدرستي المك نمر والسلمابي) بولاية الجزيرة – الصورة: جامعة الجزيرة

ويرى وداعة، أن هذه الأرقام تؤكد أن التعافي الحقيقي لا يقتصر على إعادة إعمار الطرق والمباني والمرافق الخدمية، بل يتطلب أيضاً الاستثمار في إعادة بناء الإنسان نفسياً، باعتبار أن الآثار النفسية غير المعالجة قد تتحول إلى عبء طويل الأمد على المجتمع بأكمله.

ويبين وداعة أن المتأثرين بالحرب يمكن تصنيفهم إلى ثلاث فئات رئيسية. الفئة الأولى، وهي الأكبر عدداً، تعاني استجابات نفسية طبيعية ومؤقتة، مثل القلق، والأرق، والانفعال، وضعف التركيز، وبعض التغيرات السلوكية أو زيادة التدخين، لكنها تستعيد توازنها تدريجياً من دون الحاجة إلى تدخل علاجي متخصص.

أما الفئة الثانية، فتواجه أعراضاً تستمر لفترة أطول، مثل القلق المزمن، واضطرابات النوم، والتوتر المستمر، وهي حالات تستجيب بصورة جيدة للتدخلات النفسية المبكرة، والإرشاد النفسي، والدعم الأسري والمجتمعي.

في المقابل، تضم الفئة الثالثة، وهي الأقل عدداً والأكثر احتياجاً للرعاية، الأشخاص الذين يصابون باضطرابات نفسية واضحة، مثل الاكتئاب الشديد، أو اضطراب ما بعد الصدمة، أو غيرهما من الاضطرابات التي تتطلب علاجاً نفسياً ودوائياً منتظماً. ويؤكد أن شدة الأعراض ترتبط ارتباطاً مباشراً بحجم الحدث الصادم وقرب الشخص منه، مشيراً إلى أن التعرض المتكرر للقصف، والهجمات الصاروخية، ومشاهدة القتل والإصابات والدمار، يزيد بصورة كبيرة من احتمالات الإصابة باضطرابات نفسية طويلة الأمد.

النساء يمثلن نحو 70 في المائة من الحالات التي تلقت خدمات الصحة النفسية

مسؤولة حكومية

وتكشف مسؤولة الصحة النفسية في وزارة الصحة بولاية الخرطوم، هيام إبراهيم، عن أن النساء يمثلن نحو 70 في المائة من الحالات التي تلقت خدمات الصحة النفسية، مقابل نسبة أقل من الرجال. وتعزو ذلك إلى الأعباء النفسية والاجتماعية المضاعفة التي تتحملها النساء خلال الحروب، بما في ذلك فقدان أفراد الأسرة، والنزوح، وتحمل مسؤوليات إضافية داخل المنزل، فضلاً عن التعرض المستمر للخوف وانعدام الأمان.

وترى أن هذه المؤشرات تفرض توسيع خدمات الصحة النفسية الموجهة للنساء، باعتبارهن من أكثر الفئات تعرضاً للتداعيات النفسية للحرب، وبما يضمن تقديم الدعم اللازم لهن خلال مرحلة التعافي.

التدخل المبكر… خط الدفاع

في مقابل الصورة القاتمة التي رسمتها المؤشرات الميدانية، يشدد استشاري الطب النفسي بمستشفى التجاني الماحي، يس عباس وداعة أن التدخل المبكر يمثل حجر الزاوية في الحد من تطور المشكلات النفسية إلى اضطرابات مزمنة، داعياً إلى توفير الإسعافات النفسية الأولية للمتضررين، وتعزيز شبكات الدعم الأسري والمجتمعي، وتوسيع خدمات الإرشاد النفسي وبرامج إدارة الضغوط، بما يساعد المتأثرين بالحرب على استعادة توازنهم النفسي والاندماج مجدداً في حياتهم الطبيعية.

وفي السياق نفسه، تؤكد مديرة إدارة الصحة النفسية بوزارة الصحة بولاية الخرطوم، هيام إبراهيم، أن الوزارة عملت، رغم التحديات الكبيرة التي فرضتها الحرب، على توسيع نطاق خدمات الدعم النفسي، من خلال إنشاء عيادات متخصصة داخل مراكز الإيواء في أربع ولايات تعد الأكثر استقبالاً للنازحين.

وتوضح، أن الهدف من هذه الخطوة هو إيصال خدمات الرعاية النفسية إلى المتضررين في أماكن وجودهم، والتخفيف من الآثار النفسية للنزوح وفقدان الأمان، في ظل استمرار الضغوط التي يواجهها النظام الصحي، ونقص الكوادر والإمكانات.

وتلفت، إلى أن استمرار هذه الخدمات وتوسيعها خلال مرحلة ما بعد الحرب سيكون عاملاً مهماً في احتواء التداعيات النفسية، خاصة بين الفئات الأكثر هشاشة.

ويشدد استشاري الطب النفسي بمستشفى التجاني الماحي، يس عباس وداعة، على أن تجهيز مستشفيات الطب النفسي بعد الحروب لا يقتصر على إعادة فتح أبوابها، بل يتطلب وضع خطة طوارئ متكاملة تشمل زيادة أعداد الأطباء النفسيين، والأخصائيين النفسيين، والكوادر التمريضية، إلى جانب تدريبهم على التعامل مع اضطرابات ما بعد الصدمة، والصدمات الحادة، والأمراض النفسية المرتبطة بالحروب والنزوح والكوارث.

كما يؤكد أهمية توفير مخزون استراتيجي من الأدوية النفسية الأساسية، بما يشمل مضادات الذهان، ومضادات الاكتئاب، وأدوية القلق، والمنومات، مع ضمان استقرار سلاسل الإمداد الدوائي، حتى لا تتكرر أزمة انقطاع العلاج التي عانى منها المرضى خلال سنوات الحرب.

 

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *