قوى سودانية تختلف بـ(أديس أبابا) حول العملية السياسية
عاين- 6 يونيو 2026
كشفت الاجتماعات التشاورية التي استضافتها العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بدعوة من الآلية الخماسية الدولية 3- 5 يونيو الجاري، عن عمق الانقسام داخل المعسكر المدني والسياسي السوداني بشأن مسار إنهاء الحرب، إذ نجحت بعض القوى في التوصل إلى رؤية مشتركة لإطلاق عملية سياسية عبر لجنة تحضيرية، بينما رفضت قوى وحركات أخرى الوثيقة أو تحفظت على مخرجاتها، معتبرة أن العملية شابها قصور في التمثيل والتوافق، ولم تحسم قضايا جوهرية تتعلق بمستقبل القوى المرتبطة بالنظام السابق وضمانات تنفيذ أي تسوية سياسية.
ورغم أن الاجتماعات أفضت إلى توقيع بيان مشترك بين قوى سياسية ومدنية بارزة يدعو إلى إطلاق عملية سياسية شاملة تنهي الحرب وتؤسس لسلام مستدام، فإن المخرجات واجهت موجة من الاعتراضات والانسحابات، ما حوّل الاجتماع من منصة لبناء توافق واسع إلى ساحة كشفت استمرار الخلافات حول شكل العملية السياسية وأطرافها وحدود المشاركة فيها، وأثار تساؤلات حول قدرة المبادرات الدولية على جمع القوى السودانية المتباعدة في رؤية موحدة.
وجاء اللقاء بدعوة من الآلية الخماسية المعنية بالأزمة السودانية، التي تضم الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، والهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد”.
وأعلنت قوى سياسية ومدنية سودانية، بينها التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، والكتلة الديمقراطية – قوى الحرية والتغيير، وحزب البعث العربي الاشتراكي – الأصل، والمؤتمر الشعبي، وحزب الأمة، إلى جانب شخصيات ومنظمات مدنية ونسوية وشبابية، عن توافقها على رؤية مشتركة لإطلاق مسار سلام سوداني.
كما أن فصائل من الكتلة الديمقراطية بما في ذلك حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، والتحالف الديمقراطي للعدالة الاجتماعية برئاسة مبارك أردول، والجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة برئاسة الأمين داوود شاركت في اجتماعات أديس ابابا الاستكشافية بينما قاطعت مكونات أخرى بالكتلة الاجتماعات.
حل شامل
وقالت القوى الموقعة في بيانها إن التوافق يضع أسس حل سياسي شامل يحافظ على وحدة السودان وسيادته، ويعالج جذور الأزمة، ويستجيب لتداعيات الحرب الإنسانية والاجتماعية والسياسية.
وأضاف البيان أن هذا التقارب يعكس إرادة متنامية بين هذه القوى للعمل المشترك من أجل إنهاء معاناة المدنيين، ومواجهة خطاب الكراهية والعنصرية، وتغليب الحوار، ووقف التصدع في النسيج الاجتماعي.
وأكدت القوى المشاركة ضرورة وقف الحرب فورًا، والانطلاق نحو عملية سياسية تستند إلى مشروع وطني لإعادة الإعمار ومعالجة آثار الحرب، عبر مقاربة شاملة تضع الاستجابة الإنسانية في المقدمة، إلى جانب توسيع الفضاء المدني، وتهيئة البيئة السياسية والإجرائية اللازمة لبدء العملية السياسية وضمان نجاحها.
وشددت على أن العملية السياسية المرتقبة يجب أن تفضي إلى مصالحة مجتمعية شاملة، وصياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة الاجتماعية والمساواة، وإنهاء التهميش، ومعالجة قضايا الفقر والتنمية غير المتوازنة، إضافة إلى تعزيز احترام حقوق الإنسان، وترسيخ العدالة الجنائية، ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب، إلى جانب تفعيل مسارات العدالة الانتقالية، ومعالجة الآثار النفسية والاجتماعية للحرب.
ودعت هذه القوى السودانيين والقوى الإقليمية والدولية الداعمة للسلام إلى دعم الجهود الرامية لإنهاء الحرب، وفتح الطريق أمام تسوية تفضي إلى السلام والأمن والمواطنة المتساوية والحرية والعدالة والاستقرار والتنمية.
في المقابل أعلنت الحركة الشعبية لتحرير السودان – التيار الثوري الديمقراطي رفضها الوثيقة الصادرة عن اللجنة التحضيرية للعملية السياسية والبيان الصحفي الصادر عن الاجتماع التشاوري الذي انعقد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
وقالت نائبة رئيس الحركة، بثينة دينار، في بيان صدر الجمعة، إن العملية السياسية التي عقدت اجتماعها الأول في أديس أبابا شابها “قصور كبير”، ولم تلتزم بما تم الاتفاق عليه سابقًا داخل تحالف “صمود” وإعلان المبادئ السوداني.
وأضافت أن الحركة شاركت في الاجتماعات لكنها تمسكت بعدد من الملاحظات، أبرزها ضرورة الاتفاق أولًا مع الآلية الخماسية على تصميم العملية السياسية قبل الشروع في تنفيذها، معتبرة أن المسار الحالي لا يرتبط بصورة عضوية بمعالجة الكارثة الإنسانية وحماية المدنيين، وأنه يمثل نقاشًا سياسيًا معزولًا عن واقع المواطنين ولا يفضي إلى هدنة إنسانية.
ورأت دينار أن المضي في عملية سياسية دون التزام طرفي الحرب بنتائجها يجعلها “رفاهية نظرية” لا تحدث تغييرًا ملموسًا في حياة المواطنين، مشيرة إلى أن المسار الحالي أضعف من مبادرة سلام روتانا التي كانت القوى المدنية الديمقراطية قد رفضتها قبل اندلاع الحرب.
وانتقدت الحركة رفض تضمين نص صريح يمنع مشاركة حزب المؤتمر الوطني وواجهاته في العملية السياسية، معتبرة أن ذلك يثير الشكوك بشأن الأهداف النهائية للعملية، وقد يفضي إلى مكافأة القوى التي ساهمت في إشعال الحرب.
والسبت، قال مساعد رئيس تحالف الكتلة الديمقراطية، مبارك أردول، إن الأطراف الموقعة على وثيقة اللجنة التحضيرية للعملية السياسية اتفقت على رفض مشاركة تحالف السودان التأسيسي “تأسيس”، الذي يُعد الذراع السياسي لقوات الدعم السريع، إلى جانب حزب المؤتمر الوطني، رغم عدم تضمين ذلك نصًا في الوثيقة النهائية.
كما حذرت الحركة الشعبية التيار الثوري، من أن الطريقة التي بدأت بها العملية السياسية في أديس أبابا قد تؤدي إلى إغراقها بالأطراف المختلفة وإنتاج حلول هشة لا تخاطب جذور الأزمة ولا تستعيد أهداف الثورة.
وقالت إن البيان الصحفي الصادر عن الاجتماعات استند إلى “عموميات”، وجرى توقيعه مع جهات داعمة لأحد طرفي الحرب، الأمر الذي يجعله، بحسب وصفها، لا يمثل مقاربة متكاملة لمعالجة الأزمة السودانية.
ودعت الحركة تحالف “صمود” والقوى الموقعة على إعلان المبادئ السوداني إلى إجراء مراجعة دقيقة لمخرجات الاجتماعات، وتوسيع نطاق المشاورات والاتصالات داخل السودان وخارجه مع مختلف القوى المدنية الديمقراطية، والعمل على مقاومة أي توجهات قد تسهم في إعادة إنتاج الحرب.
خلافات
وفي موقف مماثل، رفضت حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور التوقيع على الرؤية المشتركة مع الكتلة الديمقراطية، بسبب خلافات حول استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من العملية السياسية.
وشهدت الاجتماعات، التي انعقدت خلال الفترة من 3 إلى 4 يونيو الجاري برعاية الآلية الخماسية الدولية، تباينات واضحة بين المشاركين بشأن أولويات العملية السياسية وشروط الانخراط فيها، ما انعكس في صدور بيان مشترك مقابل تحفظات ورفض من أطراف أخرى وانسحابات من بعض المشاركين.
وأعلنت مساعدة رئيس الكتلة الديمقراطية سالي زكي انسحابها من المخرجات، مؤكدة عدم علاقتها بما تم توقيعه، ومشددة على أن أي توافق يجب أن يكون شاملاً ومفتوحاً ويهدف إلى وقف الحرب على أسس واضحة، فيما وقع بقية ممثلي الكتلة على البيان الختامي.
ومن أبرز نقاط الخلاف التي طغت على الاجتماعات قضية مشاركة أو استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما من العملية السياسية، وهي نقطة ظلت محور انقسام رئيسي بين الأطراف المشاركة.
وتأتي هذه الاجتماعات في إطار تحركات الآلية الخماسية التي تضم الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، و”إيغاد”، بهدف دفع الأطراف السودانية نحو مسار سياسي شامل ينهي الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، ويضع أسس تسوية تعالج جذور الأزمة وتعيد الاستقرار إلى السودان.
وتأتي اجتماعات أديس أبابا في ظل الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والتي خلّفت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع سقوط آلاف القتلى والجرحى، ونزوح ولجوء ملايين السودانيين، واتساع رقعة المجاعة والانهيار الخدمي في مناطق واسعة من البلاد، وسط تعثر الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى التوصل لوقف دائم لإطلاق النار وإطلاق عملية سياسية تنهي النزاع.
تحالف تأسيس.. موقف من الجيش
إلى ذلك، عقد تحالف تأسيس، مساء الجمعة، اجتماعاً تشاورياً مع الآلية الخماسية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. وقال التحالف في بيان إن الاجتماع مع الآلية الخماسية استعرض عدداً من القضايا المرتبطة بالتطورات الراهنة ورؤية التحالف لحل الأزمة السودانية، في إطار الجهود المبذولة لتعزيز التواصل والتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين.





















