“عدالة مؤجلة”.. عندما يصبح الإبلاغ عن العنف الرقمي خطرًا على السودانيات
انتجت مراسلة لـ(عاين) هذا التقرير بالتعاون مع طومسون فاونديشن
عاين- 14 أكتوبر 2026
لم تعد الحرب في السودان تُخاض بالرصاص وحده؛ فبينما تتسع جبهات القتال، وتتراجع قدرة مؤسسات الدولة على حماية المدنيين، انتقلت المعركة إلى الهواتف والشاشات، حيث تُلاحق نساء سودانيات بسبب آرائهن وعملهن ومواقفهن، عبر التهديد والتشهير والابتزاز ونشر الصور الخاصة وانتهاك الخصوصية.
بالنسبة للناجيات، لا ينتهي العنف عند إغلاق الهاتف؛ فصورة منشورة على منصة اجتماعية قد تتحول إلى أداة للتهديد، ورسالة مجهولة قد تصبح سبباً للخوف من العودة إلى المنزل، بينما ينتهي بلاغ يُفتح لدى السلطات في الأدراج بلا تحقيق أو مساءلة.
ومع استمرار الحرب، تحول الفضاء الرقمي إلى مساحة للترهيب وإسكات الأصوات، خاصة عندما تكون الضحية امرأة، حيث تُستخدم صورها وحياتها الخاصة وأسرتها للضغط عليها
في هذا التحقيق، نتتبع قصص نساء تعرضن لأشكال مختلفة من العنف الرقمي خلال الحرب، وحاولن اللجوء إلى القانون لطلب الحماية ومحاسبة الجناة، لنثبت بالأدلة والشهادات الميدانية والوثائق واقع وقوع العنف الرقمي الممنهج ضدهن، ونكشف في المقابل صعوبة واستحالة الوصول إلى العدالة في ظل الحرب، وصولاً إلى واقع بات فيه الإبلاغ نفسه يحمل خطورة مضافة ويهدد حريتهن، مما دفع بعضهن إلى مغادرة البلاد بحثاً عن الأمان، بينما بقيت بلاغاتهن معلقة دون تسوية.
الشاشات المشتعلة.. وقائع الترهيب الرقمي
على شاشة هاتفها في مدينة كسلا شرقي السودان، كانت الصحفية سمر سليمان محمد تتابع تدفق الرسائل التي لم تعد مجرد تعليقات عابرة؛ إذ سرعان ما تحولت تلك التدوينات إلى حملة تشهير شرسة ونشر لصورها الخاصة وتهديدات طالت سلامتها الشخصية، بسبب عملها الصحفي وموقفها المناهض للحرب وتوثيقها لأوضاع النازحين الفارين من جحيم النزاع، وتوضح سمر أنها تعرضت لكل أنواع العنف الرقمي؛ من إساءة وتنمر وانتهاكات جسيمة لخصوصيتها ونشر صورتها الشخصية عبر منصات التواصل مع اتهامها بالعمالة، مبينة أن المعتدين لم يقفوا عند حدود مهاجمة مواقفها المهنية والمدنية، بل انتقلوا إلى حياتها الخاصة كامرأة، مستخدمين عرضها وصورها في محاولة للضغط عليها وكسر إرادتها عبر إرسال رسائل ومواد غير لائقة.
تلك الهواتف نفسها حملت الصدمة ذاتها إلى الناشطة الحقوقية صفاء محمد—وهو اسم مستعار تستخدمه حفاظاً على سلامتها الشخصية—حين رأت صورتها الشخصية تتصدر فجأة منشوراً تداولته صفحات فيسبوك، انطلاقاً من صفحة تحمل اسم «حراس جبل أولياء»، مقرونة باتهامات صريحة تتعلق بارتباطها بما يُعرف بحكومة «تأسيس»، والمشاركة في اجتماعات سياسية عُقدت في العاصمة الأوغندية كمبالا، والضلوع في جمع معلومات استخباراتية، ولم يلبث المنشور أن أعيد تداوله على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي، لينتقل إلى مجموعات أخرى وحسابات شخصية نشطة، وهو ما وسّع دائرة الاستهداف على نحو مفاجئ وجعلها في مواجهة حملة تشهير وتضليل كبرى عجزت معها عن معرفة الجهة التي تقف خلف الحملة أو حصر أعداد المشاركين فيها.
ولم يكن المشهد بعيداً عن مناطق سيطرة قوات الدعم السريع بإقليم دارفور، حيث واجهت الصحفية زمزم خاطر حملات عنف رقمي ممنهجة بدأت بالتشهير وتوجيه اتهامات بالعمالة والخيانة، ونشر عبارات مسيئة وتهديدات متواصلة طالتها عبر الفضاء الإلكتروني، وتؤكد زمزم أن الحملة لم تنطلق من حساب معزول، بل انخرطت فيها صفحات ومجموعات متعددة وأشخاص معروفون من بينهم إعلاميون، خاصة بعد نشرها منشوراً ناقداً على صفحتها الشخصية عن قصف طائرة مسيرة لحفل زفاف في بلدة «كتم»، انتقدت فيه تمركز مركبة عسكرية وسط تجمعات المدنيين، ليتحول هذا المنشور إلى ذريعة لحملة تحريض واسعة وشديدة القسوة استباحت سمعتها، وتجاوزتها إلى تهديد محيطها العائلي.
هذا التهديد الرقمي تسلل أيضاً إلى حياة الناشطة ميساء في جنوب دارفور، لتعيش رعباً حقيقياً بعدما تفاجأت بظهور اسمها وصورها ضمن قوائم اتهام للمتعاونين جرى تداولها ونشرها في مجموعات التواصل الاجتماعي، وهو ما جعلها ملاحقة بتهديدات متواصلة فرضت عليها التواري والخوف من الحركة؛ إذ تحولت تلك القائمة الرقمية إلى وسيلة لمطاردتها في الواقع المعاش.
وفي اللحظة ذاتها، كابدت العاملة نسرين المصير نفسه، حين استُلت صور شخصية لها، ونُشرت خارج سياقها الطبيعي على منصات التواصل الاجتماعي، وتحديداً عبر صفحة تحمل اسم «افضح متعاون»، مع إلصاق تهمة التعاون مع جهات مسلحة بها، ليتحول تداول الصور المجتزأة إلى أداة ترهيب رقمية جعلتها في مرمى الشبهات والاتهامات العامة دون أدنى صلة لها بالصراع.
توثيق دولي وأممي.. من التهديد الافتراضي إلى القمع الميداني
تتقاطع هذه الوقائع المتطابقة بصورة مباشرة مع ما وثقته التقارير الدولية الصادرة حول السودان؛ إذ وثق تقرير منظمة «فريدوم هاوس» عن حرية الإنترنت استخدام منصات مثل فيسبوك وتطبيق واتساب في نشر الاتهامات والتحريض وتوجيه تهديدات مباشرة بالقتل ضد الصحفيين والناشطين، مسجلاً حالات تلقى فيها صحفيون رسائل تصفية عبر تطبيقات المراسلة، وحالات اعتقال وعنف ارتبطت بصورة وثيقة بمنشورات ونشاط رقمي كما رصد التقرير حملات مضايقة وتنمر إلكتروني استهدفت نساء ناشطات ومحاولات مستمرة لتشويه سمعتهن الاجتماعية، مبيناً أن الأمر لا يقف عند حدود الفضاء الإلكتروني؛ إذ سرعان ما تتحول الاتهامات المتداولة عبر المنصات إلى مخاطر ملموسة في الواقع تشمل التهديد والتوقيف والعنف الجسدي، مما يجعل العنف الرقمي في سياق الحرب جزءاً بنيوياً من منظومة ترهيب أوسع تهدف إلى قمع الأصوات المناهضة للحرب وإسكاتها.
وتتضح هذه الرابطة العضوية بصورة أكبر في المراسلة الرسمية التي بعث بها خبراء الأمم المتحدة بشأن السودان؛ إذ رصد الخبراء، في الفترة ما بين يناير ويونيو 2024، استهداف ما لا يقل عن تسع ناشطات ومدافعات عن حقوق الإنسان بالاستجواب والترهيب والاحتجاز التعسفي، مؤكدين أن بعضهن اعتُقلن حصراً بعد التعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن قضايا تتصل بحقوق النساء وتدهور الوضع الإنساني، وأوضح الخبراء أن المدافعات تعرضن خلال فترات الاحتجاز لتفتيش قسري لهواتفهن واستجواب مكثف حول منشوراتهن وحساباتهن الرقمية، قبل أن تُوجّه لبعضهن اتهامات بارتكاب جرائم ضد الدولة أو بالتعاون مع أطراف النزاع المسلح، مع الإشارة إلى أن إجراءات الاحتجاز جرت دون أي رقابة نيابية أو قضائية، مما يكرس أثراً مثبطاً وقاسياً يقيد عمل المدافعات والصحفيات، ويحد من قدرتهن على التوثيق والتعبير والعمل العام.د
جدار العدالة المسدود.. حين يصبح البلاغ مصيدة
أمام هذا الحصار الافتراضي، حملت سمر سليمان ملفاتها، وتوجهت إلى قسم الشرطة في مدينة كسلا، معتقدة أن استقرار الوضع الأمني هناك يسمح بمتابعة البلاغات والوصول إلى الأشخاص الذين يقفون خلف الحسابات والأرقام المعتدية قيدت سمر سبعة بلاغات جنائية ضد مجهولي الهوية، وطالبت بالكشف عن أصحابها ومحاسبتهم، غير أن تلك البلاغات السبعة لم تمنحها أي نوع من الحماية، ومع كل محاولة لمتابعتها كانت تصطدم بتجمد الإجراءات وعقبات متتالية، بينما واصلت التهديدات تصاعدها حتى بلغت تهديداً مباشراً بالقتل تلقته عبر الهاتف من شخص قدم نفسه باعتباره وزيراً سابقاً في حكومة الإنقاذ، توعدها صراحة بأنهم سيستلمون مقاليد البلاد، وأنها «لن ترى السودان إلا على الخريطة» ومع هذا الانسداد وسقوط مدينة ود مدني، أدركت سمر أن بقاءها داخل السودان لم يعد خياراً آمناً؛ فغادرت البلاد حاملة معها مستندات بلاغاتها السبعة، لتكتشف أن حملات التشهير استمرت في ملاحقتها حتى بعد وصولها إلى منفاها في أوغندا، فيما تعذر عليها تحريك إجراءات قانونية هناك بشأن جرائم بدأت ونُفذت داخل السودان، ليظل المعتدون طلقاء ومجهولي الهوية بالنسبة إليها.
وإذا كانت الشكوى قد قادت سمر إلى المنفى، فإنها دفعت بصفاء محمد مباشرة إلى زنزانة الحبس؛ فعندما دخلت إلى قسم الشرطة في صبيحة اليوم التالي لانتشار المنشور لتفتح بلاغاً رسمياً، وتطلب الحماية وملاحقة القائمين على الحملة، لم يُستكمل البلاغ الذي جاءت لتقدمه، بل انقلبت الإجراءات في مواجهتها مباشرة؛ إذ باشرت الشرطة استجوابها هي ذاتها على ذمة الاتهامات المتداولة رقمياً، وانتهى الأمر باحتجازها والتحقيق معها لمدة أسبوعين كاملين، ورغم أن التحريات لم تثبت صحة الاتهامات الموجهة ضدها، وأُطلق سراحها لاحقاً، إلا أن ذلك اقترن بمطالبتها بالتوقف عن النشاط العام وإغلاق الموضوع، لتخرج الشاكية عاجزة عن مواصلة أي إجراء ضد أصحاب الصفحة والحسابات التي أطلقت الحملة، وشوهت سمعتها.
ويتخذ مسار العدالة منحناه الأكثر دموية مع زمزم خاطر، حيث امتد أثر التحريض الرقمي ليصيب أسرتها في مقتل؛ فبعد حملات التشهير الإلكترونية، داهمت قوة تابعة للدعم السريع منزل أسرتها في كتم في أبريل، واحتجزت عدداً من أفراد الأسرة لنحو خمسة أشهر على خلفية منشوراتها، قبل إطلاق سراح شقيقتيها أسماء وإكرام في سبتمبر، في واقعة وثقتها لجنة العدالة، وتداولتها وسائل الإعلام وأمام هذا الواقع، رأت زمزم استحالة التوجه للمسار القانوني؛ معتبرة أنه لا يمكن للمرء أن يتقدم ببلاغ ضد أشخاص يُنظر إليهم باعتبارهم جناة وهم في الوقت ذاته يمثلون سلطة الأمر الواقع المسلحة على الأرض، مؤكدة أن انعدام وجود جهة مستقلة وآمنة لاستقبال الشكوى وتأمين الحماية جعلها تختار التحفظ والصمت بدلاً من الدخول في مسار يقود إلى مضاعفة الخطر على أسرتها.
ماكينات «رصد المتعاونين».. شبكات التحريض الممنهج
هذه الوقائع الميدانية المتشابكة تقف خلفها شبكة متناسخة من المجموعات والصفحات الرقمية التي انتشرت إبان سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من الخرطوم والجزيرة، وتمدد النزاع المسلح في مختلف الولايات؛ حيث رفعت شعار رصد المتعاونين مع الدعم السريع، معتمدة على حملات ممنهجة واتهامات صريحة عبر نشر الصور وإشانة السمعة وبث التهديدات والاتهامات ومع مرور الوقت، انحرفت هذه المنصات عن أهدافها المعلنة لتتحول إلى أداة لملاحقة النساء الناشطات، والسياسيات، والحقوقيات، والفاعلات في غرف الطوارئ والمبادرات المدنية، بل وحتى العاملات في الأسواق اللاتي فرضت عليهن ظروف الحرب البقاء لتأمين القوت اليومي أو تقديم خدمات للمدنيين المحاصرين، حيث جرى تصنيفهن كـ «متعاونات» لمجرد التعبير عن آرائهن حول استمرار الحرب أو قيامهن بواجبهن الإنساني.
وبرزت في هذا الفضاء الرقمي منصات مثل «حراس جبل أولياء»، وقنوات وصفحات تتبنى صيغ «اكشف متعاون»، و«أفصح متعاون»، وصفحات محلية تحت وسوم «متعاونين بلو رأسكم» موزعة على مدن وأحياء عدة، تعتمد على نشر صور النساء مرفقة بمعلومات تفصيلية ودقيقة تشمل عناوين منازلهن، وطبيعة أعمالهن، وأماكن تحركهن؛ وهي معلومات تقدم كملفات جاهزة تسهم في تسهيل مهمة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية للقبض عليهن عند نقاط التفتيش، وأصبحت هذه الصفحات تمثل مصدر الخطر الأول على سلامة النساء، وسط عجز كامل عن معرفة من يدير هذه الحسابات التي تنشط بصورة متزامنة وموجهة، حيث يُعاد نشر المنشور الواحد في توقيت متطابق عبر شبكة من المنصات، مما يعزز فرضية وجود جهات منظمة تدير عمليات الرصد والتحريض
نقابة الصحفيين.. حصار الأقلام وسلاح القوانين
هذا الاستهداف المنظم تنعكس آثاره بوضوح في سجلات نقابة الصحفيين السودانيين؛ حيث تشير سكرتيرة الحريات في النقابة، إيمان فضل السيد، إلى أن العنف الرقمي والتشهير يمثلان الجانب الأبرز والأكثر خطورة من الانتهاكات، موضحة أن عدد الصحفيين والصحفيات الذين أبلغوا عن انتهاكات رقمية تجاوز 120 حالة، كانت الصحفيات يمثلن نحو 60% منهم، فيما رصدت سكرتارية الجندر بالنقابة أكثر من 250 حالة تهديد موجهة إلى صحفيات بصورة مباشرة.
وتوضح فضل السيد أن النقابة تعمل على رصد وتوثيق شكاوى الصحفيات وتسجيل تفاصيل الوقائع وتواريخها لمتابعتها ومخاطبة المنظمات المعنية بحرية الصحافة، مؤكدة أن الحملات الرقمية تتجاوز الفضاء الإلكتروني لتمتد إلى واقع الصحفية وأسرتها؛ مستشهدة بالواقعة التي عاشتها الصحفية زمزم خاطر حين تعرضت أسرتها للاعتقال والمداهمة، وكذلك بالاستهداف الذي طال الصحفية صباح محمد الحسن التي واجهت حملات تشهير شعواء وتهديدات متتالية بالقتل عبر منصات التواصل الاجتماعي بسبب مقالاتها وتحليلاتها السياسية، قبل أن تُلاحق ببلاغات أمنية تهدف إلى محاصرة قلمها وإسكات صوتها
وتلفت مسؤولة الحريات إلى أن معظم الصحفيات اللاتي تعرضن للعنف الرقمي لم تصل قضاياهن إلى المحاكم بسبب الشلل الذي أصاب المنظومة العدلية في السودان خلال الحرب، إلى جانب توظيف القوانين للضغط على الصحفيين؛ مؤكدة أن النقابة لم ترصد حتى الآن أي حالة لصحفية تعرضت لعنف رقمي واستطاعت نيل حقها عبر مسار قضائي مكتمل، وهو ما دفع النقابة في بعض الحالات إلى تقديم النصح للصحفيات بعدم فتح بلاغات جنائية خشية أن تنقلب الإجراءات لتعريضهن لمخاطر أكبر. وتنتقد فضل السيد تعديل قانون جرائم المعلوماتية خلال فترة الحرب وتشديد العقوبات وتضمين عقوبة السجن في قضايا النشر بغياب البيئة التشريعية الطبيعية، معتبرة أن القانون بات يُستخدم ضد الصحفيات بدلاً من ملاحقة منتهكي حقوقهن
تشريح العجز العدلي.. شهادة قانونية على انهيار الحماية
هذا الانسداد المهني يجد تفسيره في التحليل البنيوي الذي يقدمه المحامي زكريا محمد، المتابع لقضايا العنف والانتهاكات في السودان؛ إذ يوضح أن الحرب لم تعطل وصول النساء إلى العدالة فحسب، بل وجهت ضربة قاصمة للمؤسسات المفوضة باستقبال البلاغات وحماية الضحايا، بعدما تعرضت أقسام الشرطة في مناطق واسعة من الخرطوم وأم درمان ودارفور والجزيرة للتدمير أو الإخلاء القسري، مما أسفر عن ضياع آلاف الملفات والبلاغات وضياع الأدلة الجنائية، فضلاً عن تفكك وحدات حماية الأسرة والطفل وتشتت الكوادر المدربة على التعامل مع قضايا العنف الجندري.
ويستطرد زكريا مبيناً أن شلل المحاكم والنيابات ونزوح كوادرها ضاعف من تعقيد قضايا العنف الرقمي بصورة خاصة؛ فالوصول إلى أصحاب الحسابات والأرقام المجهولة يقتضي إجراءات تتبع فني وتنسيقاً عابراً مع شركات الاتصالات وإدارات المنصات الخارجية، وهي إجراءات تتطلب وقتاً واستقراراً أمنياً منعدماً في ظل تدمير البنية التحتية للاتصالات وانقطاع الشبكات، وتفتت السيطرة الجغرافية، بالإضافة إلى ما تتسم به الأدلة الرقمية من سرعة في التلف والزوال ما لم تُحفظ فور وقوع الجريمة.
ويشير المحامي إلى أن التحدي الأكبر يكمن في انقلاب مسار الإبلاغ قبل الوصول إلى التحقيق الفني؛ إذ تذهب المرأة المتضررة لتقديم بلاغ يتعلق بنشر صورها أو اتهامها بالتعاون، فتفاجأ بأن أجهزة التحقيق تضع الشكوى جانباً، وتباشر استجواب الشاكية نفسها والتحقق من موقفها السياسي بناءً على مضمون المنشورات المعتدية، مما يجعل التوجه إلى الشرطة مصدراً مباشراً للخطر ودافعاً للتردد، ليبقى التحدي الحقيقي متمثلاً في قدرة المؤسسات على تطبيق النصوص القائمة والوصول إلى الأدلة وتوفير الأمان للمرأة، حين تقرر الشكوى
جغرافية الصراع.. تباين السيطرة وغياب العدالة
يتعمق هذا الانهيار بصورة أشد عند النظر إلى خارطة السيطرة العسكرية في إقليم دارفور، ولا سيما في المناطق الخاضعة لقوات الدعم السريع؛ فبعد سيطرتها على مدينة نيالا في أكتوبر 2023 وتوليها إدارة شؤون السكان، أصدرت القوات توجيهات أمنية وإدارية، دون أن يعني ذلك قيام أي نظام عدلي مستقل يمارس القانون بالمعايير الرسمية المعتادة.
وهذا الفراغ الهيكلي هو ما واجهته ميساء حين فكرت في فتح بلاغ بشأن القائمة الإلكترونية التي شملت اسمها؛ إذ توضح أنها عاشت رعباً مضاعفاً بسبب غياب القانون في مناطق سيطرة الدعم السريع، حيث لا وجود لمؤسسات العدالة الرسمية ولا لنيابة متخصصة في مكافحة الجرائم المعلوماتية، في حين تخضع أقسام الشرطة لمجموعات عسكرية غير مؤهلة قانونياً، مما جعل التوجه إليهم للشكوى مخاطرة بالغة قد تقود إلى الاعتقال بدلاً من الإنصاف، في ظل ما وثقه فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن دارفور من ممارسات شملت الاحتجاز التعسفي، والتعذيب، والمضايقة الممنهجة التي استهدفت محامين وصحفيين وناشطات حقوقيات.
وفي المقابل، لم يكن الوضع أقل تعقيداً في مناطق سيطرة الجيش بالنسبة لنسرين؛ التي وجدت نفسها بعد توقيفها عند مدخل مدينة كوستي محرومة من دخول المدينة استناداً إلى صورها المنشورة رقمياً في صفحة «افضح متعاون». وتؤكد نسرين أنها لم تجد في الخرطوم إبان الحرب في الخرطوم قبل مغادرتها جهة قضائية تعمل بصورة طبيعية لتقديم بلاغ، وأن الاعتماد على نقاط الارتكاز الميدانية لقوات الدعم السريع لا يمثل مساراً قانونياً، بل يكرس عنفاً نفسياً وإجراءات اعتباطية قد تنتهي بالاحتجاز الفوري، لتتحول الصور المنشورة إلى سند لإدانتها ميدانياً، دون أن تملك أي سبيل للطعن في كيديتها أو ملاحقة من استباحوا خصوصيتها
ثقة منهارة.. رصد المؤسسات النسوية والمجتمع المدني
تكتمل صورة هذا الانسداد بما رصدته المنظمات النسوية المتخصصة؛ إذ توضح يسرى حسن، رئيسة مؤسسة التكنولوجيا النسوية (Females Technology Foundation-FTF)، أن الصحفيات والناشطات والنساء الفاعلات في الشأن العام يمثلن الفئات الأكثر عرضة للعنف الرقمي بتجلياته المختلفة، من تنمر وتشهير واستغلال للصور وإساءات ذات طابع جنسي واحتيال.
وتشير يسرى إلى أن المؤسسة رصدت أكثر من 80 حالة عنف رقمي ضد نساء تصاعدت وتيرتها عقب اندلاع الحرب، بعدما استُخدمت الحسابات والمنصات للتشهير بهن والتشكيك في سمعتهن ومواقفهن المدنية. وتؤكد أن الأزمة الحقيقية لا تتوقف عند حدود وقوع الجريمة، بل تمتد إلى استحالة الوصول إلى العدالة؛ حيث أظهرت دراسة ميدانية أجرتها المنظمة مع ناجيات ضعف حاد في ثقتهن باللجوء إلى التبليغ، مدفوعاً بتعطل المؤسسات القضائية، وبطء الإجراءات والتماطل، فضلاً عن الوصمة الاجتماعية التي تحاصر المرأة الشاكية، وتجعل من خوض الإجراءات عبئاً يهدد أمانها الشخصي.
تثبت وقائع هذا التحقيق أن العنف الرقمي الموجه ضد النساء في السودان لم يعد مجرد تداعيات افتراضية عابرة للنزاع المسلح، بل تحول إلى سلاح فعال وموجه يستثمر في انهيار أجهزة العدالة والأعراف الاجتماعية لإسكات الأصوات المدنية المستقلة، وبينما يواصل المعتدون التخفي خلف الشاشات الرقمية دون ملاحقة، تجد المرأة السودانية نفسها محاصرة بين تهديد إلكتروني مفتوح على مدار الساعة، ومؤسسات عدلية باتت أبوابها خطراً حقيقياً يهدد حريتها، ويغلق في وجهها أبواب الإنصاف.























