كيف يستعيد السودانيون ملكية عقاراتهم بعد الحرب؟

عاين- 12 أكتوبر 2026

بعدما تعرّض منزل “مأمون” في حي جبرة جنوب الخرطوم للسطو والحرق خلال الحرب، فقدت الأسرة ممتلكاتها ووثائقها ومستنداتها، بما في ذلك الأوراق المتعلقة بالمنزل. اضطر مأمون إلى النزوح قبل أن يغادر السودان إلى المملكة العربية السعودية، حيث أصبح بعيداً عن منزله، لا يملك للاطمئنان عليه سوى سؤال الجيران ومتابعة أحواله من بعيد.

ومع محاولته معرفة كيفية استعادة وثائق الملكية، اصطدم بتعقيدات الإجراءات وصعوبة استخراج الوثائق بتوكيل من الخارج، وبين فقدان المستندات والبعد عن البلاد، تتزايد مخاوفه بشأن قدرته على حماية ملكيته واستعادة الوثائق التي تثبت حقه في المنزل، ويخشى أن يصبح المنزل عرضة للتصرف فيه أو بيعه بتوكيل مزور دون علمه. هكذا يجد “مأمون” نفسه أمام معضلة تتجاوز استخراج أوراق بديلة؛ فكيف يحمي ملكيته وهو بعيد عن البلاد، بعدما فقد الوثائق التي تثبت حقه في العقار؟

تعكس حالة “مأمون” جانباً من التحديات التي يواجهها سودانيون فقدوا مستندات ملكية عقاراتهم خلال الحرب، في وقت تعرضت فيه مؤسسات حكومية ومقار عدلية في الخرطوم ومناطق أخرى للنهب والتدمير. وأدى تضرر بعض المكاتب والسجلات إلى تعقيد مساعي المواطنين لاستعادة وثائقهم وإثبات حقوقهم العقارية، وسط تساؤلات بشأن مصير الملفات التي فُقدت أو أُتلفت، والبدائل المتاحة للتحقق من الملكية.

ومع استئناف بعض مكاتب تسجيلات الأراضي أعمالها بصورة تدريجية في مناطق مختلفة، تبرز الحاجة إلى التحقق من الإجراءات المعمول بها لاستخراج بدل فاقد، وكيفية التعامل مع الحالات التي تعذر فيها العثور على السجلات الأصلية. وتشمل الأسئلة المطروحة آليات التحقق من بيانات العقارات، والوثائق البديلة المقبولة، ودور المحاكم والنيابة في إثبات الملكية، فضلاً عن الإجراءات التي تتيح للمغتربين والنازحين إنجاز معاملاتهم دون الحضور الشخصي.

آثار الدمار على واجهة منزل في ام درمان- الصورة: عاين

وتزداد هذه التحديات تعقيداً بالنسبة إلى أصحاب العقارات الموجودين خارج السودان، الذين قد يضطرون إلى توكيل آخرين لمتابعة شؤون ممتلكاتهم. وفي ظل مخاوف من التزوير أو التصرف غير المشروع في العقارات، تبرز تساؤلات حول مدى فاعلية آليات التحقق من صحة التوكيلات، وقدرة الجهات المختصة على حماية حقوق الملاك الغائبين.

وبين فقدان السجلات وتعقيدات الإجراءات ومخاوف الاحتيال، لا تتعلق المسألة باستعادة وثيقة ورقية فحسب، وإنما بقدرة المؤسسات المعنية على ضمان حقوق الملكية ومنع تحول غياب أصحاب العقارات إلى ثغرة يمكن استغلالها للاستيلاء على ممتلكاتهم.

استعادة وثائق الملكية

توضح “سلوى” (اسم مستعار)، الموظفة في تسجيلات الأراضي بأم درمان، في حديثها لـ(عاين)، أن استخراج بدل فاقد لوثائق الملكية يخضع لإجراءات رسمية تبدأ بتقديم طلب عبر النموذج المعتمد “أورنيك 7″، مرفقاً بالرقم الوطني، إلى جانب إقرار قضائي مشفوع باليمين يثبت فقدان الوثيقة، ويؤكد خلو العقار من النزاعات والرهونات. وتقول: “الإجراءات تبدأ بتقديم الطلب والمستندات المطلوبة، وبعدها نراجع السجلات، ونتأكد من بيانات العقار قبل إصدار الوثيقة البديلة”.

وتضيف: أن “الإجراءات تشمل نشر إعلان عن فقدان الوثيقة في إحدى الصحف، ثم مطابقة بيانات العقار مع السجلات المتاحة، قبل إحالة المعاملة إلى القاضي المختص للتصديق عليها”. وبحسب إفادتها، فإن المستندات المطلوبة تشمل البطاقة القومية، وإعلان الفقدان المنشور، والإقرار القضائي المصدق”.

ولا يعني فقدان صاحب العقار لأي صورة من وثائقه استحالة التحقق من الملكية، إذ تشير “سلوى” إلى إمكانية البحث في السجلات الإلكترونية باستخدام اسم المالك ورقمه الوطني. وتوضح: “حتى لو صاحب العقار لا يملك صورة من الوثيقة، يمكن أن نبحث عن البيانات عن طريق الاسم والرقم الوطني، أو معلومات القطعة والمربع والحي، وبعدها نطابق البيانات مع السجلات المتوفرة”.

وتقول: إن “عملية المطابقة بين السجلات الورقية والبيانات الإلكترونية ضرورية للتأكد من صحة المعلومات وعدم وجود موانع قانونية تحول دون إصدار الوثيقة وأن المعاملة تُحال بعد ذلك إلى القاضي المختص للمراجعة والتصديق”، كما تفيد “سلوى” بوجود قاعدة بيانات إلكترونية ونسخ احتياطية يمكن الرجوع إليها عند الحاجة إلى التحقق من المعلومات. لكنها تشير إلى أن بعض المقار الميدانية تعرضت لأضرار خلال الحرب، قائلة: “توجد مقار تعرضت لحرائق وأضرار طالت الأرشيف الورقي، ومن بينها مجمع أمبدة والسوق الشعبي، وحجم الضرر النهائي يحتاج إلى حصر وتقييم”، وتوضح أن استعادة الملفات المتضررة والتحقق من بياناتها يعتمدان على مقارنة المعلومات الرقمية بما تبقى من السجلات الورقية، وهي عملية قد تتطلب وقتاً إضافياً، خاصة في الحالات التي توجد فيها اختلافات بين البيانات أو معاملات سابقة تستدعي المراجعة.

منزل مهجور في مدينة ام درمان- الصورة: عاين

وتقول “سلوى” إنجاز المعاملة قد يستغرق من خمسة إلى عشرة أيام عملاً في الظروف الطبيعية، لكنه قد يمتد إلى أسابيع عندما تتطلب الحالة تحريات إضافية أو مطابقة ميدانية. وتضيف: “يختلف الزمن من معاملة لأخرى، لأن بعض الحالات تحتاج مراجعة وتحري أكثر، خصوصاً لو في اختلاف في البيانات أو مشكلة في السجلات”.

وتواجه إجراءات استعادة الوثائق تحديات إضافية بالنسبة إلى السودانيين الذين نزحوا إلى مناطق أخرى أو غادروا البلاد. وتشير “سلوى” إلى إمكانية إكمال المعاملة عبر وكيل شرعي، بشرط استيفاء التوكيل التصديقات المطلوبة، لكنها توضح أن المعاملة قد تستغرق وقتاً أطول بسبب إجراءات التدقيق والتحقق من صحة التوكيلات، في ظل مخاوف من استخدام التوكيلات في عمليات احتيال أو تصرف غير قانوني في العقارات، وتقول: “إذا كان المالك خارج السودان، ممكن يتابع الإجراءات عن طريق وكيل شرعي، لكن لازم التوكيل يكون مستوفياً للتصديقات المطلوبة. التفويض الشفاهي أو الخطابات العادية لا تكفي”. وتضيف أن صاحب المعاملة الذي يواجه تأخيراً أو اعتراضاً يمكنه تقديم شكوى إلى القاضي المشرف على تسجيلات الأراضي بالمحلية، أو اللجوء إلى الجهة المختصة بالتفتيش القضائي.

وتقول “سلوى” إن المكاتب التي استأنفت العمل تلقت أعداداً كبيرة من الطلبات، وإن بعض المعاملات تعثرت بسبب تعارض البيانات أو وجود تصرفات سابقة تستوجب التحقق. وتشير إلى أن التدقيق في المستندات والتوقيعات والتوكيلات يمثل جزءاً من الإجراءات الرامية إلى الحد من التزوير والتصرف غير المشروع في العقارات، وتضيف أن مراجعة السجلات والتحقق من أول تصرف مسجل على العقار من التدابير التي تهدف إلى التأكد من سلامة الملكية قبل التصديق على الوثائق البديلة. غير أن تفاصيل هذه التدابير، بما في ذلك نطاق تطبيق المنشورات المنظمة لها، وحجم الطلبات المنجزة والمتعثرة، تحتاج إلى تأكيد من الوثائق الرسمية والجهات المختصة.

فقدان الوثائق وإثبات الملكية

يوضح المحامي عبد الرحيم محمد في مقابلة مع (عاين): إن فقدان مستندات ملكية العقار؛ بسبب الحرب لا يعني بالضرورة ضياع الحق القانوني لصاحبه، مشيراً إلى أن العبرة في النظام العقاري السوداني ليست بحيازة الورقة وحدها، وإنما بما هو مثبت في سجلات الأراضي.

ويقول: إن “فقدان المواطن لوثائقه الورقية لا يسقط حقه القانوني، طالما أن بيانات ملكيته مقيدة في سجلات الأراضي”. ويضيف أن بإمكان المالك التقدم بطلب لاستخراج بدل فاقد، مستعيناً بالرقم الوطني ورقم القطعة والمربع، أو اللجوء إلى المحكمة المدنية لإثبات ملكيته، خصوصاً في حالات النزاع أو تعذر الوصول إلى السجلات الأصلية.

لكن المحامي يلفت إلى أن حجم التعقيدات القانونية يختلف بحسب طبيعة المستند المفقود. ففقدان شهادة البحث، وهي وثيقة توضح حالة العقار في وقت إصدارها، يُعد إجراءً إدارياً يمكن معالجته باستخراج شهادة بديلة وفق الإجراءات المعمول بها. أما فقدان سند الملكية أو العقد الأصلي، فيتطلب الرجوع إلى ملف العقار لدى مصلحة الأراضي للحصول على صورة معتمدة من المستندات، إذا كانت محفوظة.

شارع رئيسي في مدينة أم درمان

وتكمن المعضلة الأكبر، بحسب المحامي، في تلف السجل العقاري نفسه، إذ لا يتعلق الأمر بفقدان ورقة يحتفظ بها المواطن، وإنما باحتمال ضياع البيانات الرسمية التي تثبت ملكيته. ويقول إن “تلف السجل العقاري يمثل كارثة قانونية وإدارية حقيقية”، لأن معالجة هذه الحالات قد تتطلب إعادة بناء السجلات بالاستناد إلى النسخ الاحتياطية والوثائق السابقة وأحكام المحاكم، أو اتخاذ إجراءات إعادة التسوية والتسجيل وفق القانون.

وفي الحالات التي يتعذر فيها العثور على السجل الأصلي، يمكن الاستعانة بصور شهادات البحث القديمة والعقود الموثقة وإيصالات خدمات الكهرباء والمياه، إلى جانب المستندات التي تثبت الحيازة والتصرف في العقار. غير أن هذه الوثائق لا تؤدي جميعها الوظيفة القانونية نفسها، كما أن إثبات الإقامة أو دفع فواتير الخدمات لا يكفي وحده لإثبات الملكية.

ويشير عبدالرحيم إلى أن الإقرارات المشفوعة باليمين وشهادات أعيان الحي واللجان الخدمية يمكن أن تسهم في دعم موقف المالك، لكنها تظل قرائن إثبات تخضع لتقدير الجهات المختصة، ولا تحل تلقائياً محل التسجيل الرسمي. ويوضح أن “شهادة الشهود والإقرار المشفوع باليمين لا يمنحان الملكية بصورة مباشرة، وإنما يساعدان في استكمال البينة، خصوصاً عندما يتعذر الوصول إلى المستندات الأصلية”.

وتزداد المخاطر عندما تكون العلاقة بين البائع والمشتري قائمة على عقود عرفية لم تُسجل لدى الأراضي. فهذه العقود، وفقاً للمحامي، قد تنشئ التزامات بين أطرافها، لكنها لا تعادل التسجيل الرسمي الذي يثبت الحق العيني العقاري. ويقول إن “خطورة العقود العرفية في زمن الحرب تكمن في سهولة إنكارها، أو بيع العقار لأكثر من شخص، وصعوبة استكمال إجراءات نقل الملكية عند غياب المستندات الرسمية”.

ومع تعطل المؤسسات واتساع حركة النزوح، برزت مخاطر استغلال غياب أصحاب العقارات لإجراء معاملات غير قانونية، من بينها استخدام توكيلات مزورة أو مستندات مشكوك في صحتها. وفي هذه الحالات، يوضح المحامي أن التحرك القانوني المبكر يصبح ضرورياً لحماية العقار، سواء عبر تقديم بلاغ عند وجود شبهة تزوير أو مخاطبة تسجيلات الأراضي للتحقق من وضع القطعة، أو طلب اتخاذ إجراءات تحفظية تمنع التصرف فيها إلى حين الفصل في النزاع.

ويضيف: “من وسائل الحماية القانونية الممكنة تقديم طلب لتسجيل تحوّط على صحيفة العقار، متى توافرت شروطه القانونية، بما يساعد على منع التصرفات التي قد تمس حقوق المالك أثناء نظر النزاع. كما يمكن اللجوء إلى المحكمة المدنية لطلب إثبات الملكية إذا تعذر العثور على السجل الأصلي، استناداً إلى ما يتوافر من مستندات وقرائن وأدلة على الحيازة والتصرف القانوني”.

جانب من شارع جنوبي الخرطوم

ويستشهد المحامي بحالة مواطن من أم درمان، يرمز إليه بالأحرف (م. أ)، غادر منزله إلى ولاية أكثر أمناً بسبب الحرب، قبل أن يستغل محتَالون غيابه ويستخرجوا شهادة بحث باستخدام توكيل مزور منسوب إلى جهة قنصلية بالخارج، ثم يبيعوا العقار لطرف ثالث.

ويقول إن المالك اكتشف، عقب استئناف العمل في أراضي كرري، وتحذيرات من جيرانه بتردد غرباء علي منزله، وجود طلب لنقل ملكية عقاره قيد الإجراءات. ويقول”على الفور، تقدمنا بطلب إلى قاضي التسجيلات لوقف المعاملة واتخاذ إجراء تحفظي على العقار، بالتزامن مع رفع دعوى للطعن في صحة التوكيل”.

وتكشف هذه الحالة، بحسب المحامي، أن الخطر لا يقتصر على فقدان أوراق الملكية، وإنما يمتد إلى احتمال استغلال غياب أصحابها لإجراء معاملات قد يصعب التراجع عنها بعد اكتمالها. لذلك، فإن الاحتفاظ بنسخ إلكترونية من المستندات، والتحقق من وضع العقار لدى تسجيلات الأراضي، والتحرك القانوني فور ظهور أي معاملة مشبوهة، تمثل خطوات أساسية للحد من مخاطر ضياع الحقوق العقارية خلال الحرب.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *