أزمة صحية في سنار.. إصابات حمى الضنك تتجاوز الألف

عاين- 7 أكتوبر 2026

تخوض مجتمعات ولاية سنار مواجهة قاسية مع تفشي حمى الضنك، وسط واقع صحي واقتصادي. وفي وقت تتسع فيه رقعة العدوى لتطال أسرًا بكاملها، تقف غالبية العائلات عاجزة عن تحمل التكاليف المادية الباهظة للفحوصات المعملية والمستلزمات العلاجية في الصيدليات والمراكز الخاصة، بالتوازي مع ضعف التدخلات الميدانية.

وتعكس بيانات صادرة عن لجان الطوارئ الصحية جانباً من النطاق الوبائي المسجل؛ إذ بلغ تراكمي الإصابات بحمى الضنك 1033 حالة مؤكدة، مع تسجيل 9 حالات وفاة من الأول من يناير وحتى 27 سبتمبر 2026م. وتتوزع هذه الإصابات بين عدة محليات بالولاية، حيث سجلت سنجة 381 حالة، وسنار 380 حالة، بينما بلغت الحالات في شرق سنار 126 حالة، وفي أبو حجار 81 حالة، إضافة إلى 15 حالة في الدالي والمزموم. غير أن التقديرات الميدانية ترجح وجود أعداد مضاعفة غير مدرجة بالتقارير الرسمية نتيجة صعوبة الوصول للمراكز التشخيصية أو الامتناع عن الإبلاغ.

شهادات من الميدان

في مدينة سنجة، تروي المواطنة علوية أحمد في مقابلة مع (عاين) أبعاد الأزمة داخل الأحياء السكنية، موضحة أن العدوى أضحت تصيب أفراد البيت الواحد بشكل جماعي. وتكشف علوية أن أربعة من أفراد أسرتها يخضعون حالياً للعلاج، بينما شهد يوم واحد إصابة ثلاثة من جيرانهم في وقت متزامن. وتضيف: “لا توجد أي حملات رش أو نظافة أو مجهود يُبذل لمحاربة حمى الضنك من قبل السلطات الصحية بمحلية سنجة أو أي جهة أخرى. لدينا خور كبير جداً في حي القلعة، وإذا تم ردمه وتنظيفه وتجفيف المياه الراكدة فيه، فقد يقلل ذلك من معدلات الإصابة، لكننا لا نلمس حرصاً حكومياً على الحد من انتشار المرض”.

وحول الجانب العلاجي، تؤكد علوية أحمد، أن الأدوية والمحاليل متوفرة بالصيدليات لكن بأسعار مرتفعة تتجاوز القدرة المالية للمواطنين الذين يفتقرون لمصادر الدخل؛ إذ تبلغ تكلفة فحص الملاريا زهاء 10 آلاف جنيه سوداني، في حين لا يقل سعر المحلول الوريدي أو مسكنات البنادول عن 8 آلاف جنيه، مما يجعل خيارات الاستشفاء معقدة وشديدة العسر.

ومن جهته، يوضح المتطوع في مبادرة شارع الحوادث- سنار (فضل حجب اسمه)، أن الوضع الصحي يتسم بالتعقيد، لا سيما في القرى البعيدة التي تنعدم فيها الخدمات الأساسية؛ بالنظر إلى أن الحالات الوافدة من الأرياف إلى المستشفيات تُسجّل بأرقام مرتفعة للغاية. ويقول لـ(عاين): “أما بالنسبة للمجهودات الرسمية فلا نستطيع تحديدها بدقة، ولكن على مستوى التدخل التضامني والتوعية، فهناك جهود تبقى بسيطة، ولا ترتقي للمستوى المطلوب. لا توجد منشورات توعية تُوزّع، ولا يوجد وعي كافٍ أو عمليات رش وإرشادات صحية على أرض الواقع”.

رؤية إدارة المستشفى

في مقابل شكاوى المواطنين والمبادرات من النقص والارتفاع الشديد في أسعار العلاج بالصيدليات والمؤسسات الخاصة، تقدم مديرة مستشفى سنجة الطبي، صفاء عبد الرحيم، إفادة تفصيلية توضح فيها جذور المشكلة البيئية والجهود التي تبذلها إدارة المستشفى والجهات الصحية بالولاية لتخفيف الأعباء عن المرضى.

مستشفى سنجة بولاية سنار: الصورة ارشيفية مواقع التواصل الاجتماعي

توضح صفاء عبد الرحيم في مقابلة مع (عاين)، أن مدينة سنجة معروفة بكثافة أمطارها في فصل الخريف، وأن ظروف ما بعد الحرب تسببت في جعل أغلب الشوارع عرضة لتراكم المياه سواء في الخيران أو مياه الأمطار. وتضيف: أن “قطوعات الكهرباء المستمرة لفترات طويلة تؤثر بشكل مباشر على استقرار الإمداد بالمياه الصالحة للاستخدام الآدمي؛ مما يدفع الأهالي للجوء إلى تخزين المياه في البراميل والخزانات وغيرها. وفي أحيان كثيرة، يتم إهمال نظافة هذه البراميل أو عدم تغطيتها بصورة جيدة، فتتحول إلى بيئة صالحة وجاذبة لتكاثر البعوض الناقل للملاريا وحمى الضنك”.

وعن الجهود الميدانية لمنع تفشي المرض، تؤكد صفاء، أن وزارة الصحة أوجدت تنسيقاً مع المحلية وبدعم من المنظمات وتعاون شباب مدينة سنجة لبرمجة حملات الرش الداخلي والخارجي للأحياء والمؤسسات، مشيرة إلى أن “الحملة بدأت بالفعل، وما زالت مستمرة حتى الآن”.

أما على الصعيد العلاجي داخل مستشفى سنجة والمراكز الحكومية، تقول صفاء عبد الرحيم: “نحن في إدارة المستشفى، وبمجرد بداية ظهور حالات حمى الضنك وترددها اليومي، تواصلنا فوراً مع لجنة الطوارئ بالولاية لتوفير الأدوية الطارئة والأساسية. كما نسقت وزارة الصحة بالولاية، وأقامت حملات توعوية عن حمى الضنك وكيفية الوقاية منها”.

وحول تكاليف الفحوصات والأدوية، تبدد مديرة المستشفى المخاوف بشأن الغلاء الجسيم بالقول إن “الفحوصات في أغلب المراكز الصحية مغطاة بالتأمين الصحي، والمستشفيات تقدم خدماتها بأسعار رمزية، أما المحاليل الوريدية (الدربات المعوضة) ودربات البنادول في صيدليات الطوارئ، فهي تُصرف مجاناً للمرضى في الحوادث”.

التمدد الجغرافي

وفي سياق متصل، ممثلة مبادرة “بنوصلك للخير”، تؤكد ميادة عبد الرحمن، في مقابلة مع (عاين) أن ولاية سنار تشهد تصاعداً خطيراً في معدلات الإصابة، لافتة إلى وصول بعض الحالات لمراحل نزفية متقدمة. وتوضح ميادة أن إجراء الفحوصات وتلقي العلاج يشكلان عبئاً مالياً كبيراً على الأسر المتعففة، مما يتطلب تدخلات مجتمعية لسد النقص. وتضيف: أن “الجهود التوعوية للوزارة والمحلية غير كافية أمام الاتساع الجغرافي والكثافة السكانية”، وتشير إلى أن المطلوب عاجلاً هو دعم حملات إزالة المياه الراكدة وردم البرك؛ إذ أسفر تفتيش 2400 منزل بسنجة عن اكتشاف 274 منزلاً إيجابياً لتكاثر البعوض.

وحول خريطة الوباء، يوضح مؤسس مبادرة القضاء على حمى الضنك، وليد العجب، في مقابلة مع (عاين) أن الإصابات تتزايد بنسب أكبر في محلية سنار، وتحديداً في منطقة “مايرنو” التي شكلت البؤرة الأولى للمرض، قبل أن تنتقل العدوى لمناطق مجاورة كـ “الشيخ طلحة” و”أبو هشيم”، إضافة إلى حالات كثيرة غير معلنة داخل مدينة سنار.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *