دارفور: حقّ الأرض أمام المحكمة الجنائية الدولية

عاين- 1 أكتوبر 2026 

بعد أكثر من عقدين على نزوح أعداد كبيرة من سكان دارفور، فإن مسألة جبر الضرر بالنسبة إلى ضحايا الجرائم لم تعد مرتبطة بالتعويض المالي وحده. ففي جلسة المحكمة الجنائية الدولية بشأن جبر الضرر لضحايا علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف بـ«علي كوشيب»، برزت الأرض والحواكير باعتبارهما جزءاً أساسياً من الضرر الذي لحق بالمجتمعات التي اقتُلعت من مناطقها.

وفي 8 سبتمبر الفائت، طرحت المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في السودان أمام المحكمة سؤالاً يتجاوز إمكانية دفع الأموال: ماذا يبقى للضحايا إذا تعذر على المحكمة في الوقت الراهن إعادة الأسر إلى أراضيها؟

في مرافعتها، قالت اللجنة إن المحكمة لا تستطيع اليوم إعادة أسرة إلى أرضها في السودان، ولا إصدار أوامر بحق أشخاص يشغلون تلك الأراضي وليسوا أطرافاً أمامها. لكنها طلبت منها اتخاذ إجراءات يمكن أن تحمي مطالب الضحايا بالأرض، من بينها تثبيت أن اقتلاع المجتمعات من أراضيها كان غير مشروع، وأن لها، من الناحية القانونية، حق العودة إليها.

وتستند أهمية هذا الطلب، بحسب المرافعة، إلى طبيعة نظام الحواكير في دارفور. ففي وادي صالح، حيث تقع قارسلا، وصفت اللجنة الأرض بأنها ليست مجرد ملكية، وإنما «حواكير» تربط الأسر بأماكنها عبر أجيال؛ فهي أماكن الزراعة ودفن الموتى، وجزء من هوية أصحابها.

سيدة تقف على انقاض منزلها المحروق بقرى محلية بليل في ولاية جنوب دارفور- ارشيف عاين

وأشارت اللجنة إلى أن الشيوخ والعُمد الذين قُتلوا خلال النزاع كانوا يؤدون عملياً دور سجل الأراضي داخل مجتمعاتهم، إذ كانوا يعرفون أي أسرة تحوز كل أرض ويحفظون حدودها ويفصلون في النزاعات بشأنها. ووفقاً للمرافعة، أدى قتل هؤلاء إلى تدمير السجل التقليدي الذي كانت تستند إليه حقوق الأراضي، وهو ما جعل العودة صعبة ليس من الناحية المادية وحدها، وإنما من الناحية المؤسسية أيضاً.

ولا تطلب اللجنة من المحكمة، وفق ما ورد في مرافعتها، أن تعيد الأرض فعلياً في الوقت الراهن. وبدلاً من ذلك، اقترحت أربعة مسارات: إثبات أن الاقتلاع كان غير مشروع وأن للمجتمعات حقاً قانونياً في العودة؛ وإعطاء هذا الاستنتاج أثراً يحمي المطالبة بالأرض مستقبلاً؛ وتنفيذ عملية توثيق ورسم خرائط للقرى والحواكير بقيادة المجتمعات المحلية؛ والحفاظ على حقوق الضحايا بموجب المادة 75(6) من نظام روما الأساسي أمام آليات مستقبلية يمكن أن تتعامل مع قضية الأراضي في السودان.

وتشمل الآليات المستقبلية التي أشارت إليها اللجنة لجنة الأراضي المنصوص عليها في اتفاق جوبا لسلام السودان، وآليات التعويض الواردة في وثيقة الدوحة، أو أي آلية مستقبلية للمطالبات. وبذلك، فإن التوثيق المقترح لا يُطرح بديلاً عن العودة، وإنما وسيلة لإعادة بناء السجل الذي تقول اللجنة إن الجرائم دمرته، وحفظ المطالب إلى أن تتوافر آلية قادرة على إعطائها أثراً عملياً.

الأرض تعني الحياة

وقال عبد الباسط محمد، المحامي والمستشار القانوني لدى مؤسسة ويامو، الذي خاطب المحكمة الجنائية الدولية خلال جلسة 8 سبتمبر نيابة عن لجنة التنسيق العامة للنازحين واللاجئين في السودان،: “إن الأرض بالنسبة إلى الضحايا «تعني الحياة، وتعني التاريخ والإرث التليد الذي تم توارثه من الأسلاف لقرون سابقة”.

وأوضح لـ(عاين) أن الأرض كانت مصدر الرزق والثروة، وأن فقدانها يعني بالنسبة إلى أصحابها الفقر. ويرى أن التهجير القسري من الأرض كان أحد الدوافع الكامنة وراء الجرائم، ولذلك فإن العودة إلى الأماكن الأصلية واستعادة السيطرة على الأراضي ينبغي أن تكونا من أشكال جبر الضرر.

المحامي عبد الباسط الحاج متحدثا في محكمة الجنايات الدولية- أغسطس 2026

وقال عبد الباسط: “إن تثبيت هذا الحق في الحكم القضائي وقرار جبر الضرر يمكن أن يجعله قابلاً للاستناد إليه مستقبلاً أمام آليات وطنية، عندما تتاح إمكانية معالجة قضية الأراضي في دارفور”.

وأشار إلى أن الحق في الأرض معروف تاريخياً في الإقليم، حيث تُعد الأرض «حاكورة» لمجموعات إثنية محددة، وفق نظم محلية متوارثة.

ويولي عبد الباسط أهمية خاصة لتوثيق القرى والحواكير، قائلاً: “إن ذلك ضروري «لعدم نسيانها» وللحيلولة دون وضع اليد عليها بالقوة”. ويرى أن عملية التوثيق يمكن أن تضطلع بها القيادات المجتمعية والإدارات الأهلية وكبار المجتمع ممن لديهم معرفة بالحدود التاريخية للأراضي.

كما أشار إلى أن ترسيم حدود الحواكير والقرى يحفظ حقوق الأجيال المقبلة ويحافظ على الذاكرة المجتمعية، في ظل مرور نحو ربع قرن على نزوح ولجوء أعداد كبيرة من سكان دارفور، وعدم وضوح المدة التي سيظل خلالها كثير منهم بعيدين عن مناطقهم الأصلية.

وأضاف: “أن من بين المخاوف المطروحة، بحسب ما يرى، وجود أشخاص جدد داخل أراضي النازحين، وما قد ينشأ عن ذلك مستقبلاً من ادعاءات بملكية تلك الأراضي”.

ولفت عبد الباسط بأن استجابة المحكمة لهذه المطالب ستكون، من وجهة نظره، «انتصاراً للضحايا وللنازحين»، لأنها ستعني أن حقهم في الأرض لم يسقط وأن العودة إليها يمكن أن تصبح ممكنة في المستقبل.

دين لا يسقط بعدم الدفع

ولا تقتصر مطالب لجنة التنسيق على الأرض وحدها. فقد طلبت أيضاً أن تُحمّل المسؤولية عن الضرر ليس لكوشيب وحده، وإنما للمشاركين معه في ارتكاب الجرائم.

وفي هذا السياق، قال  المستشار القانوني الدولي الأول في مؤسسة ويامو والمحامي المشارك في تمثيل لجنة التنسيق مايكل ديلاغرانج:” إن المحكمة ينبغي أن “تُحمّل المسؤولية ليس لكوشيب وحده، وإنما أيضاً لشركائه في ارتكاب الجرائم، أي الأفراد الذين كانوا يشكلون قوات حكومة السودان”.

وأضاف أن: “هذه المسؤولية المشتركة والمتضامنة، بحسب طرحه، ستجعل جميع هؤلاء، بمن فيهم الرئيس السابق عمر البشير، مسؤولين عن كامل الضرر، وستمنح مئات الآلاف من الضحايا أداة لملاحقة العدالة أمام محافل أخرى أيضاً”.

نائبة مدعي المحكمة الجنائية نزهت شميم خان تستمع إلى إفادات ضحايا دارفور في شرق تشاد

هذا الطرح يتصل بفكرة أوسع في مرافعة اللجنة، مفادها أن عدم وجود جميع المسؤولين عن الجرائم أمام المحكمة لا ينبغي، في تصورها، أن يؤدي إلى اختفاء كامل الضرر من السجل القضائي. واستندت اللجنة في ذلك إلى المادة 75(6)، التي تنص على ألا يضر أمر جبر الضرر بحقوق الضحايا بموجب القانون الوطني أو الدولي.

أما في ما يتعلق بالأرض، فتريد اللجنة أن يؤدي تثبيت الحق في العودة وظيفة مشابهة: ليس إعادة الأرض فوراً، وإنما إنشاء أساس قانوني يمكن حمله إلى إجراءات مستقبلية.

آليات جبر الضرر الخاصة بالنساء والفتيات

إجابةً على استفسار المحكمة بشأن الأضرار الخاصة التي لحقت بالنساء والفتيات، تبنّت لجنة التنسيق المقترحات الصادرة مباشرة عن المجموعة النسوية التابعة لها. وتتلخص الآليات العملية المطروحة لمعالجة هذه الأضرار في إنشاء مراكز للنساء، وتقديم خدمات الدعم النفسي وإعادة التأهيل للناجيات من العنف الجنسي، بالإضافة إلى إعادة بناء البنية التحتية المجتمعية. كما أضافت ممثلات النساء رؤية استثنائية تنمّ عن واقعية ميدانية، وهي ضرورة تأجيل توزيع التعويضات الفردية إلى حين انتهاء الحرب واستتباب الأمن نظراً لغياب الاستقرار حالياً؛ وهو الموقف ذاته الذي توصّل إليه صندوق المظالم وجبر الضرر (Trust Fund) بشكل مستقل وتطالب اللجنة بالاعتماد عليه.

التوثيق في مواجهة محو الذاكرة

ويرى باحث وخبير في النزاعات ودراسات التنمية من غرب دارفور، طلب عدم ذكر، أن تثبيت حق أصحاب الحواكير في أراضيهم يمثل، من وجهة نظره، إنصافاً للضحايا الذين تعرضوا للتهجير وفقدان أراضيهم.

ويقول الباحث لـ(عاين): “إن الضرر لم يقتصر على فقدان المساكن، وإنما امتد إلى الأراضي المرتبطة بحقوق تاريخية للمجتمعات التي هُجّرت منها”. ويربط، في روايته، استهداف المجتمعات وتهجيرها بالصراع على الأرض والحواكير، وبما تعرضت له قرى في دارفور من هجمات وحرق وقتل وتهجير قسري.

لكن الباحث يلفت بصورة خاصة إلى خطر آخر يتعلق بمرور الزمن، يتمثل في احتمال فقدان أسماء القرى والمناطق وحدودها في الذاكرة والسجلات.

ويعتبر توثيق الحواكير، بحسب تعبيره، «حقاً أصيلاً»، ويرى أن توثيق أسماء المناطق والقرى وحدودها التاريخية مهم للحيلولة دون طمسها أو استبدالها بأسماء أخرى. ويقول إن تغيير أسماء الأماكن قد يؤثر في هوية المجتمعات التي هُجّرت منها وفي قدرتها على إثبات صلتها بالأرض.

ويضيف أن: “التوثيق ينبغي أن يشمل الأراضي والقرى التي هُجّر سكانها، بما يحفظ أسماءها الأصلية وحقوق أصحابها، خصوصاً في حال وجود أشخاص يعيشون حالياً في تلك المناطق ولا يعرفون بالضرورة أسماء القرى السابقة أو تاريخها”.

ويقول الباحث إن: «الحقوق لا تسقط بالتقادم»، ويرى أن وجود سجل واضح للحواكير والقرى يمكن أن يكون مهماً في المستقبل، عندما تُبرم اتفاقات سلام أو تنشأ آليات لمعالجة أوضاع النازحين واللاجئين، إذ يوفر أساساً يمكن الاستناد إليه في أي عملية عودة.

وهنا يلتقي طرح الباحث مع ما طلبته لجنة التنسيق أمام المحكمة، وإن اختلفت طبيعة كل منهما: اللجنة تطلب من المحكمة أن تضع أساساً قضائياً للحق، بينما ينظر الباحث إلى التوثيق باعتباره وسيلة لحفظ هذا الحق من الضياع بمرور الوقت.

ما الذي تستطيع المحكمة فعله؟

المسألة الأساسية التي برزت في جلسة المحكمة ليست ما إذا كان ضحايا دارفور يريدون العودة إلى أراضيهم؛ وإنما ما الذي تستطيع المحكمة الجنائية الدولية فعله عملياً وقانونياً في ظل عدم قدرتها، في الوقت الراهن، على إعادة الأسر إلى أراضيها أو إصدار أوامر مباشرة بحق شاغلين ليسوا أمامها.

وفي مرافعتها، أقرت لجنة التنسيق بهذه الحدود صراحة. لكنها رأت أن المحكمة تستطيع، مع ذلك، أن تثبت عدم مشروعية الاقتلاع وأن تقر بأن المجتمعات المتضررة تتمتع بحق قانوني في العودة، وأن تجعل هذا الاستنتاج أساساً لحماية المطالبة بالأرض في المستقبل.

سكان بلدة بدارفور تضم مقبرة جماعية لضحايا "كوشيب" يتظاهرون لتأييد محاكمته دولياً
تظاهرة سكان بلدة بدارفور تضم مقبرة جماعية- ارشيف

كما اقترحت أن يكون توثيق القرى والحواكير ورسم خرائطها بقيادة المجتمعات المحلية جزءاً مما يمكن إنجازه الآن، باعتباره وسيلة لإعادة بناء سجل الأراضي الذي تقول إن الجرائم دمرته.

وفي ختام مرافعتها، شددت اللجنة على أن تثبيت حق المجتمعات في العودة لا ينبغي النظر إليه باعتباره بديلاً عن التعويض المالي، وإنما كأداة يمكن للضحايا حملها إلى أي آلية مستقبلية تتعامل مع الأرض والتعويضات. وقالت إن مثل هذا الاستنتاج يمكن أن تشكل الأساس الذي تُبنى عليه عمليات معالجة قضية الأرض في دارفور مستقبلاً.

وبذلك، فإن مطلب «الأرض قبل التعويض» كما ظهر في مرافعة لجنة التنسيق لا يعني أن المحكمة تستطيع اليوم إعادة الحواكير إلى أصحابها، وإنما أن قرارها يمكن، إذا استجاب للمطلب، أن يثبت أن الاقتلاع كان غير مشروع، وأن الحق في العودة لم ينتهِ، وأن المطالب المتعلقة بالأرض ينبغي أن تبقى محفوظة إلى أن تتوافر آليات تستطيع تحويل هذا الحق القانوني إلى عودة فعلية.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *