“سماء لا تمطر”.. كيف يهدد الجفاف غذاء السودانيين؟

عاين- 24 سبتمبر 2026

يواجه القطاع الزراعي المطري الذي يغطي أكثر من ثلاثة أرباع المساحات المزروعة، ويشكل العمود الفقري لحياة ملايين السودانيين، واحدة من أعقد وأقسى أزماته المتمثلة في شح الأمطار لهذا الموسم. وتحول موسم الخريف إلى ساحة اختبار قاسية لقدرة المزارعين في سهول كردفان ودارفور والقضارف والنيل الأزق على الصمود.

ويواجه السودان خلال الموسم الزراعي الصيفي لعام 2026 تقاطعا حادا بين انحباس الأمطار، وموجات الحرارة المرتفعة، وتدهور شبكات الري الحيوية. ما بدأ في يونيو الماضي تحذيرات رسمية من جفاف وشح في الأمطار تحول بحلول سبتمبر إلى إجهاد نباتي حاد، وتلف واسع للمحاصيل الصيفية في قطاعي الزراعة المطرية والمروية.

وتظهر مقارنة مكانية أجرتها (عاين) لصور الأقمار الصناعية (Sentinel-2) عبر مؤشر الغطاء النباتي (NDVI) بين سبتمبر 2025 وسبتمبر 2026 انكماشا وتراجعا ملحوظا في الكثافة الخضراء رصدنا منها 6 مدن وولايات وهي (ولاية الجزيرة، ولاية القضارف، ولاية الخرطوم، مدينة حلفا الجديدة بولاية كسلا، محلية كتم بولاية شمال دارفور، وربك بولاية النيل الأبيض).

من ولاية القضارف أحد أهم ولايات السودان في الزراعة المطرية، يقول المزارع حسني، إن “موسم هذا العام شهد في فترته الأولى تذبذباً كبيراً وشحاً ملحوظاً في الأمطار، ولكن المنطقة الجنوبية للقضارف شهدت بعد منتصف شهر يوليو هطول أمطار أفضل بكثير مقارنة بالمنطقة الشمالية، مما ساعد في عملية إنبات المحاصيل التي زرعت في تلك الفترة كالسمسم والذرة والدخن والقطن”.

غير أن هذا التحسن المتأخر في الهطول لم يمنع حدوث خسائر جسيمة في المراحل المباشرة للزراعة، حيث يوضح حسني في مقابلة مع (عاين)، أن التذبذب والانقطاع في بداية الخريف أديا إلى عدم إنبات الحبوب الزيتية والمحاصيل النقدية بشكل كامل، بينما لم تتأثر الحبوب الغذائية كالذرة والدخن بنسبة كبيرة؛ لأن فترة زراعتها تزامنت مع تحسن الأمطار، ومع ذلك فإن شح الأمطار في البداية أضر كثيراً بمحصولي القطن والسمسم وشكّل ضربة مبكرة للمزارعين.

ويتابع المزارع حسني مبنياً أثر ذلك على تضاعف التكاليف التشغيلية، مشيراً إلى أن عدم انتظام الأمطار أدى إلى اضطرار المزارعين لإعادة الزراعة والبذر عدة مرات، مما رفع التكاليف إلى مستويات قياسية نتيجة لارتفاع أسعار بذور التقاوي، فقد قفز سعر الطن الواحد من بذرة القطن إلى ما بين 8 إلى 10 ملايين جنيه، لتصل تكلفة الفدان الواحد إلى زهاء 40 ألف جنيه للبذرة فقط، يضاف إليها تكلفة التحضير والحراثة وإزالة الحشائش المائية التي تقدر بـ 30 ألف جنيه للفدان. وعن خسائر محصول السمسم والمساحات المزروعة، يضيف حسني أن هذا المحصول كان من أكثر المحاصيل تأثراً بتذبذب الإنبات، حيث تراوحت خسائر تحضير وزراعة الفدان الواحد ما بين 50 إلى 55 ألف جنيه، وهي تكاليف تتراكم وتتفاوت بحسب المساحة الكلية التي بلغت لديه مئات الأفدنة، مما يعني تكبد مبالغ طائلة لإعادة عمليات الزراعة والتحضير.

وإلى جانب ولاية القضارف، شكا مزارعون في مناطق زراعية مطرية عديدة مثل دارفور وكردفان والنيل الأزرق من تذبذب وشح في الأمطار لهذا العام الأمر الذي يهدد محصولاتهم الزراعية، وينعكس بشكل مباشر على الأمن الغذائي في تلك المناطق.

زيادة معدلات تذبذب الأمطار

أمام هذه الشهادة الميدانية، يفكك الباحث في المناخ عمر أحمد عبد الجليل، الأبعاد العلمية والبيئية لما يمر به حزام الزراعة المطرية في البلاد، مشيراً في تحليله لـ(عاين) إلى أن الحديث الذي يدور حول الجفاف والتحول المناخي يثير تساؤلات جوهرية بين الأكاديميين والمزارعين، مؤكداً أن الواقع يشير إلى زيادة حادة في تذبذب الأمطار وعدم استقرار الموسم المطري، وأن الأزمة الحقيقية اليوم لا تكمن في كمية الأمطار الإجمالية المفترض هطولها، بل في سوء التوزيع الزماني والمكاني للهطول، وهو ما يطلق عليه علمياً اضطراب التوقيت.

ويشرح عبد الجليل، طبيعة هذا الواقع المناخي الجديد موضحاً أنه من الصعب إطلاق مصطلح الجفاف الدائم، لكننا نشهد تشكل واقع مناخي جديد يتسم بتكثف الأمطار لتهطل في فترات زمنية قصيرة ومكثفة مسببة الانجراف والسيول، يلي ذلك انقطاع طويل للماء يضر بالنباتات ويضعف المحاصيل. وتاريخياً، شهد السودان خلال الـ 120 سنة الماضية فترات تراجع وانخفاض في معدلات الأمطار وتأخراً في بداية الخريف، وما نشهده اليوم يتقاطع مع ظواهر مناخية عالمية، حيث تسجل ظاهرة النينيو مستويات غير مسبوقة، وتعد الأشد تأثيراً على المنطقة.

ويمتد السرد العلمي والبيئي ليصل إلى بلورة التكيف المطلوب، حيث يرى الدكتور عبد الجليل أن مواجهة هذه الموجات المتكررة تفرض حتمية التحول التلقائي والمجتمعي نحو تطبيقات الزراعة الذكية مناخياً، والاستفادة السردية والتطبيقية من التجارب الممتدة في دول حزام الساحل الإفريقي عبر تقنيات حصاد المياه والإدارة السليمة للتربة، للحد من الجريان السطحي والتبخر وزيادة قدرة الأرض على احتفاظها بالرطوبة أثناء فترات الانقطاع المطري الطويلة.

ضغط على سوق الغذاء

يتتبع المحلل الاقتصادي أحمد بن عمر تبعات هذا التراجع المطري على مجمل المنظومة المعيشية وسلاسل الإمداد الغذائي، مبيناً لـ(عاين) أن تراجع الإنتاج المطري في القضارف وكردفان يضغط على سوق الغذاء القومي من عدة اتجاهات متزامنة، كون الولايتين تشكلان القاعدة الأساسية لإنتاج الحبوب والمحاصيل النقدية والمرعي. هذا التراجع بدأت آثاره تتراكم مع تسجيل مناطق واسعة تأخراً في الأمطار أدى إلى انكماش المساحات المزروعة وانخفاض معدلات الإنتاج مقارنة بالمواسم السابقة.

ويوضح بن عمر كيفية انتقال آثار الصدمة الزراعية إلى المستهلك النهائي في ظل ظروف الحرب، مشيراً إلى أنه مع انخفاض الكميات المعروضة في الأسواق تبدأ الأسعار في الارتفاع المباشر عند نقاط الإنتاج، وتنتقل سريعاً إلى المراكز الحضرية، بينما يتضاعف هذا الارتفاع بفعل الاختناق الكبير في سلاسل الإمداد الناتجة عن ارتفاع أسعار الوقود وتدهور حركة الشحن البري والجبايات ومخاطر الطرق المرتبطة بالنقص الأمني، مما يجعل نسبة الزيادة في سعر السلعة للمستهلك أعلى بكثير من نسبة انخفاض الإنتاج الفعلي في الحقل.

ويلفت بن عمر، إلى الأثر المباشر لهذه الأزمة على الاحتياجات الاستيرادية والضغط على العملة الوطنية، حيث تضعف القدرة الشرائية للطبقات الريفية والمستهلكين مع تراجع المحصول المباع وانخفاض السيولة، وتتوسع دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد لتطال ملايين المواطنين الذين يواجهون صعوبات بالغة في الحصول على غذائهم اليومي في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القيمة الفعلية للأجور والدخول.

_____________________________________________

تقرير رصد الموسم الزراعي وتداعيات شح الأمطار في السودان (2025 – 2026)

تحقيق متعدد المصادر عبر جمع وتحليل بيانات المصادر المفتوحة (البيانات الرسمية للأرصاد، المصادر الحكومية، بيانات الأمم المتحدة، وتحليل صور الأقمار الصناعية عبر القمر الأوروبي Sentinel-2 لمؤشر الغطاء النباتي NDVI).

مسار الإنذار المبكر والبيانات المناخية الرسمية

جاء تدهور الوضع الميداني متسقا مع التحذيرات الاستباقية الصادرة قبل ذروة الخريف:

توقعات الأرصاد الجوية: في 11 يونيو 2026، أعلنت الهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية عبر منبر وكالة سونا توقعات تشير إلى شح في معدلات الأمطار وجفاف متوسط، مع ارتفاع درجات الحرارة عن المعدلات المعتادة في كافة أنحاء البلاد.

التحرك المؤسسي: في 15 يونيو 2026، انطلقت في الخرطوم فعاليات ملتقى المناخ الوطني الثالث بتنظيم مشترك بين الأرصاد والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) لمناقشة تداعيات التوقعات المناخية الاستباقية.

مؤشرات الإجهاد الحراري: ارتبطت هذه التوقعات بموجات حرارة شديدة، حيث أصدر المكتب الصحفي للشرطة توضيحا رسميا أكد وفاة طالبين في منطقة بري إثر تعرضهما لضربة شمس وجفاف حاد جراء الحر الشديد.

تقارير المنظمات الدولية والأممية ومؤشرات الجفاف

تظهر التقارير الصادرة عن الوكالات الأممية والمراصد الدولية تأكيدا رقميا لحجم الكارثة الزراعية:

منظمة الأغذية والزراعة: وثّق تقرير النظام العالمي للمعلومات والإنذار المبكر التابع لمنظمة الفاو (FAO/GIEWS) عجزا حادا في هطول الأمطار ناتجا عن ظاهرة “النينيو”، حيث سجلت ولاية القضارف عجزا بنسبة 30% مع تضرر 70% من المساحات الزراعية، وسجلت سنار عجزا بنسبة 20% وتضرر 40% من أراضيها (علما بأن الولايتين تنتجان ربع محصول الذرة الوطني).

وتوقعت الفاو تراجع إنتاج الحبوب إلى 5.2 مليون طن متري (-22% مقارنة بعام 2024 و-19% مقارنة بمتوسط 5 سنوات)، مع تسجيل 19.5 مليون شخص في مرحلة الأزمة الغذائية (IPC 3 فما فوق) و14 منطقة تحت خطر المجاعة الوشيكة (IPC 5).

مرصد النقاط الساخنة للإنتاج الزراعي (Copernicus / ASAP): أكد مرصد الإنتاج الزراعي التابع للمفوضية الأوروبية (ASAP) حدوث تأخر في بداية موسم الزراعة لنحو شهر كامل، مشيرا إلى أن الموسم لم يبلغ سوى 30% من تقدمه المعتاد بسبب الجفاف الحاد، ومحذرا من فشل جزئي واسع النطاق للمحاصيل المطرية في كردفان، والنيل الأبيض، والنيل الأزرق، وكسلا.

مركز إيغاد للتطبيقات والتنبؤات المناخية (ICPAC): كشفت بيانات المراقبة الشهرية للأمطار التابعة لمركز ICPAC عن تباين مكاني حاد في شهر أغسطس؛ فبينما تركزت الأمطار الغزيرة في شريط حدودي ضيق مع إثيوبيا، انحسرت الأمطار لتسجل مستويات شديدة الشح والندرة (أقل من 10 ملم) في الأجزاء الشمالية وأواسط البلاد، مما فاقم الإجهاد المائي على حزام الحبوب.

التوثيقات الميدانية ومشاهد الأزمة من الميدان

تطابقت نداءات غرف الطوارئ وصحف محلية عبر مختلف الولايات مع تقارير الجفاف:

تلف محاصيل دارفور وانحباس المطر: أظهرت مشاهد متداولة من ولاية شمال دارفور فشل المحاصيل وجفافها التام نتيجة انقطاع المطر لثلاثة أسابيع متتالية. وفي محلية كتم (منطقة دليبة)، ووثق تقرير ميداني لمنظمة DVS جفاف الآبار بعمق 25-30 مترا وتلف المراعي. كما أطلقت غرفة طوارئ دمرة الشيخ عبد الباقي بالواحة نداء استغاثة إثر تفحم المزروعات.

نفوق الماشية في جبل عيسى: وثقت غرفة طوارئ جبل عيسى بشمال دارفور نفوق ما يزيد عن 420 رأسا من الضأن بسبب الصدمة المطرية المفاجئة التي ضربت قطعان الماشية بعد شهور طويلة من الإنهاك والجفاف الحاد ونقص المرعى.

تفحم مزارع جنوب كردفان وارتفاع الأسعار: في هبيلا وأبو جبيهة، أفادت تقارير شبكة راديو دبنقا باحتراق كامل لمحاصيل السمسم والذرة والفول السوداني بعد انقطاع المطر لأكثر من 20 يوما وتزامن ذلك مع حرارة شديدة، مما قفز بسعر جوال الذرة من 70 ألفا إلى 120 ألف جنيه.

صلوات الاستسقاء واستغاثة المزارعين: انتشرت مشاهد مؤثرة لتجمعات مزارعين يؤدون صلوات الاستسقاء وهم يبكون حرقة على محاصيلهم الهالكة، وتكرر المشهد في أبو كارنكا بشرق دارفور وسط تحذيرات غرف الطوارئ من صعود أسعار الملوة لأرقام قياسية.

أزمة الري وتخريب القنوات بالجزيرة: في القطاع المروي، بث ناشطون فيديو قالوا انه كسر متعمد لحافة ترعة “ميجر العزازاب” بمنطقة الماطوري، ما تسبب في تدفق غير منظم للمياه وجفاف الترع والمشاريع الواقعة في نهاية المجرى، مهدداً مئات المزارعين بفقدان الموسم الصيفي.

محطات الأرصاد بولاية القضارف: أظهر التقرير لوحدة الإنذار المبكر بالقضارف تسجيل صفر ملم في الفاو والبطانة والقضارف وسط، ومعدلات متدنية للغاية (2 ملم) في الفشقة والرهد، ما أكد ميدانيا وصول عجز الرطوبة الأرضية لمستويات حرجة.

التحليل المقارن لصور الأقمار الصناعية (Sentinel-2 NDVI)

(سبتمبر 2025 مقابل سبتمبر 2026)

ولاية القضارف – شرق السودان

أظهرت صور سبتمبر 2025 بساطا نباتيا كثيفا ومتصلا يغطي مشاريع زراعية مع تسجيل قيم (NDVI). في المقابل، تظهر صور سبتمبر 2026 انحسارا واسعا في الكتلة الحيوية وتراجع قيم المؤشر، مما يشير إلى بطء وتأخر الإنبات وتأثر المحاصيل بفترات الجفاف المتقطعة خلال مراحل التأسيس الخضري.

ولاية الجزيرة – وسط السودان

في حين عكست صور سبتمبر 2025 نموا زراعيا منتظما داخل الحواشات والمربعات المروية، تكشف معالجة سبتمبر 2026 عن بهتان لوني وتشتت ملحوظ في الحيوية النباتية، لا سيما في غرب وشرق ولاية الجزيرة، مما يؤكد أثر انحباس الأمطار وتوقف الإمداد المائي عبر الترع.

كتم، ولاية شمال دارفور – غرب السودان

في سبتمبر 2025، امتدت أحزمة الخضرة المؤقتة على طول مجاري الوديان والخيران المحيطة بمدينة كتم. أما في سبتمبر 2026، فتظهر الصور انكماشا شبه كلي للغطاء النباتي وهبوط قيم (NDVI) لتقترب من مستوى التربة الجافة الجرداء.

حلفا الجديدة، ولاية كسلا – شرق السودان

توضح المقارنة انخفاضا حادا في رقعة المحاصيل الحية النشطة، فبعد أن كانت المساحات الزراعية تتمتع بكثافة خضراء عالية ورطوبة ممتازة في سبتمبر 2025، بدت أجزاء واسعة في سبتمبر 2026 على شكل مساحات بور أو حقول تعاني من ضعف النمو بسبب تراجع الوارد المائي.

ربك، ولاية النيل الأبيض – وسط السودان

تعكس المقارنة تدهورا كبيرا في النطاقات الرعوية والزراعية المطرية المحيطة بربك، حيث تقلصت أحزمة الأعشاب الطبيعية والمحاصيل بشكل واضح في سبتمبر 2026 مقارنة بالغطاء العشبي الكثيف الذي وثقته الأقمار في سبتمبر 2025

التداعيات على الأمن الغذائي

إن التراجع الكبير للغطاء النباتي وتضرر المحاصيل عبر ولايات الإنتاج الرئيسية يرفع من احتمالات ضعف حصاد الموسم الصيفي الحالي (المتوقع بين أكتوبر 2026 ويناير 2027). ومع الضغوط الميدانية القائمة، يرجح أن تقود هذه المؤشرات إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي وزيادة تصنيفات الطوارئ الإنسانية في تقارير شبكات الإنذار المبكر الإقليمية والدولية.

________________

 

 

 

 

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *