خزان «الروصيرص».. الحرب تقترب من أهم سدود السودان المائية
عاين- 11 يونيو 2026
المعارك الضارية، التي تدور في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، وضعت “خزان الروصيرص” الذي يعتبر عصب الكهرباء والري في السودان في مرمى نيران حرب تتقاطع فيها مصالح إقليمية متعددة، ولا يمكن قراءتها بمعزل عن الصراع المعقد على الموارد المائية، والتقاطعات الساخنة بين مصالح “القاهرة- أديس أبابا”، مما جعل الصراع المسلح في السودان ينتقل إلى مرحلة جديدة ذات أبعاد “جيوسياسية”، ومرتبطة مباشرة بالأمن المائي بالنسبة لدولتي مصر وإثيوبيا.
وفي انعكاس مباشر لحالة الاستنفار العسكري القصوى، والتوجس من هذا السيناريو، علمت شبكة (عاين) من مصادر مطلعة داخل مدينة الروصيرص أن الاستخبارات العسكرية للجيش السوداني، بالتنسيق مع جهاز الأمن والمخابرات العامة، فرضت إجراءات أمنية صارمة وغير مسبوقة على المنشأة الحيوية.
ووفقاً للمصادر، فإن السلطات الأمنية قيدت حركة الموظفين والمهندسين والعاملين بالخزان، وأخضعتهم لمراقبة شديدة وصارمة، مما جعل من الصعب للغاية الحصول على أي معلومات فنية أو ميدانية من داخل أروقة الخزان في الوقت الراهن.
وبحسب ذات المصادر، فإن هذا الحصار المشدد طال حركة تداول المعلومات من وإلى داخل أسوار كافة المؤسسات التابعة للخزان، وامتد ليشمل المكاتب الإدارية والفروع التنفيذية التابعة لإدارة السد والموجودة حتى في محلية الدمازين المجاورة، في محاولة لقطع الطريق أمام أي رصد قد تستفيد منه القوات المهاجمة.
خارطة المعارك وخطوط الدفاع
يتوزع المشهد الميداني والإداري في إقليم النيل الأزرق عبر محلياته السبع بنوع من تقاسم النفوذ القلق بين أطراف النزاع، فبينما تفرض الحكومة الخاضعة لسيطرة الجيش سيطرتها على قلب الإقليم، حيث الفرقة الرابعة مشاة للجيش السوداني، تسيطر بالكامل إدارياً وعسكرياً على الكتلة السكنية والاقتصادية الحرجة، والتي تضم أربعة محليات رئيسية هي: الدمازين، التي تمثل عاصمة الإقليم ومقر القيادة العسكرية، والروصيرص، المعقل الحيوي المحتضن لجسم الخزان ومحطة التوليد المائي، إضافة إلى محليتي ود الماحي وباو اللتين تشهدان تأميناً عسكرياً مكثفاً، في ظل عمليات كر وفر بين الطرفين وتبادل للسيطرة على مناطق بهما.
من جهة أخرى، تتركز قوة الدعم السريع وحلفائها العسكريون في الحركة الشعبية لتحرير السودان في محلية الكرمك الحدودية، حيث تسيطر على رئاسة المحلية بمدينة الكرمك منذ أواخر مارس الماضي، ورغم المحاولات المستمرة لهذه القوات التسلل عبر محلية قيسان بالجبهة الشرقية المحاذية لإثيوبيا، ومحلية التضامن التي تقع في أقصى الغرب المتاخم لولاية سنار، إلا أن الجيش يستميت للحفاظ على أحزمته الدفاعية.
تكتسب المعارك في شمال محلية الكرمك طابعاً مصيرياً، خصوصاً بعد استعادة الجيش لبلدة الكيلي الاستراتيجية ومناطق كرن كرن ودوكان، في محاولة لدفع خطوط المواجهة إلى ما وراء خط الـ 100 كيلومتر جنوباً وتأمين الخزان من القصف المدفعي أو الطائرات المسيرة الانتحارية.
اقتراب حرج
لا تكمن خطورة المعارك الحالية في جغرافيتها الوعرة، بل في اقترابها الحرج من محلية الروصيرص؛ فالخزان ليس مجرد سد خرساني، بل هو خط أحمر للأمن القومي السوداني وعصب الدولة الحيوي.
شُيد الخزان عام 1966، وتمت تعليته في عام 2012 لتبلغ سعته التخزينية المائية قرابة 7.3 مليار متر مكعب، مما يجعله المنظم الأول لمياه النيل الأزرق داخل الحدود السودانية.
اقتراب المعارك العسكرية من منشأة حيوية يحمل سيناريوهات عديدة منها تهديده بالتوقف، أو تعرضه للتعطيل، أو سقوطه في يد القوات المقاتلة ضد الجيش ما يعني عملياً القضاء على مقومات الحياة في أجزاء واسعة من السودان، ويتركز ذلك على ثلاثة أبعاد رئيسية، أهمها على الإطلاق هو حدوث إظلام شامل، حيث يضم الخزان محطة توليد كهرباء مائية رئيسية، تعبر الثانية بعد محطة سد مروي، وتنتج جزءاً ضخماً من الطاقة المغذية للشبكة القومية في السودان تقدر بما يفوق 400 ميغاواط، مما يعني أن سقوط الخزان أو تخريبه يؤدي مباشرة إلى قطع شريان الطاقة عن الولايات الوسطى والشرقية، وإغراق ما تبقى من مناطق حيوية وجزء كبير من العاصمة الخرطوم في ظلام كامل.
إلى جانب ذلك، يحدث تصفير شبه كامل للإنتاج الزراعي، لا سيما وأن الخزان يتحكم في ري وتغذية المشاريع الزراعية المليونية الكبرى في وسط السودان، وعلى رأسها مشروع الجزيرة، مما يعني أن توقف الخزان يمثل جفاف هذه المشاريع قسرياً.
وبالتالي، يكون البعد الثالث مرتبطاً بشكل رئيسي باستخدام الخزان كسلاح للابتزاز الاستراتيجي، لأن سقوط الخزان يمنح قوات الدعم السريع أخطر ورقة ابتزاز في تاريخ الحرب، عبر التحكم بحياة الملايين مائياً وزراعياً في الولايات الواقعة شمال السد.
وفي هذا السياق التحليلي، يرى الخبير الاستراتيجي، محمد عثمان الرضي، أن تحول المنشآت الحيوية إلى أهداف عسكرية بات سمة بارزة في مسار الصراع السوداني. ويقول في مقابلة مع (عاين): أن “المواقع الاستراتيجية مثل خزان الروصيرص وغيره تعتبر أهدافاً عسكرية، وتم من قبل استهداف العديد من المواقع الاستراتيجية مثل مطار بورتسودان ومستودعات الوقود في ذات المدينة”.
الرضي يشير أيضا إلى أن التدخلات الخارجية في حرب السودان “أمر واضح لا ينكره إلا مكابر”. لافتاً إلى أن الحالة الراهنة بإقليم النيل الأزرق، ترتبط مباشرة بالأمن القومي لبعض دول الجوار، في إشارة إلى قضايا تقسيم حصص مياه النيل بين مصر وإثيوبيا.
ظلال حرب سد النهضة
هذا التماس العسكري المباشر مع الحدود الإثيوبية يعيد تصدير الأبعاد الدولية للصراع إلى الواجهة بشكل واضح، حيث إنه وفي تطور ميداني لافت، أكدت مصادر متطابقة لشبكة (عاين) وجود معسكرات تابعة لقوات الدعم السريع والحركة الشعبية المتحالفة معها داخل الأراضي الإثيوبية، وبعمق يقل عن 40 كيلومتراً فقط من الحدود السودانية، وتحديداً في مناطق موازية تماماً لمدينة الروصيرص السودانية.
تكتسب هذه الإحداثيات أهمية قصوى بالنظر إلى الجغرافيا؛ إذ تبعد مدينة الروصيرص وجسم الخزان عن أقرب نقطة على الحدود الإثيوبية مسافة تقدر بنحو 60 إلى 70 كيلومتراً فقط، مما يجعل الخزان على خط نار مباشر عبر الجبهة الشرقية التي تقع بها محلية قيسان.
كما أن هذا القرب الجغرافي يجعل وجود معسكرات هجومية في عمق 40 كيلومتراً داخل إثيوبيا بمثابة منصة وثوب لوجستية وعسكرية متقدمة تضع الخزان والدمازين تحت التهديد العملياتي المباشر، مما يفسر الاتهامات السودانية المتكررة لأديس أبابا.
وفي هذا السياق، يرى أشرف حسن، الناشط المدني من أبناء مدينة الروصيرص، أن المشهد يتجاوز كونه صراعاً داخلياً، محذراً من تبلور مواجهة بالوكالة، ويقول في مقابلة مع (عاين): أن “ولاية النيل الأزرق في طريقها لأن تكون هي ميدان الصراع المباشر بين دولتي إثيوبيا ومصر”.
وزاد قائلاً: “إن التقدم الحالي لقوات الدعم السريع والمجموعات المتحالفة معها يعود بالأساس إلى تلقيها دعماً لوجيستياً مستمراً من إثيوبيا عبر الحدود، وفي المقابل، فإن هناك تحركات لحماية هذه التخوم الاستراتيجية، تظهر في مؤشرات واضحة مثل ما تم من تدخل للطيران المصري من قبل لإخراج قوات الدعم السريع من مناطق جبل موية الاستراتيجية- على حد قوله.
أمن مصري قومي
تفسر هذه المعطيات مخاوف مراقبين من أن أديس أبابا قد تجد في وجود قوة حليفة لها تسيطر على إقليم النيل الأزرق وخزان الروصيرص حزاماً أمنياً يحمي سد النهضة، الذي يبعد بضعة كيلومترات فقط عن حدود الإقليم، في حين تنظر القاهرة إلى أي تغيير في فيزياء السيطرة على الخزان على أنه تهديد وجودي لا يقبل المناورة.
وفي هذا الصدد، يشدد وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق، محمد نصر علام، في مقابلة مع (عاين) على ما يصفه بـ”الموقف المصري الحاسم”، ويقول: إن “النيل الأزرق مصدر رئيسي لحصة مصر من مياه النيل، وأي عبث بها يمثل اعتداءً على حياة 115 مليون مصري، واعتداءً على أمن مصر القومي”.
ويشير علام إلى أن القيادة المصرية أعلنت رسمياً، أنها لن تتوانى في الدفاع عن أمنها القومي بكل الوسائل المتاحة. وزاد قائلا: “أي اعتداء على سد الروصيرص يمثل ضرراً وتعدياً مباشراً على الأمن القومي لكل من السودان ومصر، وستكون له تداعيات مدمرة خطيرة على شعب السودان، وأيضاً على شعب مصر”.
تثبت هذه التحذيرات والقراءات الاستراتيجية متقاطعة مع الشهادات القادمة من الأرض، أن معركة النيل الأزرق لم تعد مجرد جولة في الحرب الداخلية السودانية، بل تحولت إلى جبهة اشتباك إقليمية مكتملة الأركان حول صراع المياه والتوازن الاستراتيجي في حوض النيل، حيث بات جسر خزان الروصيرص يختزل معادلة السيطرة والنفوذ والحق في الحياة لثلاث دول.






























