(3) سنوات بلا تطعيم.. مرض الحصبة يحصد أرواح أطفال دارفور
عاين 19 أبريل 2026
يكافح متطوعون بإمكانيات شحيحة للتصدي لمرض الحصبة الذي انتشر مؤخراً في مناطق واسعة من إقليم دارفور، وحصد عشرات الأرواح، بينما تستمر المستشفيات والمراكز الصحية المتهالكة في استقبال المزيد من حالات الإصابة وسط غياب لقاحات التطعيم.
وحسب مسؤولين ومتطوعين تحدثوا لـ(عاين)، فإن تفشي مرض الحصبة في إقليم دارفور الخاضع لسيطرة قوات الدعم السريع هذه الأيام يأتي كنتيجة مباشرة لانقطاع حملات التحصين الدورية للأطفال، التي توقفت منذ ثلاث سنوات بسبب الحرب الجارية، والتي دفعت وزارة الصحة الاتحادية للخروج من المناطق التي خضعت لسيطرة قوات الدعم السريع.
ولاقى انسحاب وزارة الصحة السودانية من المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع انتقادات متعددة، باعتبار أن الخطوة تأتي ضمن تقديرات سياسية وانحيازات عسكرية، دون مراعاة للجانب الخدمي الذي كانت تضطلع به لصالح المواطن بعيدًا عن الصراع الجاري.
وبينما أفلحت جهود منظمة أطباء بلا حدود، التي تدير مستشفى زالنجي، وتدعم الخدمات العلاجية في ولاية وسط دارفور، في محاصرة الحصبة التي بدأت في الانحسار بعد موجة من التفشي، لا يزال المرض منتشرًا بصورة كبيرة في شرق وشمال دارفور.
ينتشر مرض الحصبة في (5) محليات من أصل (9) محليات بولاية شرق دارفور، وسط ضعف التدخلات وشح اللقاحات، حيث لم يتم تطعيم إلا نسبة ضئيلة جدًا من المصابين
مدير عام وزارة الصحة شرق دارفور الأزرق حسن حميدة
يقول مدير عام وزارة الصحة شرق دارفور، الأزرق حسن حميدة، إن مرض الحصبة ينتشر في خمس محليات من أصل تسع محليات بالولاية، وسط ضعف التدخلات وشح اللقاحات، حيث لم يتم تطعيم إلا نسبة ضئيلة جدًا من المصابين.
وقال حميدة لـ(عاين): إن “مرض الحصبة ينتشر في كل من محليات شعيرية، الضعين، الفردوس، بحر العرب، ياسين”، بيد أن التفشي الأكبر داخل مدينة الضعين، بينما سجلت محلية الفردوس أعلى الوفيات.
وخلال شهرين من ظهور المرض، رصدت فرق الصحة في الولاية عدد 529 حالة إصابة، منها 64 حالة حديثة جرى تسجيلها خلال يوم الخميس الماضي، بينها حالة وفاة واحدة، وفق المسؤول الصحي، بينما بلغ مجموع الوفيات خلال هذه المدة 27 حالة وفاة.

يعيش المرضى في شرق دارفور، وأغلبهم من داخل مدينة الضعين، ظروفاً إنسانية قاسية لغياب مركز الاستقبال، بعد خروج قسم الحوادث بمستشفى الضعين عن الخدمة نتيجة الغارة الجوية التي تعرض لها في مارس الماضي.
وكان مستشفى الضعين قد تعرض في 20 مارس الماضي لهجوم بطائرة مسيّرة، سقط خلاله 71 قتيلًا، بينهم كوادر طبية، إضافة إلى تدمير كامل لقسم الحوادث بالمستشفى، كواحد من أكثر الهجمات عنفًا على الأعيان المدنية في السودان، وفق منظمة الصحة العالمية.
أطفال المخيمات
وفي محلية الفردوس بولاية شرق دارفور، يتفشى مرض الحصبة وسط الأطفال وبصورة أكبر في مخيمات اللاجئين من جنوب السودان، وخلال 20 يومًا فقط حصد أرواح 10 أطفال، منهم 6 من اللاجئين الجنوب سودانيين و4 من المجتمع المضيف، وفق الناشط المجتمعي محمد صالح البشر.
وقال البشر لـ(عاين): إن “ما ساهم في انتشار المرض هو غياب التطعيم خلال الفترة الماضية من الحرب، حيث توقفت برامج التحصين ضد الأمراض الست، والتي من بينها الحصبة، الأمر الذي جعل الأطفال عرضة للمرض الذي يحصد أرواحهم اليوم”.
الأطفال في سن ثلاث سنوات هم الأكثر إصابة بالمرض، مما يدل على أن السبب الأساسي في انتشار الحصبة هو انقطاع برامج التحصين خلال فترة الحرب
ناشط مجتمعي بولاية شرق دارفور
وأشار إلى أن منظمة الطفولة التابعة للأمم المتحدة “اليونسيف” بدأت في التدخل، وينتظر أن تنفذ حملات تطعيم للأطفال بالمنطقة، مبيناً أن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى محاصرة المرض المنتشر.
“رغم أن هنالك حالات إصابة جرى تسجيلها وسط بالغين، إلا أن الأطفال في سن ثلاث سنوات هم الأكثر إصابة بالمرض، مما يدل على أن السبب الأساسي في انتشار الحصبة هو انقطاع برامج التحصين خلال فترة الحرب”، يقول البشر.
ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، انهارت الخدمات في دارفور، عقب انسحاب وزارة الصحة من الإقليم الذي وقع في قبضة الدعم السريع، وسط انتقادات لاستخدام الخدمات ضمن أجندة الصراع العسكري.
صمت مؤلم
وتعاني ولاية شمال دارفور بدورها من تفشي مرض الحصبة وسط الأطفال، حيث ينتشر في نحو خمس مناطق، هي “كبكابية، الطويشة، أم كتكوت، أم حوش”، في ظل غياب لقاحات التطعيم، مما أدى لسرعة الانتشار، وفق متابعات (عاين) مع متطوعي غرف الطوارئ في هذه المناطق.
وحتى يوم الخميس الماضي، تم تسجيل 26 حالة وفاة نتيجة الإصابة بمرض الحصبة من أصل 237 حالة إصابة، وفق غرفة طوارئ كبكابية.
“هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل أرواح تُفقد، وأطفال يُنتزعون من الحياة في صمت مؤلم، والأسر تواجه الخطر بإمكانيات معدومة، في ظل غياب اللقاحات ونقص حاد في الكوادر والمعدات داخل المرافق الصحية التي تعمل تحت ضغط يفوق طاقتها”، تقول الغرفة في بيان.
وأطلقت غرفة طوارئ كبكابية نداءات عاجلة للمنظمات الدولية والإنسانية والخيرين من أجل التحرك الفوري لتوفير اللقاحات والدعم الطبي الطارئ، لإنقاذ الأطفال.
تقول عضو غرفة طوارئ كبكابية، رانيا عز الدين، لـ(عاين)، إن “المركز الصحي في البلدة ضعيف الإمكانيات، ويستقبل يوميًا حوالي 15 حالة إصابة، في ظل غياب اللقاحات المطلوبة”، موضحة أن حالات الاشتباه تُعطى فقط مضادات حيوية.
وترى عز الدين، أن انقطاع حملات التطعيم الروتينية خلال فترة الحرب هو السبب وراء تفشي الحصبة في منطقة كبكابية هذه الأيام، مشيرة إلى أن بقية اللقاحات متوفرة عدا لقاح الحصبة.
نحن أمام واقع مؤلم يتفاقم بسرعة خطيرة في محلية كبكابية، حيث لم يعد ما يحدث مجرد تفشٍ مرضي، بل كارثة إنسانية حقيقية تضرب أطفالنا
رانيا عز الدين عضو غرفة طوارئ كبكابية
“منذ 3 سنوات والأطفال بلا تطعيم ضد الحصبة، هنالك الكثير من الأسر المستطيعة سافرت بأطفالها إلى أماكن يتوفر فيها التطعيم الدوري، ومن لم يجد فهو اليوم عرضة للإصابة، الأسبوع الماضي وحده توفي فيه 17 مصاباً بالحصبة”، تقول رانيا عز الدين. وتشير إلى إن المركز الصحي في كبكابية يديره متطوعون وهو في حاجة إلى الدعم المطلوب، وتنوه بأن اللقاحات قد تكون متوفرة في مدينة الجنينة، لكن لغياب الترحيل الآمن حُرم المرضى من الحصول عليه.
“نحن اليوم أمام واقع مؤلم يتفاقم بسرعة خطيرة في محلية كبكابية، حيث لم يعد ما يحدث مجرد تفشٍ مرضي، بل كارثة إنسانية حقيقية تضرب أطفالنا يوماً بعد يوم”، تقول عضو غرفة الطوارئ.
وتعاني كبكابية، بجانب الحصبة، من تفشي مرض “السعال الديكي”، وهو أيضاً من أمراض الطفولة الستة، ولغياب برامج التحصين الروتيني خلال فترة الحرب بدأ اليوم في الانتشار جنباً إلى جنب مع الحصبة وسط الأطفال، وفق غرفة الطوارئ.
وكغيرها من مناطق إقليم دارفور، تعيش منطقة كبكابية كـ”جزيرة معزولة” عن بقية المدن نسبة لغياب الطرق المسفلتة التي تربطها ببعضها، ما يعرقل وصول الأدوية في الوقت المناسب وتحت ظروف تخزين ملائمة في ظل ظروف الحرب التي زادت الوضع الأمني تعقيداً.
وتتبع كبكابية لولاية شمال دارفور، وتخضع لسيطرة قوات الدعم السريع منذ فترة مبكرة من بداية الحرب.

وفي منطقة أخرى من ولاية شمال دارفور، تسمى “أم كتكوت”، يتفشى مرض الحصبة في ظل ذات الظروف التي تعانيها بقية المناطق المذكورة، لا سلطة ولا منظمات إنسانية تتولى جانب التدخلات الطبية لمحاصرة المرض.
يقول منسق غرفة طوارئ “أم كتكوت”، عاطف أحمد آدم، لـ(عاين): إن “المرض ظهر لأول مرة في العاشر من مارس الماضي، وفي ظرف شهر أصيب أكثر من مائة شخص، بينهم حالة وفاة لطفل واحد”.
وحتى الآن لا توجد تدخلات طبية إلا من بعض جهود المتطوعين، حيث قام مجلس غرف طوارئ شمال دارفور بالتدخل من خلال توفير جزء من المحاليل الوريدية والفيتامينات ومخفضات الحرارة، في وقت لم يتوفر فيه لقاح الحصبة حتى الآن.
وأضاف آدم أنه “منذ اندلاع الحرب قبل ثلاث سنوات لم يتلق أطفال المنطقة أي تطعيم ضد الأمراض الست، ما ساهم في التدهور السريع لحالة تفشي المرض”.
وليس بعيداً من منطقة “أم كتكوت” توجد منطقة تسمى “أم حوش”، تعاني بدورها من انتشار مرض الحصبة وسط الأطفال، حيث رصد متطوعون هناك تسجيل عدد 280 حالة إصابة، بينها 7 وفيات.
تقول غرفة الطوارئ إن المنطقة تشهد ضغطاً كبيراً على الخدمات الصحية نتيجة تزايد عدد الإصابات مع نقص في بعض الأدوية والإمدادات الطبية، مما يزيد من خطورة الوضع خاصة وسط الأطفال.
وتعاني المنطقة من نقص الأدوية المنقذة للحياة، وضعف الإمكانيات الطبية، وقلة الكوادر الصحية مقارنة بعدد الحالات المرضية.
تدخلات محدودة
وفي محاولة للسيطرة على المرض والحد من انتشاره، بدأت السلطات الصحية في حكومة تحالف السودان التأسيسي “تأسيس” تحركاً محدوداً من خلال إطلاق حملة تطعيم تقتصر على ولاية جنوب دارفور.
وانطلقت يوم أمس الأول السبت حملة التطعيم بلقاح الحصبة والحصبة الألمانية، مستهدفة تطعيم (1,398,485) طفلاً وطفلة، عمر تسعة أشهر وحتى أقل من خمسة عشر عامًا، في (15) محلية بالولاية، حسب مدير التحصين الموسع بوزارة الصحة بجنوب دارفور، محمد هرون.
ومنذ نحو عام مضى، يحاول تحالف سياسي عسكري تقوده قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان وقوى أخرى تشكيل هياكل سلطة في مناطق سيطرته للتصدي لاحتياجات المواطن في الخدمات، إلا أن المحاولات لا تزال متعثرة وسط انقسام داخلي واعتراض خارجي يرفض الاعتراف بمؤسسات سلطة موازية بالسودان.
وبدأ وزير الصحة في حكومة “تأسيس”، علاء الدين نقد، ممارسة نشاطه من داخل مدينة نيالا، واجتمع يوم الخميس الماضي مع منظمة أطباء بلا حدود التي تعمل في الولاية وعدد من مناطق دارفور.
وحسب تصريح لوزارة الصحة في حكومة تأسيس، فإن “الوزير أكد خلال اللقاء تقدير حكومته للدور الذي تضطلع به أطباء بلا حدود في تقديم الخدمات الصحية، وتعاونها في تسهيل وصول الخدمات للمواطنين في ظل الظروف المعقدة”.
وكان تحالف “تأسيس” الذي تشكل في فبراير 2025 بين قوات الدعم السريع والحركة الشعبية برئاسة عبد العزيز الحلو وقوى سياسية وعسكرية أخرى، ضد الجيش السوداني، ضمن تطورات الحرب المستمرة في البلاد منذ أبريل 2023، قد أطلق على سلطته اسم “حكومة الوحدة والسلام”، واتخذ من مدينة نيالا بدارفور عاصمة لها.



















