من (الهمباتة) إلى (الشفشافة): كيف غيّرت حرب السودان ثقافة الجريمة؟

عاين- 27 يوليو 2026

مع تصاعد جرائم النهب المسلح مؤخراً في المناطق الآمنة نسبياً بالسودان، شهدت الجريمة تحولات كبيرة في طبيعتها التي انتقلت من أنماط ارتبطت تاريخياً بسياقات اجتماعية محددة، إلى جرائم حضرية تستهدف المدنيين دون تمييز. ما يطرح سؤالاً أوسع حول: كيف تغيّرت ثقافة الجريمة في السودان، وما الذي يفصل بين “الهمبتة” كما عُرفت في الذاكرة الشعبية، وأنماط النهب التي فرضتها سنوات الحرب “الشفشفة”؟

حادثة النهب التي تعرضت لها “روان” في وضح النهار بعد سنين قضتها خارج البلاد هرباً من الحرب. كانت تحمل معها صورة ظلت ترافقها في المنفى عن قيم الشهامة والتكافل التي عُرف بها المجتمع السوداني. لكن تلك الصورة تبددت خلال لحظات. عند الساعة الثانية عشرة ظهراً، كانت تسير في طريقها إلى منزلها بالواحة شمال أم درمان، توقفت إلى جوارها دراجة نارية يستقلها شابان، أشهر أحدهما مسدساً في وجهها، بينما انتزع الآخر هاتفها المحمول، وفتشها بحثاً عن أي مقتنيات أخرى، قبل أن يستوليا على ما بحوزتها من نقود، والتي لم تتجاوز 18 ألف جنيه سوداني، ثم لاذا بالفرار.

حادثة “روان” التي روتها لـ(عاين)، لم تكن الوحيدة، ومنذ اندلاع الحرب في السودان 2023، انتشر النهب المسلح ما عرف محليا بالشفشفة، ورافق بعضها عمليات قتل للضحايا، وتستمر هذه الجرائم وسط الانتشار الواسع للسلاح وعجز أجهزة الدولة المعنية في فرض سيطرتها وإنفاذ القانون.

البادية والبارود.. روح الهمباتة المفقودة

لفهم التحولات التي طرأت على الجريمة في السودان، يعود التقرير إلى ظاهرة “الهمبتة- الهمباتة”، التي ارتبطت تاريخياً بمجتمعات البادية في مناطق مثل البطانة وكردفان ودارفور. ويوضح المؤرخ والباحث في التراث السوداني هشام محمد بلة عباس أن الهمبتة، من الناحية القانونية والتاريخية، تعني “أخذ حقوق الناس بغير حق”، وكانت شكلاً من أشكال قطع الطريق وسلب الإبل في فترات ضعفت فيها سلطة الدولة، واتسعت فيها المراعي.

لكن، بحسب هشام، لم تكن الهمبتة تُمارس بمعزل عن الأعراف الاجتماعية السائدة آنذاك. فقد كانت تحكمها قواعد شفاهية متوارثة، من بينها تجنب التعرض للنساء والضعفاء والفقراء، بينما كان الهدف الأساسي يتمثل في الاستيلاء على الإبل التي كانت تمثل أهم عناصر الثروة والوجاهة في المجتمع البدوي.

ويتفق الباحث ميرغني ديشاب، في كتابه البطاحين: تاريخهم، شعرهم، شعراؤهم، مع هذا التصور، موضحاً أن صراعات البادية وتاريخها أسهما في تشكيل منظومة من القيم ارتبطت بالهمبتة، حيث كان بعض الهمباتة ينظرون إلى سلب إبل الأثرياء أو أصحاب النفوذ بوصفه فعلاً يختبر الشجاعة، ويتصل بمكانة الفارس داخل مجتمعه، أكثر من كونه سعياً وراء مكسب مادي مباشر.

الهمبتة في التاريخ الاجتماعي السوداني كانت تقوم على ميثاق شرف داخل مجتمع البادية

حامد بخيت، كاتب وناقد

ويرى الكاتب والناقد حامد بخيت في حديثه لـ(عاين) أن الهمبتة، رغم كونها جريمة، اكتسبت في المخيال الشعبي صورة مختلفة عن أنماط النهب الحالية: “الهمبتة في التاريخ الاجتماعي السوداني كانت تقوم على ميثاق شرف داخل مجتمع البادية، ولم تكن سرقات عشوائية. فالهمباتي كان يتفاخر بالشجاعة والفروسية، ويتجنب التعرض للنساء أو الضعفاء، وكان يرى في استهداف أصحاب المال والجاه تحدياً للسلطة السائدة، وهي التجارب التي وثقها شعر الدوبيت.”

وتعكس بعض أشعار الدوبيت هذا التصور الذي تبناه الهمباتة لأنفسهم، ومن أشهرها:

«يات من فينا فارساً تب ومقطوع شكو

ونحنا مسلطين من الله للما بزكّوا»

ويضيف هشام محمد بلة: أن “الهمباتي كان يركز على الإبل؛ لأنها كانت تمثل الثروة الأساسية في البادية، ولم يكن يستهدف البيوت أو المقتنيات الشخصية كما يحدث في كثير من جرائم النهب المعاصرة. كما أن المواجهة، بحسب روايات التراث، كانت تتم بصورة مباشرة بين الطرفين، في ظل توازن نسبي في أدوات القوة، وهو ما يميزها عن الجرائم التي تعتمد اليوم على السلاح الناري واستهداف المدنيين غير القادرين على الدفاع عن أنفسهم”.

زلزال أبريل: قشرة المدنية الرقيقة وتنفيس الضغائن الاجتماعية

يرى الكاتب والناقد حامد بخيت، أن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 لم تغيّر المشهد الأمني في السودان فحسب، بل كشفت أيضاً عن تحولات اجتماعية عميقة ظلت تتراكم لسنوات. ويقول إن فهم ما شهدته المدن، خصوصاً الخرطوم، لا يقتصر على البعد العسكري، بل يتطلب النظر إلى السياقات الاجتماعية والاقتصادية التي سبقت الحرب.

وبحسب حامد، فإن المدينة السودانية الحديثة نشأت في ظل تركّز الخدمات وفرص العمل والثروة في المركز، مقابل تهميش واسع للأطراف، وهو ما خلق شعوراً متراكماً بعدم المساواة. ومع اندلاع الحرب ووصول القتال إلى المدن، برزت هذه التناقضات بصورة أكثر وضوحاً، وتحولت في بعض الحالات إلى أعمال سلب ونهب طالت المنازل والمنشآت والممتلكات الخاصة.

ويقول حامد: إن “ما حدث يعكس أيضاً هشاشة البنية المدنية في السودان وأظهرت الحرب أن التمدن لم يكن قائماً بالكامل على مؤسسات قوية أو على مفهوم المواطنة المتساوية، وإنما على شبكات اجتماعية وجهوية. ومع انهيار مؤسسات الدولة الأمنية في مناطق واسعة، عادت الهويات الأولية إلى الواجهة، وظهرت أنماط من العنف كان يُعتقد أنها تراجعت مع توسع الحياة الحضرية.”

ويؤكد أن هذا التحليل لا يبرر أعمال النهب أو العنف، وإنما يحاول تفسير السياقات الاجتماعية التي ساعدت على انتشارها خلال الحرب.

التكنولوجيا والانتشار الشامل للسلاح

يرى الكاتب والناقد حامد بخيت أن أنماط الجريمة التي برزت خلال الحرب تختلف بصورة جلية عن تلك التي ارتبطت تاريخياً بالهمبتة، ويعزو ذلك إلى مجموعة من التحولات الاجتماعية والأمنية التي شهدها السودان خلال العقود الأخيرة، وتفاقمت مع اندلاع الحرب.

ويضع بخيت ثلاثة عوامل رئيسية وراء هذا التحول: أولها، الانتشار الواسع للسلاح الناري. ويشير المؤرخ هشام محمد بلة إلى أن السلاح الحديث غيّر طبيعة الجريمة، إذ لم تعد تعتمد على المواجهة المباشرة أو التفوق البدني كما كان يُروى في أدبيات الهمبتة، بل أصبح امتلاك السلاح وحده كافياً لفرض السيطرة على الضحية وارتكاب الجريمة في وقت قصير.

أما العامل الثاني، بحسب بخيت، فيتمثل في تغير أنماط الاستهلاك. فمع انتشار الهواتف الذكية والسيارات وغيرها من السلع القابلة للبيع السريع، أصبحت هذه المقتنيات أهدافاً مباشرة لجرائم النهب، بخلاف الإبل التي كانت تمثل في الماضي رأس المال الأساسي في المجتمع البدوي. ويقول إن هذا التحول غيّر طبيعة الدوافع والأدوات التي تحكم الجريمة.

أما العامل الثالث فهو تراجع آليات الضبط الاجتماعي التقليدية. فبحسب بخيت، كان المجتمع المحلي في البادية يمارس دوراً رقابياً على أفراده من خلال الأعراف والسمعة واللوم الاجتماعي، بينما أضعفت الحرب كثيراً من هذه الروابط، وخلقت بيئة يتحرك فيها الجناة، في بعض الحالات، بعيداً عن الرقابة المجتمعية أو المساءلة، وهو ما أسهم في اتساع نطاق جرائم النهب والعنف.

خوارزميات الشهرة وتفاخر اللصوص

يرى الكاتب والناقد حامد بخيت، أن أحد أبرز التحولات التي صاحبت تغير أنماط الجريمة يتمثل في طريقة توثيقها والتفاخر بها. فبينما كانت قصص الهمبتة تُروى قديماً عبر الدوبيت والمسادير، التي كانت توثق مغامرات أصحابها داخل مجتمعهم المحلي، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي اليوم فضاءً جديداً لعرض جرائم النهب وتداولها.

صورة تقريبية لعمليات النهب المسلح التي طالت الأسواق بالخرطوم، أنشئت بواسطة الذكاء الاصطناعي

ويقول حامد: إن “بعض مرتكبي الجرائم باتوا يصورون عمليات النهب، أو يوثقون ما يحدث خلالها، ثم ينشرون تلك المقاطع عبر منصات مثل “تيك توك” و”فيسبوك”، في سلوك يربطه بالرغبة في استعراض القوة وجذب الانتباه”. ويضيف: “الممارس للنهب لا يكتفي بالسرقة فقط، بل أصبح يصور عملية العنف كاملة ويوثق انتصاره الزائف وإذلاله لضحيته، محققاً بذلك شعوراً واهياً بالسيطرة والقوة أمام العلن الافتراضي”.

ويربط حامد هذا التحول أيضاً بتراجع بعض أدوات الضبط الاجتماعي التقليدية التي كانت تؤثر في تشكيل القيم داخل المجتمعات المحلية. ويشير إلى أن شخصيات مثل “الحكامات”، اللاتي ارتبطن تاريخياً بتعزيز قيم الشجاعة والكرم أو ذم بعض السلوكيات، لم تعد تؤدي الدور نفسه في ظل التحولات التي فرضتها الحرب والاستقطابات السياسية والاجتماعية، حيث أصبحت بعض الأصوات الشعبية جزءاً من خطاب التعبئة والاستقطاب، بينما تراجع تأثيرها كمرجعية أخلاقية جامعة.

الفوضى الأمنية.. تغيرات في طبيعة الجريمة

يقول العميد شرطة (مفصول- معاش) عوض المفتاح نور الهدى في حديثه لـ(عاين): إن الحرب غيّرت طبيعة الجريمة في السودان، ولم تقتصر آثارها على زيادة معدلاتها، بل امتدت إلى أساليب ارتكابها وطرق التعامل معها. ويستند عوض، إلى خبرته السابقة في القسم الشمالي بأم درمان، الذي كان يشمل مناطق مثل القماير والحفر والخدير، موضحاً أن الجريمة قبل الحرب، رغم تعقيدها، كانت تخضع لآليات واضحة في التحري والبحث الجنائي، مثل رفع البصمات، وتتبع الأثر، وتحديد الاختصاص المكاني، ما كان يساعد على الوصول إلى الجناة.

أبرز العوامل التي طرأت هو انتشار السلاح، ووجود قوات تعمل خارج إطار القانون. وحتى داخل بعض القوات النظامية هناك متفلتون يرتكبون جرائم

عميد شرطة معاش

أما اليوم، فيرى أن بيئة الحرب فرضت واقعاً مختلفاً. “أبرز العوامل التي طرأت هو انتشار السلاح، ووجود قوات تعمل خارج إطار القانون. وحتى داخل بعض القوات النظامية هناك متفلتون يرتكبون جرائم، وهم يستغلون الأزياء العسكرية والبطاقات الرسمية والعربات ذات الدفع الرباعي، إضافة إلى صعوبة القبض عليهم أو محاسبتهم.” يقول العميد شرطة نور الهدى.

ويشير عوض، إلى أن الحرب أفرزت أنماطاً جديدة من الجرائم، من بينها الابتزاز المرتبط باسترداد الممتلكات المنهوبة، حيث يطلب بعض الوسطاء مبالغ مالية من أصحاب السيارات أو الأثاث مقابل التوسط في استعادتها، مستفيدين من حالة الفوضى وضعف مؤسسات إنفاذ القانون.

كما يلفت إلى تزايد الجرائم التي تُرتكب باستخدام الزي العسكري أو بانتحال الصفة النظامية، إضافة إلى تعقيد ملاحقة الأموال والممتلكات التي تُهرَّب إلى خارج السودان عبر شبكات عابرة للحدود.

ويرى العميد عوض أن المشكلة لا تكمن فقط في تراجع وجود الشرطة في بعض المناطق، وإنما أيضاً في تعدد الجهات التي تمارس مهام أمنية خلال الحرب، وما نتج عن ذلك من تداخل في الاختصاصات وصعوبات في تطبيق القانون. ويضيف أن انسحاب الشرطة من بعض المناطق ارتبط أيضاً بعدم تكافؤ تسليحها مع أطراف النزاع، الأمر الذي جعل كثيراً من مقارها ومنسوبيها عرضة للاستهداف.

ويتفق المؤرخ هشام محمد بلة مع جانب من هذا التوصيف، مشيراً إلى رصد حوادث نهب وابتزاز في ولايات كانت تُعد أكثر استقراراً، مثل الولاية الشمالية ونهر النيل، نفذها أشخاص يرتدون أزياء عسكرية، أو ينتحلون صفات نظامية، مستفيدين من حالة السيولة الأمنية التي فرضتها الحرب.

بين زمنين

عندما تتذكر “روان” يوم تعرضها للنهب في أحد شوارع أم درمان، لا تستحضر قيمة الهاتف أو النقود التي فقدتها بقدر ما تستحضر الإحساس بالأمان الذي كانت تتوقع أن تجده بعد عودتها إلى السودان. بالنسبة لها، لم تكن الحادثة مجرد جريمة، بل علامة على التحولات التي طرأت على المجتمع خلال سنوات الحرب.

ويشير ما جمعه التقرير من شهادات وتحليلات إلى أن أنماط الجريمة في السودان تغيرت بفعل عوامل متداخلة، من بينها انتشار السلاح، وتراجع مؤسسات إنفاذ القانون، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي صاحبت الحرب. في المقابل، يلفت الكاتب والناقد حامد بخيت إلى أن استعادة الأمن لا تتوقف على الإجراءات العسكرية أو القانونية وحدها، بل تتطلب أيضاً جهداً ثقافياً يعيد بناء الثقة بين السودانيين، ويواجه خطابات الكراهية التي عمقتها الحرب. ويختصر هذه الفكرة بعبارة متداولة في الوجدان السوداني: “السودان عضمه قوي”.

وبينما تبدو نهاية الحرب غير واضحة، يبقى السؤال مفتوحاً: كيف يمكن للمجتمع السوداني أن يستعيد منظوماته الأخلاقية وآليات التضامن التي حافظت على تماسكه لعقود، وأن يعيد بناء مؤسسات قادرة على حماية المواطنين ومنع تحوّل العنف إلى واقع دائم في حياة الأجيال المقبلة؟

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *