حضر الأهالي وغابت الدولة.. هل يعيد (النفير) إعمار السودان؟
عاين- 3 أكتوبر 2026
في بلدة صغيرة بولاية الجزيرة أواسط السودان، أُعيد فتح باب مدرسة كانت قد تداعت فصولها الدراسية، بعد شهور من انتهاء المعارك العسكرية في المنطقة. كانت الجدران شاهدة على أثر الرصاص، والأسقف مهدمة، بينما أطفال القرية ينتظرون العودة إلى مقاعد الدراسة. وبينما سط يجتمع أهالي القرية لمناقشة كيفية تأهيل المدرسة تقدمت “فاطمة” وهي سيدة أفقرتها الحرب وفقدت زوجها، ولم تكن تملك سوى خاتم ذهبي بسيط هو آخر ما تبقى من مدخرات أسرتها المنهكة. أخرجت فاطمة الخاتم من إصبعها، وسلمته للجنة القرية قائلة إنها لا تملك سيولة نقدية، لكنها تريد لبنيها أن يجدوا مكاناً يتعلمون فيه.
لم تكن خطوة فاطمة مجرد حالة تعاطف فردية، بل مدخلاً يعكس الواقع القاسي الذي يعيشه السودانيون عقب اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023. فمن القرى النائية في ولاية الجزيرة وسنار وشرق النيل إلى الأحياء المكتظة في أم درمان وبحري والخرطوم، يجد المواطنون أنفسهم أمام خيار واحد للبقاء: تسييل أصولهم الشخصية المتبقية، واستنزاف مدخرات المغتربين، وتحويل المساهمات التكافلية الصغيرة إلى شريان حياة يمول تشغيل محطة مياه، أو صيانة مدرسة، أو فتح مركز صحي حيوي بعد أن انهارت الخدمات العامة.
عقب سيطرة القوات المسلحة السودانية واستعادتها لولاية الجزيرة في يناير 2025، اصطدم الأهالي والعائدون بدمار واسع لحق بالبنية التحتية والمرافق العامة؛ إذ نُهبت مدخلات الإنتاج الزراعي، وسُرقت الحاصدات، وتلفت قنوات الري، وتوقفت المحولات الكهربائية عن العمل.
خاتم الأرملة لبناء المدرسة
تقول فاطمة،(اسم مستعار) بناءً على طلبها وهي أم لطفل وطفلة من إحدى قرى ولاية الجزيرة، إنها فقدت زوجها خلال الحرب، ولم يعد لديها الكثير مما تملكه. وعندما بدأت لجنة القرية في جمع التبرعات لإعادة تأهيل المدارس والمرافق المتضررة، شارك السكان كلٌّ بحسب قدرته. لكنها لم تكن تملك المال للمساهمة.
تقول فاطمة لـ(عاين): إن “خاتم الذهب كان الشيء الوحيد الذي نجا من النهب، وإنه كان كل ما تملكه، لذلك قررت تقديمه للمساهمة في إعادة تأهيل المدارس. وتضيف: “أهم حاجة أولادي يدرسوا ويتعلموا حتى يبنوا مستقبلهم”.
وترى فاطمة، أن نجاح أطفالها وتعليمهم سيكونان بالنسبة إليها تعويضاً عن الخاتم وعن الأشياء التي فقدتها خلال الحرب، وتقول: “تعليمهم عندي أغلى من قطعة الذهب”.

أمام هذا الشلل الإداري، لم ينتظر السكان الخطط الحكومية المعلنة لإعادة الإعمار . في مناطق مثل العسيلات بشرق النيل وقرى الجزيرة، تحركت “لجان القرى” و”روابط أبناء المناطق” لإعادة تشغيل المرافق الأساسية. وبدلاً من الاعتماد على ميزانيات السلطات المحلية المفقودة، نشطت آليات “النفير” التقليدية مجدداً، واعتمدت بشكل كامل على تحويلات المغتربين السودانيين في دول الخليج والمهاجر الأجنبية، والتي كانت تصل مباشرة عبر التطبيقات المصرفية الرقمية لشراء مولدات الديزل ومضخات المياه وصيانة شبكات الشرب.
يقول أحمد علي، شاب من منطقة العسيلات بشرق النيل، إن توفير الخدمات الأساسية في المنطقة لم يكن يعتمد تاريخياً على الحكومة، موضحاً أن عدداً من المرافق، بينها المدارس والمركز الصحي، أُنشئت أساساً بجهود السكان ومساهماتهم. ويضيف لـ(عاين): “أبناء المنطقة داخل السودان وخارجه ظلوا يساهمون في تمويل هذه الخدمات، عبر التبرعات المباشرة والمساهمات الدورية التي يقدمها المغتربون، إلى جانب مساهمات التجار وأصحاب الأعمال والسكان”.
ومع اندلاع الحرب وتضرر عدد من المرافق، عادت هذه الآلية إلى الواجهة بصورة أكبر. ويقول أحمد: إن “السكان تحركوا لإعادة تأهيل الخدمات الأساسية وتشغيلها، اعتماداً على ما يستطيعون جمعه من الداخل والخارج”.
ويضيف: أن “المغتربين أسهموا بصورة أساسية في توفير التمويل النقدي، بينما شارك السكان داخل المنطقة في أعمال الصيانة والتأهيل، إلى جانب مساهمات التجار وأصحاب المتاجر. ويقول أحمد إن الأولوية كانت لإعادة الخدمات التي تمس حياة السكان مباشرة، خصوصاً الصحة والتعليم والمياه. وبحسب إفادته، تمكن الأهالي من إعادة تأهيل المركز الصحي وتشغيله، كما جرى إصلاح المدارس وإعادة فتحها أمام الطلاب.
ويصف أحمد، هذه الجهود بأنها امتداد لطريقة قديمة في توفير الخدمات بالمنطقة، قائلاً إن “الخدمات الأساسية في المنطقة، خاصة المركز الصحي والمدارس، أُنشئت أصلاً بجهد شعبي خالص، وليس كمشروعات حكومية”. ويضيف: أن “الحرب جعلت هذا الدور أكثر إلحاحاً، لأن السكان لم يكونوا قادرين على انتظار تدخل حكومي لإعادة الخدمات”.
وبحسب أحمد، فإن مساهمات أبناء المنطقة في الخارج كانت جزءاً أساسياً من عملية إعادة التشغيل، إذ جرى التنسيق معهم لإرسال مبالغ بصورة دورية، بينما قدم التجار المحليون مساهمات مالية وعينية. ويقول إن المشاركة لم تقتصر على فئة محددة، مضيفاً: “كل أهل المنطقة ساهموا بما يستطيعون في صندوق إعادة الإعمار”.
ويرى أحمد أن ما جرى في العسيلات يكشف استمرار اعتماد المجتمعات المحلية على نفسها في توفير بعض الخدمات الأساسية، لكنه في الوقت نفسه يوضح حجم العبء الذي تتحمله هذه المجتمعات في ظروف الحرب وغياب مؤسسات الدولة.
موازنات معلنة وخدمات تنتظر التنفيذ
وفي ولايات مثل الجزيرة، لم يكن غياب التمويل الحكومي مطلقاً، لكن الأرقام الرسمية تطرح سؤالاً آخر: إلى أي مدى تحولت الاعتمادات المعلنة إلى خدمات فعلية في القرى؟ ففي مارس 2025 أعلنت حكومة الولاية موازنة بلغت 190.4 مليار جنيه للطوارئ والإعمار، بينها 1.8 مليار جنيه لتأهيل قطاع المياه، و1.167 مليار جنيه لصيانة محطة مياه مدني الرئيسية، و1.181 مليار جنيه لتأهيل قطاع الكهرباء والطوارئ. وقال وزير المالية الولائي آنذاك إن الولاية لم تتلقَّ خلال موازنة 2024 أي منح أو دعم اتحادي.
وفي ديسمبر من العام نفسه، رفعت الولاية مخصصات التنمية في موازنة 2026 إلى 65 مليار جنيه، مقارنة بـ37.6 ملياراً في موازنة 2025، وقالت إن الأولوية ستشمل تأهيل محطات مياه الشرب، والطاقة الشمسية، والمنشآت الكهربائية والمرافق الصحية والطرق الداخلية.

لكن استمرار إعلان الخطط بعد عام من استعادة أجزاء واسعة من الولاية يكشف أن الاعتماد المالي المعلن لم يكن يعني بالضرورة اكتمال الخدمات. ففي يونيو 2026، أعلن رئيس الوزراء التزام الحكومة بإعادة تأهيل نحو 20 ألف وحدة مدرسية في الجزيرة، وسد العجز في المعلمين وتوفير الإجلاس المدرسي. وفي يوليو، كان الحديث الحكومي لا يزال عن خطة لمعالجة عجز قدره 34 ألف معلم، مع موافقة مبدئية على تعيين 10 آلاف معلم وإعادة تأهيل 20 ألف مدرسة وتوفير 100 ألف وحدة إجلاس. وفي المقابل، كانت بعض الخدمات قد عادت بالفعل عبر تدخلات حكومية ومجتمعية متداخلة. ففي يناير 2026 افتتحت حكومة الجزيرة محطة مياه مدني بعد إعادة تأهيلها، وقالت إنها ستخدم نحو 80 ألف أسرة، مع الإشارة إلى مساهمة جهات حكومية وأخرى “من خارج الجهاز الحكومي” في عملية التأهيل.
تكشف هذه الأرقام صورة أكثر تعقيداً من ثنائية “غياب الدولة وحضور المجتمع”. فالحكومة أعلنت موازنات وخططاً ومشروعات، وبعضها نُفذ فعلاً، مع مشاركة جهات غير حكومية كما ذكر، لكن اتساع الاحتياجات واستمرار الإعلان عن مشروعات جديدة بعد أكثر من عام على استعادة الولاية يطرح سؤالاً ميدانياً أكثر دقة: كم من الأموال المرصودة وصل فعلياً إلى المدارس والمراكز الصحية ومحطات المياه في القرى، وكم اضطرت المجتمعات إلى جمعه بنفسها حتى تعمل هذه المرافق؟
أصول الأسر وقود الإعمار
يرى الباحث الاقتصادي محمد الحاج، أن اعتماد المجتمعات المحلية على تمويل إعادة تأهيل الخدمات الأساسية يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في الاستجابة العاجلة، لكنه لا يصلح بديلاً مستداماً عن الدولة في تمويل الخدمات العامة وإعادة الإعمار. ويقول محمد لـ(عاين): إن “تحويلات السودانيين في الخارج أصبحت خلال الحرب مصدراً رئيسياً لتمويل احتياجات الأسر والمجتمعات، بعدما كانت تستخدم قبل الحرب بدرجة أكبر في الاستثمار وبناء الأصول. ومع استمرار الحرب، اتجه جزء متزايد منها إلى الغذاء والعلاج وتشغيل آبار المياه وإعادة تأهيل المرافق المحلية. ويحذر من أن اعتماد الأسر نفسها على مدخراتها وأصولها الشخصية لتمويل الخدمات قد يؤدي إلى استنزاف ما تبقى لديها من قدرة اقتصادية. ويشير إلى أن بيع الذهب أو المواشي أو الممتلكات لتغطية الاحتياجات الخدمية لا يمثل مصدراً مستداماً للتمويل، خصوصاً في ظل فقدان كثير من الأسر لمصادر دخلها.
ويضيف أن المشكلة الأساسية تظهر في الفرق بين تكلفة إعادة تأهيل المرفق وتكلفة تشغيله. فالمجتمع قد يستطيع جمع المال لإصلاح مبنى مدرسة أو شراء مضخة مياه أو مولد، لكنه يواجه صعوبة أكبر في تحمل المصروفات المتكررة، مثل أجور العاملين، والوقود، والأدوية، والصيانة.

وبحسب محمد، فإن الاعتماد الكامل على الموارد المحلية قد يؤدي أيضاً إلى تفاوت بين المناطق، إذ تستطيع القرى التي تضم أعداداً أكبر من المغتربين أو التجار ورجال الأعمال جمع أموال أسرع لإعادة تشغيل خدماتها، بينما تواجه القرى الأكثر فقراً صعوبة أكبر في استعادة الخدمات الأساسية.
ويرى أن التمويل الأهلي في الظروف الحالية يمثل آلية استجابة مؤقتة فرضتها الحرب، وليس نموذجاً يمكن أن يحل محل الدولة في إعادة الإعمار. ويحتاج التعافي، بحسب رؤيته، إلى نموذج تمويل مختلط يجمع بين الموارد الحكومية والمساعدات الدولية والاستثمارات، مع استمرار الدور المجتمعي في المجالات البسيطة التي يستطيع تحملها.
ويشير محمد الحاج، إلى أن قدرة المجتمعات المحلية تكون أكبر في الخدمات الصغيرة والقريبة من السكان، مثل المدارس الأساسية والمراكز الصحية الأولية وشبكات المياه المحلية، بينما تتجاوز مشروعات مثل شبكات الكهرباء القومية والمستشفيات المرجعية والطرق والمطارات إمكانات التمويل الأهلي.























