مقاتلات (أف 16) مصرية نفذت قصف المنقّبين بقنابل زنة 400 كيلوغرام

 عاين- 15 أكتوبر 2026

نفّذ الجيش المصري يوم السبت الماضي، ما لا يقل عن خمس غارات جوية باستخدام مقاتلات F-16 أمريكية الصنع، استهدفت منقّبين أهليين في منجم العقيدات للذهب بمنطقة شمال الوادي.

وأسفرت الضربات عن مقتل نحو 72 شخصاً، إذ أصابت منقّبين يعملون في المنطقة الحدودية المتنازع عليها بين مصر والسودان والمعروفة بمثلث حلايب، وفقاً لما أوردته مجموعة «محامو الطوارئ». وأفاد أحد المسؤولين الصحيين المشرفين على علاج الجرحى (عاين) بأن عدد الضحايا يُرجَّح أن يكون أعلى من ذلك، إذ يتراوح بين 150 و250 قتيلاً.

وقعت الغارة الجوية، التي استُخدمت فيها قنابل «ناصر» غير الموجّهة مصرية الصنع، في أراضٍ تخضع لسيطرة القوات المسلحة السودانية، الحليف الوثيق للحكومة المصرية، وتقع على بُعد مئات الأميال من مناطق النزاع في السودان.

ومن خلال بيانات المصادر المفتوحة وصور الأقمار الصناعية، تمكّنت (عاين) من تحديد موقعين مرتبطين بالضربات، إلى جانب أدلة تربط العملية بمقاتلات F-16 أمريكية الصنع، وقنابل مصرية الصنع، ونقطتي تفتيش عسكريتين مصريتين داخل الأراضي السودانية.

«وقع القصف الأول يوم السبت 10 أكتوبر/تشرين الأول، عند الساعة العاشرة صباحاً تقريباً»، هكذا قال أحد شهود العيان لـ(عاين)، طالباً عدم الكشف عن هويته، مضيفاً: «يتزامن هذا التوقيت، إلى حدٍّ ما، مع الفترة التي يتجمّع فيها العمال ويستعدّون لبدء أعمالهم أو مواصلتها في مواقع التعدين، بحسب طبيعة العمل في المنطقة».

وبحسب المصدر ذاته، شنّت الطائرات الحربية المصرية ضربة أولى، ثم توقفت لبعض الوقت قبل أن تعاود الهجوم مرة ثانية. وقال المصدر: «خلال الفاصل الزمني بين الهجومين، حاول المنقّبون والعمال الاطمئنان على زملائهم وأصدقائهم وإخوتهم الذين كانوا يعملون إلى جانبهم في شمال الوادي». وأضاف أنهم حاولوا التأكد من سلامتهم وإنقاذ المصابين، «لكن الطائرات عادت، فارتفعت أعداد المصابين والقتلى».

المنقّبون الأهليون عن الذهب

في أعقاب الضربات، أظهرت مقاطع مصوّرة متداولة على الإنترنت أعمدة الدخان المتصاعدة جراء الهجوم، إلى جانب عشرات الجثث وأكياس الجثث المتناثرة في أرجاء المنطقة. ومن بين تلك المقاطع رسالة مؤثرة من ضحية يبلغ من العمر 16 عاماً، عُرف بأنه الطيب الهادي أحمد حامد، الذي فارق الحياة لاحقاً.

وفي رسالته الموجّهة إلى أسرته، تحدّث عن المسامحة والديون ووصاياه الأخيرة، قائلاً: «أسامحكم جميعاً، ولا أحمل في قلبي ضغينة تجاه أحد منكم. كل ما أطلبه أن تسامحوني أنتم أيضاً». ثم انتقل إلى التفاصيل العملية التي أراد من أسرته تسويتها: «ولا تنسوا أن تبلّغوا آدم صاحب الدكان بأن له عندي كيلتين من السمسم، أعطوه إياهما». كما طلب من أسرته سداد دين عليه لصالح ود أحمد محمد: «ود أحمد محمد له عندي أربعة جوالات من الذرة، احرصوا على أن تعطوه إياها. هذا أهم ما في وصيتي». وأخيراً، أشار إلى شخص مدين له بمبلغ 5,000 جنيه مصري، أي ما يعادل نحو 100 دولارات أمريكية، طالباً من أسرته أن يبلّغوه بالتصدّق بالمبلغ نيابةً عنه.

وقدّمت الرسالة، التي تمحورت حول تسوية ديون متواضعة وطلب المسامحة، صورة إنسانية عن حياة من طالهم الهجوم. كما سلّطت الضوء على العواقب الإنسانية للعمليات العسكرية التي تستهدف أشخاصاً لا تُثبت أنشطتهم في حد ذاتها، أياً كان وضعها القانوني، أنهم أهداف عسكرية مشروعة.

الرد المصري

وفي يوم الاثنين الماضي، صرّح متحدث عسكري مصري بأن الجنود كانوا يشاركون في «حملة لمكافحة التنقيب غير المشروع عن خام الذهب» و«فرض السيادة الكاملة داخل حدود الدولة المصرية وحماية مقدراتها ومواردها الوطنية». وأفاد المتحدث بأن الحملة أسقطت منشورات تحذيرية في مواقع محددة، على حد قوله، داعياً إلى تجاهل «الشائعات المغرضة التي تهدف إلى زعزعة العلاقات الأخوية بين الشعبين المصري والسوداني».

ولا تُعدّ هذه الحادثة الأولى من نوعها. ففي يونيو/حزيران، أكّد الجيش المصري في بيان أنه نفّذ هجوماً برياً وجوياً في منطقة التعدين ذاتها، أسفر عن مقتل 23 منقّباً. وبحسب البيان، جاء الهجوم في إطار العمليات الأمنية المصرية في منطقتها الحدودية الجنوبية لمكافحة التنقيب عن الذهب وتهريبه.

يُعدّ مثلث حلايب المتنازع عليه بين البلدين، والخاضع للسيطرة العسكرية المصرية، منطقةً غنية بالمعادن يتنازع السودان ومصر السيادة عليها. ويرتبط موقف مصر من النزاع الحدودي بتبريرها للعملية الأخيرة. غير أن وجود نزاع إقليمي لا يحسم بحد ذاته المسائل المتعلقة بمعاملة المدنيين أو بمشروعية العمل العسكري الموجّه ضدهم، بحسب المحللة السياسية خلود خير.

وتقول خير، مديرة مركز «كونفلوانس» للأبحاث: «هذه هي المرة الثانية التي تقصف فيها مصر منقّبين سودانيين، والمرة الثانية التي تلتزم فيها السلطات الصمت. لا يوجد أي مبرر على الإطلاق يدفع مصر إلى ضرب منقّبين مدنيين أهليين، سواء أكانوا في الجانب السوداني أم المصري من الحدود؛ لا مبرر سوى أن المصريين يدركون تماماً أن سلطات القوات المسلحة السودانية لن تعترض عليهم في ذلك».

موقف القوات المسلحة السودانية

ويطرح تقييم خير تساؤلاً يتجاوز الهجوم ذاته: هل يعكس لجوء مصر المتكرر إلى القوة العسكرية ضد المنقّبين السودانيين توقّعاً بأن القيادة العسكرية السودانية ستُحجم عن مواجهة القاهرة، باعتبار مصر الداعم الرئيسي للجيش في حربه ضد حلفائه السابقين، قوات الدعم السريع شبه العسكرية؟

وفي اليوم نفسه الذي صدر فيه البيان المصري، أصدر مجلس السيادة الانتقالي، برئاسة قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بياناً قدّم فيه التعازي في ضحايا المنقّبين السودانيين. وأعلن البرهان أن لجنة لتقصي الحقائق ستحقق في ملابسات الحادثة وترفع تقريراً بنتائجها. وكان رئيس مجلس السيادة قد أعلن عن تحقيق مماثل في هجوم يونيو/حزيران، إلا أن نتائج ذلك التحقيق لم تُعلن حتى الآن.

مقاتلات F-16 وقنابل مصرية الصنع

مواقع الضربات الجوية المصرية داخل الحدود السودانية

حدّد تحقيق (عاين) موقعين مرتبطين بالهجوم الأخير عند الإحداثيات ‎22.078340, 34.906890‎ و‎24.842480, 34.579230‎. وتوفّر هذه الإحداثيات نقاطاً مرجعية جغرافية لدراسة الهجمات ومقارنة الأدلة المرئية المتاحة بالمواقع المُبلَّغ عنها. وتكتسب علاقتها الدقيقة بالحدود الدولية، أي منطقة مثلث حلايب المتنازع عليها، أهمية بالغة لفهم الهجمات.

ورصدت (عاين) أيضاً أن الطائرات المستخدمة في الغارات الجوية هي مقاتلات F-16 أمريكية الصنع. ومقاتلة F-16 «فايتنج فالكون» طائرة قتالية متعددة المهام، قادرة على حمل أنواع مختلفة من أسلحة جو-أرض. ويكتسب تحديد هوية هذه الطائرات أهمية خاصة، إذ يساعد في إثبات القدرات العسكرية التي استُخدمت في العملية.

الذخيرة نصر ٤٠٠ كيلوغرام

كما حدّدت (عاين) الذخائر المستخدمة في الضربتين بأنها قنابل «ناصر» غير موجّهة مصرية الصنع، تزن كل منها نحو 400 كيلوغرام. وعلى خلاف الأسلحة الموجّهة بدقة، تفتقر القنابل غير الموجّهة إلى نظام توجيه يقودها نحو الهدف بعد إطلاقها.

كما تكشف نتائج (عاين) عن وجود نقطتي تفتيش عسكريتين مصريتين تُظهر صور الأقمار الصناعية أنهما قائمتان داخل الأراضي السودانية منذ بداية الحرب. يقع الموقع الأول عند الإحداثيات ‎21.9964177, 36.8764284‎، والثاني عند ‎21.9970615, 36.7078000‎. ووفقاً لأحد الخبراء الأمنيين، أُقيمت نقطتا التفتيش لمراقبة المنطقة الحدودية ومنع تهريب الذهب.

مواقع عسكرية للجيش المصري داخل الأراضي السودانية 21.9964177, 36.8764284, the second is at 21.9970615, 36.7078000.

 

 

 

استهداف المدنيين

تطرح هذه النتائج سؤالاً جوهرياً: لماذا استُخدمت مقاتلات حربية وذخائر جو-أرض ثقيلة غير موجّهة ضد منقّبين أهليين عن الذهب؟ وما الذي يُبيح لدولة ذات سيادة أن تستهدف مواطني دولة أخرى على هذا النحو الصارخ، في حين تحتفظ بوجود عسكري داخل أراضي تلك الدولة؟

وقد قدّم الجيش المصري العملية على أنها إجراء لحماية حدوده.

غير أن وجود المنقّبين بالقرب من حدود دولية، أو حتى الادعاء بأنهم عبروها بصورة غير قانونية، لا يجعل منهم تلقائياً أهدافاً عسكرية مشروعة. فبموجب القانون الإنساني الدولي، حيثما ينطبق على العملية، تحكم مبادئُ التمييز والتناسب والاحتياطات أثناء الهجوم سيرَ الأعمال العدائية.

وبحسب أحد تجار الذهب والمنقّبين الذي تحدّث إلى «آفاز»، فإن المنقّبين السودانيين يعملون في المنطقة منذ سنوات طويلة، بينما تدفّق إليها آخرون خلال الحرب بحثاً عن العمل. وقال: «هؤلاء المنقّبون ليسوا مجرمين. إنهم يخاطرون بحياتهم كل يوم، إذ ينزلون عدة أمتار تحت الأرض بالحبال، دون أن يعرفوا إن كانوا سيعودون أحياء. إنهم يعملون بجهد كبير فقط ليكسبوا ما يكفي لإطعام أسرهم».

وأبدى العامل الصحي الذي تحدّثت إليه (عاين)، والذي يتولى علاج عدد من جرحى الغارة الجوية، مشاعر مماثلة، قائلاً: «في الحقيقة، ما حدث يمثّل مأساة إنسانية مؤلمة لكل صاحب ضمير حي. من الصعب تقبّل ما تعرّض له مواطنون سودانيون كانوا يعملون في مناطق التعدين بحثاً عن لقمة العيش […] لم يكونوا في وضع يجعل منهم أهدافاً عسكرية مشروعة لمجرد وجودهم في المنطقة».

مصادر مفتوحة وصور أقمار صناعية: فيصل الشيخ، توم بايك، علي ابراهيم

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *