سيراً على الأقدام.. كيف يهرب شباب كردفان من البطالة وأي مخاطر تواجههم؟

عاين– 22 أكتوبر 2026

“أجبرونا على خلع ملابسنا، ووضعوا السكين على رقابنا وهددونا بالذبح”. بهذه الكلمات يستعيد الربيع إبراهيم عبدالدين اللحظات التي أعقبت وصوله برفقة شابين آخرين إلى مدينة الأبيض بشمال كردفان، بعد رحلة شاقة قطعوا خلالها نحو 300 كيلومتر سيراً على الأقدام، هرباً من البطالة وملاحقة أمل الوصول إلى مكان يجدون فيه عملًا وحياة.

لم تكن الرحلة قد انتهت بوصولهم إلى المدينة التي قصدوها، بل واجهوا عند إحدى نقاط التفتيش اتهامات بالانتماء إلى قوات الدعم السريع، قبل أن يتعرضوا، للضرب والتهديد والتعذيب لنحو ثمان ساعات، ولم يُفرج عنهم إلا بعد أن اتصل الجنود بأحد أفراد الشرطة الذي يعرفهم وأكد هوياتهم وصلتهم بأسرهم. بحسب رواية الربيع لـ(عاين).

كان الربيع ورفيقاه قد غادروا منطقة ودمتقل التابعة لمحلية غبيش بولاية غرب كردفان، بعدما عجزوا عن تحمل تكلفة السفر إلى الأبيض عبر سيارات الأجرة. ويقول إن الأجرة بلغت مليوناً ومئتي ألف جنيه، دون احتساب مصروفات الطريق، وهو مبلغ يفوق قدرتهم المالية.

“قررنا السفر بأرجلنا، سلكنا طريق السيارات على أمل أن نجد صاحب سيارة يستحسن فينا ويأخذنا معه، لكن ذلك لم يحدث، حتى وصلنا إلى الأبيض بعد ثمانية أيام وقد تورمت أرجلنا من المشي وواجهنا الموت في الطريق”، يقول الربيع.

سيراً على الأقدام.. كيف يهرب شباب كردفان من البطالة وأي مخاطر تواجههم؟

وجهة معلنة وأخرى مخفية

استغرقت رحلة الربيع ورفيقيه ثمانية أيام، ووصلوا إلى الأبيض في الحادية عشرة من صباح اليوم التاسع. وخلال الطريق، كانوا يتنقلون من قرية إلى أخرى، وحين يستوقفهم أفراد قوات الدعم السريع عند نقاط التفتيش، يخبرونهم بأنهم يقصدون القرية التالية بحثاً عن العمل، لا مدينة الأبيض.

ويقول الربيع إنهم كانوا يخشون أن يؤدي الإفصاح عن وجهتهم الحقيقية إلى منعهم من مواصلة السير وإعادتهم من حيث أتوا. وهكذا واصلوا رحلتهم، متجنبين الكشف عن مقصدهم، في طريق لم يكن خالياً من المخاطر.

وفي الأسبوع الأخير من سبتمبر 2026، وصلوا إلى نواحي أم صميمة بالتزامن مع اندلاع معارك عنيفة بين الجيش وقوات الدعم السريع. ورغم سماعهم أصوات الرصاص من أمامهم ومن جانبي الطريق، وتحليق الطائرات المسيّرة فوقهم، إلا إنهم لم يتوقفوا عن السير.

وفي اليوم الثامن، اضطروا إلى قضاء الليل قرب قرية رفض سكانها استقبالهم في البداية، بعدما ساورهم الشك في أنهم ينتمون إلى قوات الدعم السريع. ولم يوافق السكان على بيعهم أي شيء إلا بعد أن أكدوا أنهم عابرو سبيل في طريقهم إلى الأبيض.

وبعد وصولهم إلى المدينة وما تعرضوا له عند نقطة التفتيش، غادر الربيع ورفيقاه لاحقًا عبر الحافلات السفرية إلى الخرطوم، ومنها إلى أبو حمد بولاية نهر النيل، حيث يعملون حالياً في التعدين التقليدي عن الذهب. وهكذا انتهت رحلة لم يكن الربيع ورفيقيه وحدهم من مشوها فهنالك العشرات تشاركوا ذات المصير.

مشى وحيداً بين القرى والغابات

على طريق آخر من محلية غبيش باتجاه الأبيض، كان آدم إبراهيم يسير وحيداً، يحمل كيساً بلاستيكياً فيه قطعتان من الملابس وبعض البلح والفول السوداني المعروف محلياً بالمدمس، وجركاناً صغيراً من الماء. لم يكن معه ما يكفيه لرحلة طويلة، لكنه غادر قريته “أم كدادة” قاصداً الأبيض، التي تبعد عنها نحو 300 كيلومتر.

كان آدم يسير وسط الغابات الموحشة ويعبر الطرقات التي خلت من المارة، على عكس زمان مضى حينما كانت ضاجة بالحركة والحياة، متنقلاً من قرية إلى أخرى، حيث يقدم له بعض أهاليها الطعام والشراب، كما روى لـ(عاين). يقول آدم إنه شاهد صقوراً تتجمع حول الحيوانات النافقة، خصوصاً الحمير التي تخلى عنها أصحابها بعد نزوحهم من قراهم بسبب الحرب، قبل أن تنفق بعدما فقدت الماء والمرعى. كما رأى أراضي زراعية أصبحت بوراً عقب هجر المزارعين لها.

نفد الماء الذي كان بحوزة آدم، ولم يجد سكاناً في القرى على الطريق حيث كان يتوقع ان يتزود منهم لمواصلة رحلته، وكان يمكن أن يكون مصيره مثل هذه الحيوانات النافقة وأن يكون غذاءً للصقور لولا أن الله قد أنزل الغيث وامتلأت الوديات بالماء فأصبح يشرب منها ويأكل مما لديه من بلح وفول، حتى وصل إلى النهود، كما يقول لـ(عاين).

سيراً على الأقدام.. كيف يهرب شباب كردفان من البطالة وأي مخاطر تواجههم؟

دخل آدم مدينة النهود عصراً، متوقعاً أن يجد فيها بعض الحركة، لكنه فوجئ بأنها مدينة اشباح. يقول “مررت بالسوق الكبير فوجدته خالياً من الناس، وبعض المتاجر مشرعة الأبواب لكنها خالية، ومن تبقى من السكان أنشأوا سوقًا جديداً يُعرف بسوق القرضاية، مررت به فوجدت بعض الحركة”.

لم يتوقف آدم في المدينة، ولم يتحدث مع أحد. ويقول إنه شاهد عناصر من قوات الدعم السريع في أماكن متفرقة على الطريق، لكنهم لم يستوقفوه، فواصل سيره شرقاً حتى وصل إلى قرية بياض قرب جبل حيدوب، حيث قضى ليلته بعدما أكرمه السكان بالطعام والشراب.

وفي صباح اليوم التالي، حمل كيسه ومضى متنقلاً بين القرى حتى وصل منطقة تسمى “خماس” في اليوم الخامس من رحلته، وهناك وجد عملاً في الزراعة استمر عشرين يوماً، جمع خلالها بعض المال أرسل جزءاً منه إلى أسرته. ثم استأنف رحلته من هناك برفقة ثلاثة آخرين إلى منطقة أم كريدم، قبل أن يجد سيارة أوصلته إلى الأبيض. في رحلة استغرقت نحو شهر ونصف الشهر، تنقل خلالها بين المشي والعمل في الزراعة ووسائل النقل التي أتيحت له.

من القرى إلى مناجم الذهب

لم تكن قصتا آدم والربيع حالتين منفردتين، بحسب إفادات جمعتها (عاين) من شباب يعملون حالياً في مناطق التعدين الأهلي بولايتَي نهر النيل والبحر الأحمر. وأكد خمسة شباب أنهم قدموا من مناطق تابعة لمحلية غبيش بولاية غرب كردفان، وساروا على الأقدام حتى الأبيض، التي يستخدمونها محطة عبور قبل مواصلة الرحلة بالحافلات إلى الخرطوم، ومنها إلى وجهات أخرى، مشيرين إلى أنهم على علم بأن العشرات من أقرانهم فعلوا ذات الأمر.

وتختلف تفاصيل رحلات هؤلاء الشباب لكن جميعها تنتهي عند البحث عن مصدر للدخل. سار آدم وحيداً، وسافر الربيع برفقة اثنين، وتحرك آخرون ضمن مجموعات. وفي نهاية المطاف، وصلوا إلى وجهاتهم في أمدرمان ومناطق التعدين الأهلي، حيث يعملون اليوم في استخراج الذهب.

ويقول أشخاص تحدثت إليهم (عاين) في دارفور وكردفان ومناطق التعدين شمال السودان إن مجموعات من الشباب لجأت إلى السفر مشياً على الأقدام بحثاً عن العمل وإعالة أسرها. وأكد سكان في قرى تقع غرب مدينة غبيش وعلى الطرق المتجهة شرقاً نحو الأبيض أنهم شاهدوا مجموعات من الشباب تسير على الأقدام في تلك المسارات.

يقول إبراهيم أبوقيد وهو شيخ قرية واقعة على طريق حيوي يربط بين مدينتي غبيش والنهود، لـ(عاين) إنه شاهد عشرات الشباب يعبرون قريته من الغرب إلى الشرق. وأضاف أنه سأل بعضهم عن وجهتهم فأجابوه بأنهم يقصدون مناطق التعدين التقليدي للعمل.

وقدر أبو قيد الشباب الذين شاهدهم يعبرون قريته راجلين خلال الشهر ما بين 70 إلى 80 شخصاً.

كما أفادت مصادر عدة بوصول عشرات الشباب إلى الأبيض مشياً على الأقدام، قبل أن يغادروا المدينة إلى وجهات مختلفة، كان أبرزها مناطق التعدين الأهلي في ولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر، وآخرين يعملون اليوم في مدينة امدرمان.

وتأتي هذه الرحلات في ظل تراجع مصادر الدخل في مناطقهم، بعدما فقدت أسر كثيرة سبل كسب العيش بسبب الحرب. وتقول مصادر تحدثت إلى (عاين) إن فشل الموسم الزراعي وانحسار المراعي زادا الأعباء على السكان، في وقت باتت فيه تكاليف التنقل مرتفعة إلى الحد الذي دفع هؤلاء الشباب إلى اختيار المشي بدلًا من دفع أجرة السفر.

سيراً على الأقدام.. كيف يهرب شباب كردفان من البطالة وأي مخاطر تواجههم؟

طريق لا يخلو من الخطر

إلى جانب المشقة الجسدية وارتفاع تكاليف النقل، يواجه المسافرون مخاطر أمنية على الطرق التي تعبر مناطق النزاع ومناطق سيطرة أطراف مختلفة. حيث يضطر الشباب إلى إخفاء وجهتهم عند نقاط تفتيش قوات الدعم السريع، قبل أن يتعرضوا للاحتجاز والتعذيب عند نقطة تفتيش للجيش في الأبيض، بعد اتهامهم بالانتماء إلى الطرف الآخر.

وفي تقرير عن الوضع الأمني في السودان، نُشر في يوليو 2026 وحُدّث في سبتمبر، قالت وزارة الداخلية البريطانية إن النقل البري لا يزال يواجه مشكلات خطيرة، خصوصاً في مناطق النزاع، وإن السفر عبر دارفور وكردفان والنيل الأزرق لا يُرجح أن يكون آمناً في ظل استمرار القتال. وأشار التقرير، إلى مخاطر العنف والنهب ونقاط التفتيش والألغام، وإلى احتمال تعرض أشخاص يعبرون بين مناطق تسيطر عليها أطراف مختلفة للتوقيف أو سوء المعاملة أو اتهامهم بمساندة الطرف المقابل.

كما أشارت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في إحاطة نشرتها في 14 نوفمبر 2025، إلى أن نحو ألفي شخص وصلوا إلى الدبة بالولاية الشمالية بعد فرارهم من دارفور وكردفان، وأن بعضهم قطعوا أكثر من ألف كيلومتر في رحلات استغرقت أحياناً ما يصل إلى 15 يومًا. وقالت المفوضية إن بعض الفارين سلكوا طرقاً أطول لتجنب نقاط التفتيش المسلحة، بينما واجهوا ارتفاعاً كبيراً في تكاليف النقل ومخاطر النهب وانتهاكات أخرى خلال الرحلة.

بعد تراجع سبل العيش وارتفاع كلفة التنقل والمخاطر الأمنية، يخاطر شباب من دارفور وكردفان بتكبد مشاق السفر سيراً على الأقدام، هرباً من البطالة ورغبة في انقاذ عائلات يهددها الجوع في مناطق تقطعت عنها طرق التجارة والامداد.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *