كيف تدمر المسيرات شرايين الحياة في السودان؟
عاين- 5 نوفمبر 2026
كان أكتوبر 2026 عصيباً على السودانيين جراء تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة والغارات الجوية، خصوصاً خلال أيامه العشرة الأخيرة منه، حيث طالت ما لا يقل عن 28 موقعاً مدنياً في مناطق مختلفة، بينها 14 محطة كهرباء وأسواقاً ومراكز لإيواء النازحين ومرافق صحية ومنشآت إغاثية وأحياء سكنية ومواقع تعدين، مخلفة قتلى وجرحى ودماراً واسعاً، فضلاً عن تعطيل خدمات حيوية وإغراق مناطق واسعة من البلاد في ظلام دامس.
وبحسب رصد (عاين) لهجمات المسيرات خلال شهر أكتوبر، تركزت الضربات على الأسواق التجارية في دارفور وكردفان، مقابل استهداف محطات الطاقة ومخازن الوقود والتحويل الكهربائي في نطاق جغرافي امتد من النيل الأبيض والجزيرة والقضارف إلى أم درمان ونهر النيل الشمالية وكسلا، فضلاً عن استهداف محطة ضخ نفط في مدينة هيا بالبحر الأحمر. وقد تسببت الهجمات في خروج المحطات المستهدفة عن الخدمة وانقطاع التيار الكهربائي عن مناطق عدة.
وقالت شركة كهرباء السودان القابضة، في بيان، إن مسيرات تتبع لقوات الدعم السريع استهدفت في السادس والعشرين من أكتوبر محطات سنجة والحواتة والفاو ومشكور، إضافة إلى محطة الجنيد بولاية الجزيرة. بينما تواصلت الضربات في الأيام التالية لتشمل محطات المناقل والمرخيات وأم دباكر وشندي وأبو حمد والدبة ومروي، بجانب حلفا الجديدة وأروما بولاية كسلا.
وبحسب شركة الكهرباء والسلطات المعنية في كل ولاية، فقد ألحقت الهجمات أضراراً بالغة بمكونات المحطات المستهدفة، وتسببت في إظلام الشبكة الجنوبية الشرقية وانقطاع الخدمة عن ولايات سنار والقضارف والنيل الأبيض والجزيرة الخرطوم ونهر النيل وكسلا وأجزاء من الشمالية.
ولم تقتصر آثار الهجمات على مرافق الطاقة، بل انعكست على الحياة اليومية للمواطنين، خصوصاً في العاصمة الخرطوم، حيث شهدت حركة النقل اضطراباً وأزمة في الوقود، واصطف المواطنون في طوابير طويلة انتظاراً لوسائل المواصلات، بينما تكررت المشاهد ذاتها أمام المخابز ومرافق الخدمات الأساسية، وفق مصادر محلية تحدثت لـ(عاين).

خسائر مادية فادحة
يقول الخبير الاقتصادي حسام الدين إسماعيل إن الخسائر المادية والاقتصادية الناجمة عن قصف محطات الكهرباء التحويلية كبيرة، موضحاً أن المحطة الواحدة تضم نحو 7 محولات، لا يقل سعر المحول الواحد منها عن 250 ألف دولار.
تتراوح خسائر محطات الكهرباء التي تم قصفها ما بين 4 إلى 5 مليون دولار تقريباً، شاملة التكاليف اللوجستية، ومصاريف الطلب، والانتظار، والتركيب.
خبير اقتصادي
وأشار، في مقابلة مع (عاين)، إلى أن الخسائر لا تقتصر على تكلفة المحولات، بل تمتد إلى الوقت اللازم لتصنيعها، الذي يتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر، إضافة إلى شهر كامل للشحن. وأضاف: “تتراوح الخسائر الإجمالية لعدد المحطات التي تم قصفها حتى الآن تقريباً ما بين 4 إلى 5 مليون دولار تقريباً، وهي شاملة التكاليف اللوجستية، ومصاريف الطلب، والانتظار، والتركيب”.
وأشار إسماعيل، إلى أن الخسائر تمتد أيضاً لتشمل تراجع إيرادات شركة الكهرباء نتيجة انقطاع التيار عن المناطق التي تغطيها وتقليص ساعات الإمداد في مناطق أخرى، فضلاً عن تأثر القطاع الخاص التجاري والصناعي، وارتفاع تكاليف معيشة المواطنين نتيجة زيادة الاعتماد على الغاز والفحم.
الأسواق في مرمى القصف
لم يقتصر قصف الطائرات المسيّرة على محطات الكهرباء ومنشآت الطاقة، وإنما طال أسواقاً تجارية حيوية في دارفور وكردفان وأبيي، وهي أسواق يعتمد عليها السكان والتجار في توفير السلع الغذائية والاستهلاكية والوقود، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى واحتراق منشآت تجارية وتعطيل حركة الإمداد.

وفي 19 أكتوبر، تعرض سوق النعام، المعروف أيضاً بسوق أميت في منطقة أبيي الحدودية مع جنوب السودان، لهجوم بطائرة مسيّرة منسوبة إلى الجيش السوداني، أسفر عن مقتل أكثر من 80 شخصاً، وأدى إلى احتراق السوق بالكامل وتوقف نشاطه التجاري.
وقال أحد التجار في السوق، في مقابلة مع (عاين)، إنه كان حاضراً أثناء الهجوم، وإن الطائرة قصفت سوق الوقود بثماني قذائف، ما أدى إلى اندلاع حريق واسع ومقتل عشرات الأشخاص، بينهم ثلاثة تجار صوماليين يعملون في تجارة الوقود. وأضاف: أن “الحريق تسبب في فقدان ما لا يقل عن ثلاثة آلاف برميل من الوقود، إلى جانب نحو عشرين ناقلة كانت جاهزة للتحرك نحو مناطق في كردفان ودارفور”، وأشار إلى البرميل يباع في السوق بواقع 500 دولار.
وأشار التاجر ، إلى أن السوق لم يستأنف نشاطه حتى نهاية أكتوبر بسبب حجم الدمار والخسائر، وأظهرت مقاطع فيديو متداولة عقب الهجوم احتراق معظم المتاجر وتحول أجزاء واسعة من السوق إلى ساحة خالية من آثار الحريق.
وأدى توقف الإمدادات القادمة من سوق النعام إلى أزمة في الوقود بمناطق دارفور وكردفان. وقال سكان في محليات النهود وغبيش وشرق دارفور لـ(عاين): إن “أسعار الوقود ارتفعت بصورة كبيرة بعد انقطاع الوارد من السوق، إذ تجاوز سعر البرميل خمسة ملايين جنيه، بعد أن كان في حدود ثلاثة ملايين. كما انعكس ارتفاع الأسعار على تعرفة السفر والتنقل، إلى جانب تكلفة الحصول على المياه في المناطق التي تعتمد محطاتها على العمل بالوقود”.
ولم يتوقف القصف المنسوب إلى الجيش عند سوق النعام، إذ طالت الهجمات خلال الأيام العشرة الأخيرة من أكتوبر أسواقاً في الدبب ونيالا والفاشر وأبو جابرة والضعين. وقد أسفر الهجوم على سوق الدبب وحده عن مقتل أكثر من 80 شخصاً، بينما خلف قصف سوق تنقونج بمدينة نيالا في 26 أكتوبر، 36 قتيلاً وأكثر من 150 جريحاً وفق منظمة أطباء بلا حدود. وجاء ذلك امتداداً لهجوم سابق استهدف سوق المواشي في ذات المدينة في 16 أكتوبر، مخلفاً خسائر بشرية ومادية، وفق منظمات حقوقية.
وفي غرب كردفان، استهدفت غارة بطائرة مسيّرة سوق المجلد في 17 أكتوبر، وأسفرت عن سقوط عشرات الضحايا، بينهم أطفال، بحسب توثيق محامو الطوارئ. وفي 22 أكتوبر، امتدت الهجمات إلى شرق دارفور، حيث استهدفت سوق مدينة أبو جابرة وناقلة للنفط الخام، إلى جانب سوق نيالا بحي العرب في مدينة الضعين، وفق رصد (عاين).
قصف مواقع الإيواء والتعدين
ولم تقتصر الهجمات الجوية على محطات الكهرباء والأسواق، بل امتدت إلى مواقع إيواء النازحين ومرافق الإغاثة والخدمات الصحية. ففي مطلع أكتوبر، استهدفت طائرة مسيّرة انتحارية مركز إيواء الميناء البري للنازحين بمدينة الأبيض، ما أسفر عن مقتل طفل وإصابة 12 آخرين، وفق بيان لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف). وفي المدينة نفسها، تعرضت داخلية طلاب جامعة كردفان لهجوم مماثل، أودى بحياة خمسة مدنيين وأصاب 47 آخرين، بحسب شبكة أطباء السودان.
وفي الثالث من أكتوبر، تعرضت شاحنتان تابعتان لبرنامج الأغذية العالمي لهجوم جوي على طريق الدلنج – كادوقلي، ما أدى إلى مقتل أحد العاملين في المجال الإنساني، وفق بيان للبرنامج. وفي الحادي عشر من الشهر، خرج مستشفى أم درفة بمحلية ود الماحي عن الخدمة كلياً، إثر تعرضه لضربة بطائرة مسيّرة أصابت عدداً من كوادره الطبية بجروح بالغة، بحسب شبكة أطباء السودان.
وامتدت الهجمات الجوية إلى الأحياء السكنية، ففي منتصف أكتوبر، أسفر قصف بطائرة من طراز أنتونوف على منطقة حمرة الشيخ بولاية شمال كردفان عن مقتل خمسة أطفال من أسرة واحدة وتدمير منازلهم، بحسب محامو الطوارئ.
وفي مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، أدى قصف استهدف أحياء سكنية إلى مقتل أربعة أشخاص، كما تعرضت منازل مدنيين في مدينة الدمازين بولاية النيل الأزرق للقصف، بحسب منصات محلية. وشملت الهجمات مناطق أخرى، بينها بير سليبة بغرب دارفور، حيث قُتل سبعة أشخاص، إلى جانب الدبيبات بغرب كردفان والرهد ومليط.
ولم تسلم مواقع التعدين الأهلي من الهجمات، إذ تعرضت مجمعات طواحين الذهب في باجون بولاية جنوب كردفان للقصف، وكذلك منجم التقولة بمدينة تلودي، ومنجم أغبش بمنطقة سنغو. وفي التاسع عشر من أكتوبر، تعرض سجن الجلابي بمدينة الضعين لغارة جوية أدت إلى تهدم أجزاء من أسواره وهروب جماعي للنزلاء، وفق مقاطع فيديو متداولة، فيما تعرض محيط مطار الجنينة بغرب دارفور لهجوم جوي.

كُلفة المسيّرات ومصادر التسليح
وبشأن الكلفة المالية للطائرات المسيّرة ومصادر حصول طرفي الحرب عليها، يقول الخبير الاقتصادي حسام الدين إسماعيل لـ(عاين): إن “هذه الأسلحة غير المتكافئة تستخدمها الجيوش الأضعف لإحداث خسائر كبيرة بأقل تكلفة ممكنة”.
المسيرات الانقضاضية من الأسلحة غير المتكافئة مخفضة التكلفة، وتستخدمها الجيوش الأضعف لإحداث خسائر كبيرة بأقل تكلفة ممكنة.
خبير اقتصادي
وأوضح، أن الأسلحة غير المتكافئة تشمل المسيّرات الانقضاضية والاستراتيجية الصينية، مثل طائرات «FH» التي تتميز بانخفاض تكلفتها نسبياً، مشيراً إلى استخدامها على نطاق واسع في الحروب والنزاعات الحديثة، ومنها الحرب الأوكرانية والسودانية.

































