الخسائر المالية وارتفاع تكلفة التشغيل تهز قطاع النقل في السودان

عاين- 30 مايو 2026

تكشف الرسوم الجمركية الباهظة التي وضعت أمام إحدى شركات النقل البري مؤخراً، وبلغت نحو 34 ألف دولار أميركي لمجرد اكمال اجراءات تخليص حافلتين فقط من السلطات الجمركية في بورتسودان عن مدى تفاقم الوضع داخل شركات النقل البري في السودان.

قطاع النقل كان يحتضن نحو 150 شركة نقل بري تعمل في حركة السفر بين الولايات السودانية، وما لا يقل عن 15 ألف حافلة على مستوى العاصمة الخرطوم، يمكن القول إنه اليوم يواجه تحديات هائلة وغير مسبوقة، تتمثل في خروج نحو 12 شركة نهائياً من الخدمة، وتجميد نشاط 10 شركات أخرى كانت تدير أصولاً سوقية تُقدّر قيمتها بـ 5 مليون دولار أميركي وفقاً لإفادات متعاملين في القطاع لـ(عاين).

حينما اندلعت الحرب في منتصف العام 2023، كانت تكلفة تذكرة السفر من بورتسودان إلى الخرطوم تبلغ 50 ألف جنيه سوداني، بينما ارتفعت اليوم إلى مستويات قياسية، وتباع بقيمة 250 ألف جنيه، لتتضاعف خمس مرات خلال ثلاثة أعوام بنسبة زيادة بلغت 100% في مؤشراتها التصاعدية المتتالية.

الصيانة والجمارك وأسعار الوقود

يقول  المستثمر في قطاع النقل بالسودان، محمد عوض الذي يتخذ من مدينة عطبرة بولاية نهر النيل مقراً لمكتبه: “كنا نشتري قطع غيار الحافلات على سبيل المثال، قطعة صغيرة من مضخات الزيت، بسعر 15 آلاف جنيه قبل ثلاثة أعوام، واليوم ارتفعت إلى 250 ألف جنيه سوداني، وهذا يعني أن سعر المركبة نفسها تضاعف ثلاث مرات”.

ويعزو عوض تدهور قطاع النقل إلى الارتفاع الجنوني في رسوم الجمارك، حيث أحجمت الشركات الخاصة العملاقة التي عُرفت في هذا القطاع باستجلاب أساطيل حديثة بشكل سنوي عن الاستيراد، لأنها باتت مجبرة على دفع سعر الحافلة (البص) مرتين لصالح سلطات الجمارك السودانية.

ويضيف عوض في مقابلة مع (عاين): “إذا كان سعر الحافلة حتى وصولها إلى موانئ بورتسودان أو الدخول عبر الطريق البري من مصر حوالي 80 ألف دولار، فإن السلطات السودانية تتحصل على نحو 40 ألف دولار كرسوم جمركية وضريبية”.

أما أسعار الوقود، وخاصة “الديزل” الذي يمثل المحرك الأول لقطاع النقل في السودان، فقد ارتفعت إلى 50 ألف جنيه للجالون الواحد خلال نهاية مايو الجاري، وهو ما يعادل 7 دولارات أميركية، صعوداً من 4 دولارات أميركية حتى شهر مارس الماضي، و3 دولارات ونصف الدولار حتى نهاية فبراير من نفس العام.

هذه القفزة الكبيرة في أسعار الوقود جعلت الشركات تحجم عن إرسال الحافلات إلى الطرقات دون ضمان رفع قيمة التذاكر، حيث ارتفعت تذكرة الراكب في الرحلة البرية من بورتسودان إلى ولاية النيل الأبيض إلى نحو 400 ألف جنيه (ما يعادل 120 دولاراً أميركياً)، في حين كانت التذكرة تباع في حدود 180 ألف جنيه حتى فبراير الماضي.

اتساع فجوة العرض والطلب

يقول العامل في شركة نقل محلية بأم درمان، محمد عوض لـ(عاين): إن “ارتفاع تكلفة تشغيل الحافلات في السودان أجبر بعض الشركات على تخفيض أسطولها من 10 بصات إلى 3 بصات فقط، فهي تفضل إدارة أصول منخفضة تجنباً لتكلفة التشغيل الباهظة، لجهة أن هناك فجوة عميقة بين الطلب والعرض في سوق النقل البري؛ فإذا كان القطاع يستحوذ على نقل 15 مليون شخص سنوياً قبل ثلاثة أعوام، فإنه حالياً ينقل 18 مليون شخص، والزيادة تعود أساساً إلى موجات النزوح المستمرة والتنقل الاضطراري من مدينة إلى أخرى؛ بسبب الوضع الأمني والنزاع المسلح”.

مسافرون سودانيون من مدينة الأبيض على “درب الأربعين”- أرشيف

وتابع قائلاً: “زادت الضرائب الحكومية بنسبة 500% على شركات النقل عما كانت عليه قبل عامين فقط، لأن الرسوم تزداد طردياً كلما تدهور سعر صرف الجنيه السوداني”.

ويتحدث خليل عن خروج 45 مستثمراً من قطاع النقل خلال خمسة أعوام من السوق المحلي في السودان؛ بسبب تكاليف التشغيل المرتفعة، والرسوم الحكومية المتمثلة في جمارك المركبات، وضعف القدرة التنافسية.

الأزمة المركبة

تضرر قطاع النقل البري في السودان بشدة جراء الحرب والأزمة الاقتصادية المركبة، وتدهور سعر صرف الجنيه الذي خسر نحو 400% من قيمته، كما فرضت الحكومة المرتبطة بالجيش السوداني ضرائب باهظة على استيراد المركبات الكبيرة التي تشمل الحافلات الصغيرة والبصات ذات سعة (50 راكباً).

وتقول المستشارة المالية رحاب عبد المنعم، التي تتخذ من بورتسودان مقراً لمكتبها الذي يتعامل مع شركات النقل: “تظهر بيانات النقل مؤخراً حالة من الركود في حركة السفر، مقارنة مع ارتفاع تكلفة تشغيل شركة لديها نحو 20 حافلة كبيرة (بص سفري)، والتي تحتاج لشراء وقود الديزل فقط إلى 30 ألف دولار أميركي شهرياً، مقارنة بـ 22 ألف دولار في دول الجوار”.

وترى المستشارة المالية رحاب عبد المنعم في مقابلة مع (عاين)، أن ارتفاع تكلفة التشغيل يعد واحداً من أكبر التحديات التي تواجه شركات النقل، مشيرة إلى أن اعتماد المسافرين على الطيران الداخلي ظل محدوداً أيضاً لارتفاع قيمة التذاكر إلى ما فوق 900 ألف جنيه سوداني (ما يعادل 200 دولار أميركي) للرحلات القصيرة، و1.200 مليون جنيه للرحلات الطويلة داخلياً بين مطارات بورتسودان ودنقلا والخرطوم.

وتشير كذلك إلى أن المنافسة في أسواق النقل البري غير مشجعة؛ لأن شبكة الطرق تدهورت بشكل مريع، كما خرج إقليمان شاسعان وهما دارفور وكردفان من دائرة الشركات العاملة، وخسرت نحو 60 شركة نشاطها في هاتين المنطقتين في حوالي 25 مدينة غربي البلاد؛ بسبب الحرب والأوضاع الأمنية المتردية.

عزلة القرى عن الأسواق

من جانبه، يقول الخبير في قطاع النقل، عمر أبشر لـ(عاين): إن “الأزمة الاقتصادية تؤثر بشدة على حركة المواصلات داخل المدن؛ فمثلاً في حوالي ثلاث مدن رئيسية هي بورتسودان وعطبرة والخرطوم، والتي تعتمد على الحافلات سعة (24 راكباً)، يواجه السائقون مشكلة حقيقية في تأمين وقود الجازولين يومياً بسبب الأسعار الباهظة”.

حوالي 8 ملايين شخص تضرروا من ارتفاع أسعار المواصلات بنسبة 400% خلال الشهرين الأخيرين، ومنعت الأزمة وصول 7 ملايين شخص من القرى إلى الأسواق الرئيسية

خبير في قطاع النقل

 ويؤكد أبشر أن حوالي 8 ملايين شخص تضرروا من ارتفاع أسعار المواصلات بنسبة 400% خلال الشهرين الأخيرين، كما حجبت الأزمة وصول 7 ملايين شخص من القرى المجاورة إلى الأسواق الرئيسية شرق ووسط وشمال وجنوبي البلاد.

وأردف أبشر قائلاً: “في مدينة مثل كسلا شرقي البلاد، يعتمد المواطنون على الأسواق الرئيسية، ويتحركون من القرى البعيدة بتكلفة لا تقل عن 7 آلاف جنيه يومياً (ما يعادل 1.80 دولاراً)، وهذه الأسعار المرتفعة تحرم الملايين من الوصول إلى الأسواق والخدمات الأساسية مثل المستشفيات والمدارس والجامعات”.

ويشير أبشر، إلى أن الحكومة تركت قطاع النقل تحت رحمة السوق الموازي الذي يؤثر مباشرة على أسعار الوقود، وبالتالي تقع الأعباء بشكل كامل على كاهل المواطنين المعتمدين على قطاع النقل العام، والذين يدفعون التكاليف الإضافية عوضاً عن تدخل السلطات وإعادة النظر في دعم السلع الحيوية مثل الجازولين في هذا الوقت الحرج.

السودان: إرتفاع في أسعار تذاكر البصات السفرية بعد إضراب للسائقين
حافلات سفرية في ميناء الخرطوم البري- ارشيف

وأضاف: “استورد السودان وقود الديزل بقيمة 1.2 مليار دولار العام الماضي، وهذا العام قد ترتفع الفاتورة إلى 1.900 مليار دولار بسبب أسعار النفط عالمياً وتأثيرات اضطرابات الشرق الأوسط ومضيق هرمز، وهذا يعني أن قطاع النقل هو حائط الصد الأول، وسيتحمل المواطنون العبء الأكبر”.

ويعتقد الخبير في قطاع النقل عمر أبشر، أن الحلول الجذرية تكمن في إعادة تشغيل القطارات بين الولايات والعاصمة السودانية، موضحاً أن هيئة السكك الحديدية بإمكانها إعادة نحو 3 قطارات إلى الخدمة فوراً إذا حصلت على التمويل اللازم من وزارة المالية، كما يمكن الاتفاق مع الصين على تشغيل قطارات بنظام البناء والتشغيل والتحويل “البوت”.

الموقف الحكومي

في المقابل، يدافع مصدر حكومي من وزارة النقل السودانية عن الخطط الحكومية الرامية لتأهيل قطاع النقل البري، مشيراً إلى أن الحرب دمرت البنية التحتية بشكل واسع، وتعرّضت نحو 120 شركة إلى نهب كامل في أصولها ومقارها بالعاصمة والولايات المتضررة بالنزاع المسلح.

خسائر قطاع النقل الإجمالية خلال الحرب تُقدر بنحو 2 مليار دولار، وواجهت قرابة 50 شركة خطر الإغلاق التام وتصفية العاملين، قبل أن تستعيد 50% منها توازنها خلال العام الماضي

مصدر حكومي

وقال المصدر الحكومي لـ(عاين) مشترطاً عدم الإفصاح عن اسمه، إن الوزارة تدخلت في أزمة الوقود للسيطرة على أسعار المحروقات في حدود تسمح للحافلات والأفراد والشركات بالحصول عليها بشكل مرن.

وأوضح المصدر الحكومي، أن خسائر قطاع النقل الإجمالية خلال الحرب تُقدر بنحو 2 مليار دولار، وواجهت قرابة 50 شركة خطر الإغلاق التام وتصفية العاملين، قبل أن تستعيد 50% منها توازنها خلال العام الماضي؛ بسبب اتساع رقعة المناطق الآمنة وسط وشمال وشرق وجنوب البلاد.

وختم المصدر إفادته بالتأكيد على أن وزارة النقل السودانية تدير حالياً محادثات مكثفة مع جهات حكومية لخفض التعرفة الجمركية للحافلات والبصات لتحسين بيئة هذا القطاع ومساعدته على النهوض مجدداً، لافتاً إلى أن حوالي 65 شركة تعمل حالياً بصورة جيدة وتدير تشغيل أسطولها بشكل أفضل بكثير مما كان عليه الوضع في العام الماضي.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *