البضائع من تشاد لدارفور.. الجبايات تفرض فاتورة قاسية على المواطنين

عاين- 20 يوليو 2026

تبدأ رحلة البضائع من أسواق العاصمة التشادية أنجمينا نحو دارفور محملةً بآمال التجار في إنعاش الأسواق، لكنها سرعان ما تصطدم بواقع مرير تصنعه نقاط التفتيش والارتكازات الممتدة على طول الحدود. وبين سبع نقاط تفتيش داخل الأراضي التشادية، تفرض كل منها جباية غير رسمية تقارب 7 آلاف جنيه سوداني، بالإضافة إلى الرسوم الحكومية، ونقاط تفتيش سودانية متعددة تفرض مبالغ تتراوح بين ألفين و5 آلاف جنيه لكل نقطة عبور، مضافاً إليها رسوم “حكومة تأسيس”؛ يجد التجار انفسهم مجبراً على دفع مبالغ طائلة لتأمين رحلته.

هذه التكلفة الباهظة للعبور لا تتبدد في الهواء، بل تُضاف مباشرة إلى الفاتورة النهائية للسلع الاستهلاكية، ليتحمل المواطن البسيط في غرب السودان العبء الأكبر من هذا الغلاء المفتعل الذي يهدد أمنه الغذائي اليومي.

تبدأ فصول الحكاية عندما يرافق آدم صاحبَ الشاحنة متوجهين إلى مدينة الجنينة. هناك، يتوقف السائق مؤقتاً، بينما يتابع آدم طريقه نحو تشاد ليتنقل بين أسواقها جامعاً ما يحتاجه من بضائع وسلع. بعد رحلة التسوق، يعود التاجر بأحماله إلى مدينة أدري التشادية الحدودية، وهنا تبدأ المرحلة الأكثر تعقيداً؛ حيث تُفرغ البضائع، وتُنقل على متن عربات “الكارو” البدائية لتجتاز خط الحدود، وصولاً إلى المقلب الآخر حيث تنتظره الشاحنة السودانية لإعادة شحنها من جديد.

السلطات التشادية تفرض رسوم في نقاط تفتيش وفي الطريق إلى مدن دارفور هناك 7 إلى 10 نقاط تحصيل غير رسمية تتمركز فيها قوات تابعة لحكومة تحالف تأسيس

صاحب شاحنة نقل

وفي طريقه من “أدري” إلى الحدود السودانية، تفرض السلطات التشادية رسماً يبلغ 38 ألف جنيه سوداني عن كل عربة “كارو”. لكن هذه الرسوم ليست سوى عتبة البداية؛ فبمجرد تحرك الشاحنة، يجد السائق نفسه في مواجهة سبع نقاط تفتيش غير رسمية تديرها قوات عسكرية تشادية. في كل نقطة، يُجبر آدم وفقا لما يرويه لـ(عاين)، على دفع مبالغ نقدية تتراوح بين 6 إلى 7 آلاف جنيه سوداني للمرور، دون أن يتلقى في مقابلها أي سند استلام أو إيصال رسمي، لتضيع هذه الأموال في جيوب العسكريين قبل أن تصل الشاحنة إلى الحدود السودانية.

فخ الارتكازات وسلطة الأمر الواقع

ما إن تعبر الشاحنة الحدود، وتطأ إطاراتها الأراضي السودانية، حتى يتنفس آدم الصعداء ظناً منه أن الأسوأ قد مضى، ليفاجأ بواقع أكثر قسوة. هنا، تفرض سلطات الأمر الواقع المتمثلة في حكومة “تحالف تأسيس” رسوم تحصيل رسمية باهظة تبلغ 380 ألف جنيه سوداني عن كل شحنة. ومع ذلك، فإن هذه الرسوم المليونية لا تحمي الشاحنة من مقصلة “البوابات العشوائية” المنتشرة بين المدن.

يقول أحد سائقي الشاحنات في غرب السودان لـ(عاين): أن “الطريق بين المدن يضم ما بين 7 إلى 10 نقاط تحصيل غير رسمية تتمركز فيها قوات تابعة لحكومة تحالف تأسيس”. ويضيف السائق: أن “التعامل مع هذه النقاط بات جزءاً من مهارات القيادة”، حيث يعتمد المبلغ المفروض على قدرة السائق على التفاوض، ويتراوح عادة بين ألفين و5 آلاف جنيه سوداني في المرة الواحدة. أما إذا كان العنصر العسكري في النقطة لا يعرف السائق، أو تغيب بينهما صلات المعرفة، فإن المبلغ يقفز فوراً إلى 10 آلاف جنيه، يضطر السائق لدفعها فوراً نقداً لتجنب احتجاز الشاحنة وتلف البضائع تحت الهجير، ليقوم لاحقاً بتحميل كل هذه المبالغ على الفاتورة النهائية للتاجر.

السوق لا يمكن مراقبته من قِبل حكومة تأسيس بأي شكل كان؛ لأن الأوضاع غير منضبطة

موظفي حكومي بدارفور

وقد وصل هذا التعايش القسري مع الجباية إلى حد بناء علاقات شخصية غريبة، حيث يطلب أفراد تلك النقاط من السائقين في كثير من الأحيان جلب أغراض شخصية لهم أو توصيل أمانات، في تكريس واضح لسلطة الأمر الواقع التي حلت محل القانون. وتتحجج القوات القائمة على هذه الارتكازات بذرائع واهية لتبرير هذا الابتزاز، تتأرجح بين “تأمين الطريق ضد قطاع الطرق” و”رسوم حماية وتسيير القوات”، وهي حجج يعلم السائقون والتجار زيفها، لكنهم يبتلعون غصتهم ويمضون لضمان استمرار عملهم.

غياب الرقابة وتحالف “صلات الدم

في عمق المدن، يبدو المشهد داخل الأسواق أكثر فوضوية. ويقر موظف حكومي بدارفور -فضل حجب اسمه- بعجز السلطات. ويقول في مقابلة مع (عاين): “إن السوق لا يمكن مراقبته من قِبل حكومة تأسيس بأي شكل كان؛ لأن الأوضاع غير منضبطة”. وأوضح الموظف أن العلاقة طردية ومباشرة؛ فكلما زادت الإتاوات عند بوابات التفتيش، اشتعلت الأسعار في الأسواق.

عملية تفريغ محصولات زراعية من شاحنة بإقليم دارفور

لكن الأزمة لا تتوقف عند حدود تغطية تكاليف الطريق؛ إذ يكشف الموظف الحكومي، عن وجه آخر للفساد الاقتصادي، مشيراً إلى أن بعض التجار يضاعفون أسعار السلع بشكل مبالغ فيه يفوق بكثير السعر الأصلي وتكلفة الجبايات، مدفوعين بأهوائهم الشخصية وجشعهم، مستظلين بحماية قوية توفرها لهم قوات عسكرية تربطهم بها صلة قرابة أو دم. وينطبق الأمر نفسه على السائقين الذين تحميهم صلات الرحم مع عناصر الارتكازات، مما يجعل محاسبتهم أو رقابتهم من قِبل المحليات أمراً شبه مستحيل، ليصبح السلاح والقرابة العشائرية هما الغطاء الوحيد للاحتكار والنهب المقنن.

فاتورة قاسية على طاولة المواطن

هذه الدائرة المغلقة من الجبايات والإتاوات العشوائية، والتي تفتقر إلى أي غطاء تشريعي أو تفويض مالي من وزارة المالية، تترجم فورياً كزيادات قاسية تلتهم القوة الشرائية للمواطنين. ويعطي التاجر آدم أبكر في مقابلة مع (عاين)، مثالاً صادماً بسعر جوال السكر؛ إذ يشتريه من “أدري” بسعر يتراوح بين 230 و240 ألف جنيه، لكنه بمجرد أن يتجاوز عقبات الارتكازات، ويصل إلى “زالنجي”، يُباع فوراً بمبلغ يتراوح بين 295 و300 ألف جنيه سوداني. وفي غمرة هذا الارتفاع الجنوني، لا يتعدى ربح التاجر الحقيقي 8 آلاف جنيه فقط في الجوال، بينما تذهب أكثر من 50 ألف جنيه من قيمة الجوال كإتاوات عشوائية ضائعة في جيوب المسلحين على الطريق.

استمرار التحصيل العشوائي وغياب السندات الرسمية يخلق اليوم فجوة اقتصادية مظلمة، ويهدر الموارد الحيوية، ويفتح الباب على مصراعيه لتهريب السلع الاستراتيجية

باحثة اقتصادية

وفي تحليلها لهذا الواقع المأزوم، تشير الباحثة في المجال الاقتصادي، إسراء بابكر، في حديثها لـ(عاين)، إلى الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية لمعبري “الطينة” و”أدري”. وتوضح، أن هذه المنطقة الحدودية المشتركة بين شمال دارفور وولاية وادي فيرا التشادية تفصل بينهما وديان موسمية تشكل عصب تجارة الماشية والإبل. ورغم أن اتفاقية تنظيم تجارة الحدود الرسمية حددت سابقاً قيمة التداول بـ 800 ألف دولار، إلا أن حجم التبادل الفعلي يتجاوز ذلك بمراحل، وكان يعتمد تاريخياً على الاقتصاد غير الرسمي والتهريب.

وتحذر إسراء، من أن استمرار التحصيل العشوائي وغياب السندات الرسمية يخلق اليوم فجوة اقتصادية مظلمة، ويهدر الموارد الحيوية، ويفتح الباب على مصراعيه لتهريب السلع الاستراتيجية، فضلاً عن ازدهار أنشطة الاتجار بالبشر الكارثية في هذه المناطق الرخوة أمنياً.

الخروج من النفق المظلم

من جانبه، يضع المحلل الاقتصادي، محمد زين، المعضلة في إطارها العلمي خلال مقابلته مع (عاين)، مؤكداً أن الجبايات الخارجة عن الربط الضريبي والبعيدة عن “الضريبة المثلى” تعمل كمعول هدم للاقتصاد الكلي. ويشرح زين، أن هناك علاقة عكسية حتمية؛ فكلما ارتفعت هذه الضرائب غير القانونية، انخفض الدخل الإجمالي وتقلص الناتج المحلي الإجمالي. كما أن هذه الإتاوات ترفع المستوى العام للأسعار (التضخم)، مما يؤدي قسراً إلى تقليل الطلب على السلع، وينحدر بالاستهلاك إلى مستويات متدنية، وهو ما يقود في النهاية إلى انهيار الإنتاج والاستثمار. ويرى زين، أن هذه الأموال لو دخلت الخزينة العامة للدولة ساهمت في تمويل النفقات والخدمات، لكنها بتحولها إلى جيوب الأفراد تتحول إلى أداة خنق للاقتصاد.

معبر ادري الحدودي مع تشاد- مصدر الصورة: وكالات

وللخروج من هذا النفق المظلم، يطرح الخبراء حزمة من السياسات والحلول العاجلة التي يجب على غرف التجارة والسلطات المحلية تفعيلها. وتشدد الباحثة إسراء بابكر على حتمية تقنين حركة التجارة عبر العودة الصارمة لاستخدام الأورنيك الإلكتروني وتفعيل نظام التحصيل الإلكتروني الشفاف، ليكون التحصيل مكشوفاً وموجهاً حصراً لتقديم خدمات حقيقية وتأمين البضائع، مع ضرورة خلق تنسيق فعال بين السلطات المحلية على جانبي الحدود لاستغلال عوائد هذا الشريان في إنعاش تجارة الصمغ العربي والمحاصيل والماشية التي تميز المنطقة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *