عطش وسوء إدارة: كسّاب.. مشروع زراعي عملاق يتهاوى

عاين- 16 أغسطس 2026
يواجه الموسم الزراعي الحالي في ولاية سنار مخاطر جادة بالانهيار داخل مشروع كساب الزراعي؛ نتيجة الغياب التام للمستثمر الرئيسي وتخلي الجهات المعنية عن التزاماتها. وفي محاولة لإنقاذ موسمهم الزراعي، لجأ المزارعون إلى التكتل في جمعية ذاتية لجمع مساهمات مالية وتمويل عمليات الري والتشغيل. ورغم إيفاء المزارعين بدفع المبالغ المستحقة في العام الماضي، فإن المياه لم تصل إلى الحقول، مما أدى إلى خسائر بالغة، ما أثار حالة من التردد والمجازفة بالزراعة خلال هذا الموسم.
ويقع مشروع كساب محلية شرق سنار، وتمتد مساحته الإجمالية لنحو 15 ألف فدان، ويُعد من المشاريع المروية التاريخية في المنطقة؛ أنشئ قديماً في عهد الحكم الثنائي، ثم انتقلت إدارته لاحقاً لإدارة المشاريع المروية بوزارة الإنتاج والموارد الاقتصادية بولاية سنار.
ويُروى المشروع ميكانيكياً عبر المضخات (أبرزها بيارة روينا) الساحبة للمياه من النيل الأزرق عبر قنوات ومجاري مائية مخصصة. ويركز على إنتاج المحاصيل الغذائية والنقدية (كالذرة، وعباد الشمس، والفول السوداني، ويسهم بشكل مباشر في تأمين الغذاء ودعم صغار المزارعين في المنطقة.
يقول المزارع بالمشروع، عبد الإله النور، في مقابلة مع (عاين): “تنذر الأوضاع في مشروع كساب بكارثة؛ إذ يقع التردي في كل مناحيه، وعن الري فحدث ولا حرج! فلا يوجد أي تحضير للموسم لتطهير القنوات والترع الرئيسية والفرعية وأبو عشرينات، وتتكرر أخطاء العام الماضي نفسها، حيث دفع المزارعون المستحقات مقدماً قبل الزراعة، ورغم ذلك لم تصلهم مياه الري، بل إن هناك من سقى أرضه مرة واحدة فقط، وبعضهم لم يسقِ إلا بمياه الأمطار، مما أدى إلى ضعف الإنتاجية بشكل كبير”.
ويضيف عبد الإله: «يُعدّ نصف مساحة مشروع كساب تقريباً أرضاً بوراً. ورغم حضور عدد من المستثمرين، غير أنهم وجدوا البنية التحتية للمشروع متهالكة تماماً. وكان لذلك مردود سلبي على الإنتاجية؛ نظراً لأن جميع المزارعين في المنطقة يعتمدون كلياً على الزراعة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، إذ لا يوجد للمزارع أي مصدر دخل آخر سوى الزراعة.»
ويؤكد المزارع محمد عبد العظيم، حديث النور موضحاً: «يعيش المشروع حالة مزرية انعكست آثاره علينا في العام الماضي؛ حيث لم أجنِ – وغيري من المزارعين – أيَّ محصول يذكر يمكن أن يعوّض الخسائر.» وتابع في مقابلة مع (عاين): «كنا نستبشر خيراً حينما سمعنا بوجود مستثمر جديد للمشروع، ولكن اتضح أنه جاء فقط لزراعة البذور أو التقاوي، دون أن يقوم بتمويل المزارعين، الأمر الذي جعلني متردداً في الزراعة هذا العام.»
تداعيات الحرب والمخاطرة بلا ضمانات
من جانبه، يقول عبد الله عثمان، أحد أعضاء جمعية المزارعين بمشروع كساب: «منذ عام 2024م توقف الاستثمار من قبل المستثمرين في مشروع كساب الزراعي، أي منذ دخول قوات الدعم السريع ولاية سنار ثم إعادة السيطرة عليها من قبل الجيش. ونتيجة لذلك تدهور المشروع بشكل كبير، حيث إنه يقوم على تعاقدات مباشرة بين المزارعين والمستثمرين، ولكن في ظل الظروف الحالية، فإن رأس المال بطبيعة الحال يخاف من عملية الاستثمار، لذلك لم يتقدم أي شخص.»

تحضيرات (50%).. الفشل يهدد الموسم الزراعي بالنيل الأزرق
هذا العام يبدأ بأزمة أكبر؛ لأن الخريف لا يبشر بالخير؛ إذ الأمطار لم تهطل منذ منتصف يونيو، ونحن الآن في أغسطس، مما يجعل الاعتماد عليها صعباً- مزارع بمشروع كساب

ويتابع عبد الله في مقابلة مع (عاين): «في العام الماضي كونا شركات زراعية صغيرة أو جمعيات زراعية هدفها تشغيل المشروع بتمويل ذاتي، وهذا لا يتم إلا بشراكة مع الحكومة؛ لأن الحكومة لديها حق ملكية البيارات والبابورات المستخدمة. لذلك اتفقت الجمعية مع حكومة ولاية سنار على دفع 150 ألف جنيه سوداني عن كل “حواشة” لتوفر الحكومة الماء، ولكنها لم توفر الماء الكافي للزراعة، مما كبّد المزارعين خسائر كبيرة. وقد عوّض بعضَهم أنَّ خريف العام الماضي كان جيداً، ولم تتوفر مياه للمشروع سوى مرة واحدة، ولم تُسقَ كل الحواشات.»
ويضيف: «هذا العام يبدأ بأزمة أكبر؛ لأن الخريف لا يبشر بالخير؛ إذ إن الأمطار لم تهطل كما هي العادة منذ منتصف يونيو، ونحن الآن في أغسطس، ولم تأتِ أمطار سوى مرات معدودة، مما يجعل الاعتماد عليها صعباً.»
وحول المستثمرين، يقول عبد الله: «أما بالنسبة للمستثمرين فلم يأتِ سوى مستثمر واحد لا يريد دعم المشروع، بل استخدام جزء من الأراضي لزراعة التقاوي فقط، على أن يدفع المزارعون مبلغ مالياً يُتفق عليه مع الحكومة ليتم دفعه مقدماً.»
ويؤكد عبد الله، أن هذا الوضع جعل الحديث عن الزراعة وسط المزارعين غير مرغوب فيه، ورغم ذلك فإن العدد الأكبر قد يجازف ويزرع حتى وإن لم تكن هناك ضمانات لتوفير المياه، وقد يحدث ما حدث العام الماضي، ولكن الخيارات أمام المزارعين الذين يعتمدون في حياتهم على الزراعة شبه معدومة.
شلل المنظومة ودورة الانهيار المركب
من جهته، يقول مهندس زراعي يعمل في المشروع نفسه (فضّل حجب اسمه)، في مقابلة مع (عاين): «بالنسبة لعدم وجود مستثمرين في مجال المشاريع الزراعية، فإن له – بالطبع – تأثيراً كبيراً يتجاوز مجرد نقص السيولة النقدية ليمس العصب التشغيلي واللوجستي للمشروع ككل؛ فالمستثمر هو من يوفر الوقود، ويتكفل بصيانة البيارات وتنظيف الترع والعبّارات والمعدات. وما نراه اليوم في مشروع كساب ليس مجرد تعثر لموسم فردي، بل هو تجسيد لـ دورة انهيار مركب تتداخل فيها الاختلالات الهندسية مع الشلل الاقتصادي.»
ويضيف المهندس: «فمن الناحية الهندسية والفنية، تسبب غياب المستثمرين وعدم وجود صيانة دورية للبيارات والترع في توقف مضخات الري، وتراكم الطمي والترسبات داخل القنوات الرئيسية والفرعية وخطوط “أبو عشرينات”، مما أثر مباشرة على توفير المياه، وأحدث شحاً حاداً في الري كما حدث العام الماضي. هذا التدهور جرد المشروع من ميزته المروية وجبر المزارعين على تحول قسري نحو الزراعة المطرية، وهو ما خفض الكفاءة الإنتاجية للفدان بنسب تتجاوز 60%، وأدى إلى هدر مائي كبير، فضلاً عن مضاعفة الفاتورة المستقبلية لإعادة تأهيل الشبكات المتهالكة.»
ويتابع: «أما من الناحية الاقتصادية، فإن عدم توفير مياه الري يدفع المزارعين إلى الامتناع عن الزراعة، ومن يزرع منهم اعتماداً على الأمطار تنخفض إنتاجيته بصورة ملحوظة، وهذا يضر بموارد الدولة نفسها والأفراد على حد سواء؛ إذ يُفترض أن يحقق المشروع عائداً اقتصادياً كبيراً ومستداماً. فإذا توقف المشروع، توقف العائد الاقتصادي للدولة وللمواطنين، مما يحول المنطقة من مركز إنتاجي إلى بؤرة فجوة غذائية تعتمد على جلب المحاصيل من الخارج.»
أبعاد اقتصادية واجتماعية ممتدة
وفي السياق نفسه، يقول المحلل الاقتصادي محمد زين: «تواجه كل المشاريع الزراعية المروية والمطرية الآلية العديد من المشكلات والعقبات والتحديات المعقدة والمتداخلة والمؤثرة والمتأثرة ببعضها البعض، ووراء تلك المشكلات العديد من الأسباب والعوامل، منها العقبات الإدارية والفنية والهيكلية والمالية والتمويلية، وهي التي تسببت في تعطيل وتدهور وتراجع الإنتاج والإنتاجية بتلك المشاريع.»
ويضيف المحلل الاقتصادي في مقابلة مع (عاين): «يُعتبر مشروع كساب الزراعي من أصغر المشاريع المروية مساحة، إذ تبلغ مساحته حوالي 15 ألف فدان تقريباً، ومنذ تأسيسه أحدث استقراراً لسكان المنطقة (محلية شرق سنار) عبر تمليكهم حيازات زراعية يزرعونها وتعود عليهم بمحاصيل غذائية للاستهلاك الذاتي وتخزين وتسويق بعضها ليدر عليهم دخلاً لشراء مستلزمات المعيشة الأخرى، كما أن المشروع عمل على تنشيط التجارة والأسواق المنتشرة بالولاية، بما فيها أسواق عاصمة الولاية.»

"إهمال حكومي و تغير مناخي".. تراجع الإنتاج الزراعي في إقليم النيل الأزرق
تبعات هذا التوقف لا تقف عند حدود المزارع، بل تمتد لتصنع سلسلة من الأزمات المتشابكة- محلل اقتصادي 

ويوضح محمد زين: «يواجه مشروع كساب عدداً من العقبات والتحديات المعقدة (تدهور البنيات التحتية لقنوات الري والمعدات والأصول)، وخاصة في الآونة الأخيرة بعد نشوب الحرب الماثلة ودخول قوات الدعم السريع إلى مناطق المشروع وما أحدثوه من دمار وخراب ونهب لممتلكات المواطنين وممتلكات المشروع، وبالأخص شبكات وقنوات المياه المخصصة للري، والتي تهدد بتوقف نشاط المشروع.»
وينوه زين، إلى أن تبعات هذا التوقف لا تقف عند حدود المزارع، بل تمتد لتصنع سلسلة من الأزمات المتشابكة؛ فتعطل المشروع يهدد بحدوث فجوة غذائية قاسية تدفع سكان المنطقة وما جاورها نحو فقر غذائي وشيك، ما يفرض على المواطنين والولاية أعباءً مالية إضافية لجلب المحاصيل من مناطق أخرى، أو اضطرار الدولة لاستيرادها من الخارج كما هو الحال مع مدخلات الإنتاج كالسماد والبذور.
معالجات وإصلاحات هيكلية
وعن الحلول العاجلة في المشروع يقول المهندس الزراعي في المشروع الذي فضل حجب اسمه: «الحلول الجذرية تتطلب إعادة تأهيل نظام الري عبر إدخال محطات الطاقة الشمسية لخفض تكاليف التشغيل، وتأسيس روابط مستخدمي المياه لإدارة القنوات مجتمعياً، بالتوازي مع عقد شراكات مع منظمة “الفاو” والقطاع الخاص، لاستعادة النشاط الإنتاجي وحماية الأصول من التلف التام.»
فيما يشدد المحلل الاقتصادي محمد زين: «من أهم المعالجات والإصلاحات الهيكلية والنوعية لإعادة تشغيل مشروع كساب الزراعي، أنه لا بد أولاً من التنظيم والإدارة الرشيدة التي تتمتع بالكفاءات والخبرات والمهارات الإدارية وصناعة القرار السليم، وإشراك المزارع في ذلك. ويمكن تكوين “روابط المياه” من شباب المنطقة ذوي المعرفة وإشراك المزارعين.»

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *