تراجع غير مسبوق للجنيه السودان أمام الدولار وانفلات في الأسواق

عاين- 14 يونيو 2026

على نحو مفاجئ، تدهورت قيمة الجنيه السوداني مقابل الدولار بصورة غير مسبوقة، حيث اقترب سعر الدولار الواحد من حاجز الـ 5000 جنيه سوداني، ما أدى إلى انفلات في أسعار السلع وتوقف حركة البيع في عدد من الأسواق الرئيسية بجانب الأزمة الخانقة في المشتقات البترولية.

وعند اندلاع هذه الحرب في 15 أبريل 2023، كانت قيمة الدولار الواحد تساوي 500 جنيه سوداني، لكن بعد ذلك استمر التدهور حتى وصل هذا الأسبوع إلى مستويات غير مسبوقة، نتيجة ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي لأجل استيراد الوقود، بحسب متعاملين في سوق الدولار.

أزمة وقود

وتشهد البلاد هذه الأيام أزمة خانقة في الوقود، حيث باتت العديد من محطات البترول مغلقة، بينما تصطف السيارات أمام المحطات الأخرى في صفوف طويلة في انتظار الحصول على الوقود، وفق شهود عيان في أم درمان وعطبرة وبورتسودان، تحدثوا لـ(عاين).

وفي محاولة لتدارك الأمر والسيطرة على الأوضاع، سارعت الحكومة إلى عقد اجتماع عاجل لمجلس الوزراء صادف يوم الجمعة الماضية، وهو يوم عطلة رسمية، حيث قرر المجلس دخول الحكومة في استيراد المشتقات البترولية بغية ضبط السوق والتحكم في سعر الصرف، على أن تتولى جهات الاختصاص في وزارات المالية والطاقة وبنك السودان المركزي والأمن الاقتصادي إنفاذ القرار.

وكانت مهام استيراد الوقود في السابق متروكة إلى القطاع الخاص، حيث تقوم شركات خاصة باستيراد النفط وبيعه للحكومة والمواطنين بأسعار تحددها وزارة النفط. وظلت هذه الشركات تحصل على الدولار من السوق الموازي.

وفي تعليق على قرار مجلس الوزراء، قال وزير الإعلام خالد الأعيسر إن “التلاعب باستقرار العملة وأسعار المشتقات النفطية لا يمثل جشعاً اقتصادياً فحسب، وإنما يُعد تهديداً مباشراً للأمن الوطني ومحركاً رئيسياً لارتفاع الأسعار. لذلك جاء قرار مجلس الوزراء، القاضي باستيراد المشتقات البترولية مباشرة، كخطوة شجاعة وحاسمة من شأنها تعزيز وفرة المشتقات النفطية، والحد من الاحتكار، والمساهمة في كبح الغلاء”.

هزة اقتصادية

يرى الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي أن الاقتصاد السوداني، الذي كان يعتمد على الزراعة والخدمات وبدرجة أقل على القطاع الصناعي، تعرض لهزة عنيفة بسبب الحرب، الأمر الذي أدى إلى تراجع نشاطه بصورة غير مسبوقة.

وقال فنحي لـ(عاين): إن “قطاعات الإنتاج الرئيسية، مثل الزراعة والتعدين والتجارة، تعرضت إلى استنزاف كبير انعكس بشكل مباشر على معدلات النمو الاقتصادي ومستويات المعيشة، ما أدى إلى انخفاض مستمر في قيمة الجنيه مقابل العملات الأجنبية، بالتزامن مع اتساع العجز التجاري وتراجع الإيرادات العامة للدولة”.

وأشار إلى أن الحكومة اضطرت إلى تمويل جزء كبير من نفقاتها الجارية والعسكرية عبر ما يعرف بـ”التمويل بالعجز”، من خلال الاستدانة الداخلية من الجهاز المصرفي، وهو ما أسهم في زيادة الضغوط التضخمية وإضعاف القوة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر وسط السودانيين إلى نحو 73% من السكان.

وحول دخول الحكومة في شراء الوقود وبيعه في السوق، يرى فتحي أن أي قرارات تتعلق بقطاع الوقود يجب أن تستند إلى رؤية متكاملة توازن بين تأمين احتياجات المواطنين والقطاعات الإنتاجية من الطاقة، وبين جذب الاستثمارات وزيادة الإنتاج النفطي بما يدعم النمو الاقتصادي والاستدامة.

العصيان المدني... سلاح فتاك يُهز ترسانة العسكروتأتي خطوة الحكومة وسط مخاوف من أن يتسبب دخول الحكومة في استيراد الوقود في نشوء عمليات فساد وتجاوزات مالية، وسط غياب البرلمان الذي يمثل الجهاز الرقابي على الأداء التنفيذي. ومع ذلك شدد فتحي على ضرورة تمكين القطاع الحكومي من القيام بدور فاعل في شراء واستيراد وتوزيع المشتقات النفطية، مع فرض رقابة صارمة وإجراءات مؤسسية تمنع الفساد، وتضمن كفاءة إدارة الإمدادات.

وأشار الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي إلى أن السودان يمتلك طاقات تكريرية يمكن تطويرها وتوسيعها بما يسمح بإنتاج المشتقات النفطية محلياً. واقترح استيراد النفط الخام وتكريره داخل السودان بدلاً من الاعتماد على استيراد المشتقات النفطية الجاهزة، قائلاً إن بناء مصافٍ جديدة وتطوير المصافي القائمة يمكن أن يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، ويوفر فرص عمل، ويعزز الإيرادات الحكومية.

وخلال الحرب المستمرة فقد السودان أحد أكبر المصافي النفطية، وهي مصفاة الجيلي شمال الخرطوم بحري، التي كانت تغطي نحو 70% من احتياجات البلاد النفطية، لكنها خرجت تماماً عن الخدمة بسبب الدمار الذي تعرضت له نتيجة القصف المدفعي والجوي خلال سيطرة قوات الدعم السريع على الخرطوم.

الحرب تزيد الطلب على الدولار

من جهته، اعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور حسام الدين إسماعيل تدهور قيمة الجنيه السوداني، امتداداً لاختلالات هيكلية يعاني منها الاقتصاد السوداني منذ انفصال جنوب السودان، تفاقمت بسبب الحرب الحالية.

وأوضح أن السوق الموازية أصبحت تتحكم في أسعار الصرف، وسط غياب أي استراتيجية حكومية لتوفير النقد الأجنبي وتلبية احتياجات السوق. وأضاف أن الحكومة والقطاع الخاص يعتمدان على السوق الموازي للحصول على العملات الأجنبية.

وقال إسماعيل لـ(عاين): إن “الظروف الحالية رفعت حجم الطلب على الدولار إلى مستويات غير مسبوقة لتلبية احتياجات الحرب، ما خلق ضغوطاً إضافية على سوق الصرف”. واعتبر قرار مجلس الوزراء بشأن دخول الحكومة في استيراد النفط “تخديرياً” لا يعالج جذور الأزمة الاقتصادية، لأن الحكومة لا تملك الدولار بسبب غياب الإنتاج والصادرات، وأنها ستضطر لشراء الدولار من السوق الموازي وهو ما يفاقم الأزمة.

وأكد إسماعيل أن الأزمة الاقتصادية الراهنة لا يمكن حلها عبر الإجراءات المالية والنقدية وحدها، وإنما تحتاج إلى توافق سياسي واسع يسمح بتنفيذ إصلاحات حقيقية، إلى جانب تقليص أوجه الصرف غير الضرورية، وإخضاع جميع الإيرادات العامة لوزارة المالية، وتمكينها من بسط سيطرتها على المال العام وإدارته وفق أولويات واضحة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *