تصدر الدول العربية.. كيف دفعت الحرب ديون السودان إلى ذروتها؟
عاين- 5 أغسطس 2026
يواجه الاقتصاد السوداني واحدة من أعقد أزماته الممتدة عبر تاريخه الحديث، حيث تتصاعد الضغوط المالية مع استمرار النزاع المسلح الذي اندلع في أبريل 2023. وفي ظل هذه الظروف المعقدة، تشير التقديرات الدولية إلى تسجيل السودان مستويات قياسية في نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول أسباب هذا الارتفاع القياسي، ومدى ارتباطه بحجم الاقتراض الفعلي مقابل انكماش القاعدة الإنتاجية للبلاد، فضلاً عن مستجدات مسار إعفاء الديون الخارجي الذي توقف وسط تداعيات الحرب والمشهد السياسي.
تراكمت أزمات المديونية الخارجية عبر العقود، لكن محاولات معالجتها شهدت تحولاً محورياً قبل القتال الحالي؛ إذ أشار الباحث والمحلل الاقتصادي والخبير المصرفي، أحمد بن عمر إلى أن رصيد الدين الخارجي كان قد انخفض إلى نحو 64.2 مليار دولار بنهاية يونيو 2022، بعد تسوية متأخرات السودان لدى عدد من المؤسسات المالية الدولية والاستفادة من إعفاءات نادي باريس.
وأوضح بن عمر في حديث لـ(عاين) أن «السودان بدأ بعد ذلك مسارًا لتخفيف أعباء الديون عبر مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)، إلا أن هذا المسار توقف عقب التطورات السياسية ثم اندلاع الحرب في أبريل 2023، ما أدى إلى توقف الإصلاحات الاقتصادية وتعثر الوصول إلى المرحلة النهائية من برنامج إعفاء الديون».

وكان السودان قد شهد تحولاً محورياً في يونيو 2021 بوصوله إلى “نقطة القرار” ضمن مبادرة (HIPC)، بعد تنفيذ إصلاحات اقتصادية قاسية اعتمدها البنك الدولي وصندوق النقد، ما فتح الباب أمام خفض استهدافي لديونه الخارجية من 56 مليار دولار إلى نحو 6 مليارات دولار. إلا أن انقلاب العسكريين على حكومة الشراكة في أكتوبر 2021 وما تلاها من اندلاع للحرب في أبريل 2023 تسببت في تجميد المساعدات والدعم الدولي وتوقف المسار كلياً قبل الوصول لنقطة الإنجاز النهائية.
ويرى الخبير والمحلل الاقتصادي، محمد الناير أن «السودان كان مؤهلًا للاستفادة من المبادرة، التي تستهدف تخفيف أعباء الديون الخارجية، إلا أن هذا المسار تعثر لأسباب سياسية».
من جانبه دعا الباحث في الاقتصاد السياسي السوداني والخبير المصرفي والمالي، عمر سيد أحمد، إلى «العودة إلى مسار إعفاء الديون ضمن البرنامج الدولي، الذي كان السودان قد بدأه خلال حكومة عبدالله حمدوك قبل توقفه عقب انقلاب أكتوبر 2021 ثم اندلاع الحرب».
انكماش الناتج ونسبة الدين
وفي تفكيك الإحصائيات الأخيرة الصادرة عن المؤسسات الدولية، يرى أحمد بن عمر أن «تصدر السودان للدول العربية في نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2025 يعكس التحولات العميقة التي شهدها الاقتصاد السوداني خلال السنوات الأخيرة، أكثر مما يعكس قفزة كبيرة في حجم الاقتراض»، وأكد أن «السودان كان يحمل أساسًا رصيدًا مرتفعًا من الديون الخارجية التي تراكمت على مدى عقود».
وأضاف بن عمر وهو يوضح الأثر المباشر للنزاع: «الحرب تسببت في انكماش واسع للاقتصاد السوداني نتيجة تراجع الإنتاج وتعطل التجارة والاستثمار، فأصبح الناتج المحلي الإجمالي أصغر بكثير، بينما ظل رصيد الدين مرتفعًا نسبيًا، وهو ما أدى إلى ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي لمستويات قياسية مقارنة بالدول العربية».
ويرى أن «ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي لا يعكس بالضرورة تضخمًا كبيرًا في حجم الديون»، ولفت إلى أن «العامل الأكبر يتمثل في الانكماش الحاد للناتج المحلي الإجمالي خلال فترة الحرب، حيث لم يشهد السودان خلال سنوات الحرب توسعًا كبيرًا في الاقتراض الخارجي، بل واجه صعوبات في الوصول إلى مصادر التمويل الدولية بسبب توقف برامج التعاون المالي واستمرار المتأخرات».
من جانبه، يؤكد عمر سيد أحمد، في حديث لـ(عاين)، هذا البُعد الحسابي مبيناً أن «تصدر السودان الدول العربية في نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2025 يعكس تصاعد الضغوط المالية والاقتصادية التي تواجه البلاد منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023».
وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، سجل السودان أعلى نسبة دين حكومي إلى الناتج المحلي بين الدول العربية في 2025، لتصل إلى نحو 169% في عام 2026 مقارنة بمتوسط 45% بالمنطقة.
وفي هذا الصدد ينوه عمر سيد أحمد إلى «وجود تباين بين قواعد البيانات الاقتصادية في تقدير هذه النسبة، حيث تشير بعض التقديرات إلى أرقام أعلى، وهو ما يرتبط باختلاف منهجيات احتساب الناتج المحلي، خاصة في ظل انهيار قيمة الجنيه وتعدد أسعار الصرف».

ويفسر سيد أحمد ذلك بأن «حجم التزامات الدولة أصبح يفوق قدرتها الإنتاجية على توليد الموارد اللازمة للوفاء بها»، وهو الأمر إعتبره «يمثل مؤشرًا على ضعف القدرة على تحمل الدين، ويحد من قدرة أي حكومة مستقبلية على الحصول على تمويل بشروط ميسرة، ما قد يجعل إعادة هيكلة الدين خيارًا ضروريًا».
وعن آليات التأثير المتبادل، ينبه عمر سيد أحمد إلى أن «ارتفاع نسبة الدين جاء نتيجة تفاعل عاملين رئيسيين، لكن انكماش الاقتصاد كان العامل الأكبر من الناحية الحسابية»، وأشار إلى أن «انخفاض الناتج المحلى بسبب توقف الإنتاج الزراعي والصناعي، وتعطل الصادرات، وتدمير البنية التحتية، يؤدي تلقائيًا إلى ارتفاع النسبة حتى في حال بقاء حجم الدين الاسمي قريبًا من مستواه، لأن القاعدة الاقتصادية التي تُقاس عليها النسبة تتراجع بصورة كبيرة».
تدهور سعر الصرف والتمييز بين أصول الديون
وعند مطابقة أرقام المديونية بالواقع النقدي، يؤكد محمد الناير لـ(عاين) على أهمية «التمييز بين الدين الداخلي والدين الخارجي عند مناقشة أوضاع الدين العام في السودان»، وأوضح أن «الدين الداخلي يرتبط بتمويل عجز الموازنة عبر أدوات تمويل محلية، من بينها الجهاز المصرفي، كما كان يحدث في السابق من خلال إصدارات مثل شهادات “شهامة”»، وشدد على أن «المؤشر الذي يتحدث عنه صندوق النقد الدولي يتعلق بالدين الخارجي وليس بالدين الداخلي».
ويستطرد الناير عندما يوضح أثر انهيار العملة: «الارتفاع الكبير في نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لا يعكس زيادة في أصل الدين الخارجي، وإنما يعود بصورة رئيسية إلى التدهور الحاد في سعر صرف الجنيه السوداني، وما ترتب عليه من انخفاض قيمة الناتج المحلي عند احتسابه بالدولار».
ويعزز ذلك بالأرقام مفصلاً بالقول: «سعر صرف الدولار ارتفع من نحو 500–550 جنيهًا قبل الحرب إلى نحو 5500 جنيه حاليًا، بينما انخفض الناتج المحلي الإجمالي من أكثر من 110 مليارات دولار في عام 2018 إلى نحو 45 مليار دولار، في حين بلغ الدين الخارجي نحو 67 إلى 70 مليار دولار، لترتفع بذلك نسبة الدين إلى الناتج المحلي إلى نحو 169%».
وفي الاتجاه نفسه، يوضح عمر سيد أحمد جانباً آخر لارتفاع الكتلة الاسمية للمديونية، مشيراً إلى أن «رصيد الدين نفسه ارتفع أيضًا بسبب تمويل عجز الموازنة بالاقتراض من البنك المركزي، في ظل انهيار الإيرادات الضريبية والجمركية، إضافة إلى تراكم متأخرات وفوائد الديون الخارجية غير المسددة».
تآكل القطاعات الإنتاجية والمالية العامة
وعلى الضفة المقابلة من الأزمة، أدى تراجع الأنشطة الميدانية إلى تجفيف منابع الموازنة؛ إذ يرى أحمد بن عمر أن «النزاع أثر على معظم مصادر النشاط الاقتصادي، حيث توقفت أعداد كبيرة من المصانع، وتضررت البنية التحتية، وتعطلت حركة التجارة والنقل، وانخفض الاستثمار، كما خرجت شركات عديدة من السوق أو عملت بطاقة إنتاجية محدودة، فضلاً عن تأثر القطاع الزراعي بارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة التمويل والنقل».
ويؤكد بن عمر انعكاس هذا الشلل الإنتاجي على الدولة: «هذا التراجع الاقتصادي انعكس بصورة مباشرة على المالية العامة، من خلال انخفاض الإيرادات الضريبية والجمركية ورسوم الأنشطة الاقتصادية، في وقت ارتفعت فيه احتياجات الإنفاق المرتبطة بالحرب وتشغيل مؤسسات الدولة، مما أدى إلى اتساع الفجوة بين الإيرادات والمصروفات، وجعل إدارة الموارد المالية أكثر تعقيدًا».
ويرى بن عمر أن «الدولة بدأت في استعادة جزء من قدرتها، إلا أن عملية التعافي ستحتاج إلى وقت أطول»، مبيناً أن «إدارة التزامات الدين أصبحت أكثر صعوبة بسبب توقف برامج التمويل الدولية، وتعثر مسار إعفاء الديون، وتراجع الثقة في الاقتصاد، الأمر الذي حدّ من فرص الحصول على تمويل تنموي ميسر يدعم إعادة الإعمار وتحفيز النمو».
ويوافق الخبير الاقتصادي د. محمد الناير على أن «الحرب أثرت بصورة مباشرة على المالية العامة للدولة، سواء من حيث الإيرادات أو الإنفاق، وانعكس ذلك على قدرة الحكومة في إدارة الإنفاق العام وتمويل المرافق والخدمات».
أزمة القطاع المصرفي والانقسام النقدي
ولم تكن المؤسسات النقدية بمعزل عن هذا التداعي؛ حيث يفصل عمر سيد أحمد الأثر المباشر للنزاع على البنوك، مشيراً إلى «تعرض أكثر من 100 فرع مصرفي للنهب والتدمير، إضافة إلى فقدان نسبة كبيرة من الأموال في مصارف الخرطوم، وظهور انقسام نقدي فعلي داخل البلاد مع نشوء كتلة نقدية موازية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع».
ويلفت سيد أحمد إلى «تراجع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني في فترات مختلفة، وارتفاع حالات التعثر المصرفي، وتراجع قيمة الجنيه، وتصاعد المضاربة على العملة، إلى جانب تآكل ثقة المودعين ولجوء كثيرين إلى الاحتفاظ بالنقد خارج الجهاز المصرفي».
ويجمل النتيجة الاقتصادية لهذه الصدمة الشديدة بأنها «أدت إلى فقدان البنوك جزءًا كبيرًا من قدرتها على أداء دورها الأساسي في تمويل رأس المال العامل للقطاعات الإنتاجية وتوفير السيولة للتجارة والزراعة، ما دفع جزءًا واسعًا من الاقتصاد نحو التعاملات النقدية غير الرسمية، وأضعف قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات، وزاد الاعتماد على تمويل العجز عبر البنك المركزي، بما ساهم في ارتفاع التضخم».
رؤى الإصلاح وسيناريوهات المستقبل
ورغماً عن قسوة المشهد المالي، تطرح المصادر في حديثها لـ(عاين) رؤى متقاطعة للخروج من خانة الأزمة؛ حيث يرى أحمد بن عمر أن «معالجة أزمة الدين تبدأ بإعادة بناء الاقتصاد نفسه، لأن خفض نسبة الدين لا يتحقق فقط عبر تقليل حجم الديون، وإنما أيضًا من خلال زيادة الناتج المحلي الإجمالي، وعودة الإنتاج الزراعي والصناعي والتعديني لمستويات أفضل تسهم في رفع حجم الاقتصاد وخفض النسبة تدريجيًا».
ويشدد بن عمر على «أهمية استئناف التعاون مع المؤسسات المالية الدولية والعودة إلى مسار مبادرة إعفاء الديون بعد إنهاء الحرب»، وأكد أن «إصلاح المالية العامة يتطلب تحسين كفاءة التحصيل الضريبي والجمركي، وتوسيع النشاط الاقتصادي الرسمي، وتعزيز الرقمنة والحوكمة، وإعادة تنشيط الصادرات، خاصة الذهب والمنتجات الزراعية باعتبارها مصادر رئيسية للنقد الأجنبي».

من جانبه، يؤكد محمد الناير على ضرورة الارتكاز على المورد الذاتي، مبيناً أن «معالجة الأزمة لا تقتصر على ملف الديون، وإنما تتطلب أيضًا استثمار الموارد الاقتصادية الكبيرة التي يمتلكها السودان، وفي مقدمتها الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والموارد المائية، بما يعزز الإنتاج ويقوي قدرة الاقتصاد على الوفاء بالتزاماته المالية مستقبلًا».
وفيما يتعلق بخيارات المعالجة، يطرح عمر سيد أحمد حزمة مسارات إجرائية تتصدرها «إعادة هيكلة الدين الخارجي والعودة إلى مسار إعفاء الديون (HIPC)، وإصلاح مصرفي هيكلي يشمل إعادة رسملة البنوك المتضررة، ودمج المصارف الضعيفة، وتطبيق معايير كفاية رأس المال، وإنشاء آليات لمعالجة الديون المتعثرة».
ويدعو سيد أحمد كذلك إلى «توحيد النظام النقدي ومعالجة الانقسام بين مناطق السيطرة، مع توسيع القاعدة الضريبية وتقليل الاعتماد على طباعة النقود، وتعزيز الشمول المالي بالخدمات الرقمية»، مختتماً بتأكيد جوهري على أن «أي إصلاح اقتصادي سيظل محدود الأثر ما لم تسبقه تسوية سياسية توقف الحرب، لأن استمرار النزاع يواصل تدمير القاعدة الإنتاجية ويعرقل عودة الثقة اللازمة لجذب الاستثمار والتمويل الخارجي».






















