مصير مجهول لـ(بنكك) في مناطق سيطرة حكومة “تأسيس”

عاين- 28 أغسطس 2026

ارتبك هشام فضل السيد، أحد كبار عملاء بنك الخرطوم في كردفان، للوهلة الأولى عقب قرار بنك السودان المركزي الخاص بتحديث بيانات العملاء، واشتراط بنك الخرطوم الحضور شخصياً إلى أحد فروعه لاستكمال الإجراءات، فهو لا يستطيع الذهاب لمخاوف اتهامه بالتعاون مع قوات الدعم السريع التي يتواجد في مناطق سيطرتها، لكنه فكر لاحقاً في تحويل أمواله إلى دولار وشراء بضائع عينيه، بعد أن استبعد نهائياً ذهابه إلى مناطق سيطرة الجيش.

يقول فضل السيد لـ(عاين): إنه ليس وحده من يواجه هذا المصير، بل إن آلاف العملاء لبنك الخرطوم في كردفان ودارفور قد يجدون أنفسهم أمام الخيارات ذاتها، بحثاً عن بدائل تجنبهم السفر إلى مناطق سيطرة الجيش حيث توجد فروع البنك.

ويضيف: أن “مخاوف العملاء ترتبط، بسوابق لأشخاص جُمدت حساباتهم، وعندما توجهوا إلى فروع البنك للاستفسار عن أسباب التجميد تعرضوا للسجن بناءً على بلاغات تتعلق بالتعاون مع قوات الدعم السريع”. ويشير فضل السيد، إلى أن ملايين المواطنين في إقليمي كردفان ودارفور أصبحوا يعتمدون بصورة شبه كاملة على التطبيق المصرفي (بنكك) في تسيير شؤون حياتهم اليومية، فيما يعتمد كثيرون على تحويلات أقاربهم من الخارج، أو على الأموال القادمة من مناطق التعدين عن الذهب.

لا بنية تحتية إلكترونية

وانتقد عدد من العملاء ربط تحديث البيانات بالحضور الشخصي إلى فروع المصرف، مطالبين بإتاحة الإجراء إلكترونياً. لكن الخبير الاقتصادي حسام الدين إسماعيل يقول لـ(عاين): إن “التحديث الإلكتروني يحتاج إلى بنية تحتية إلكترونية لا يمتلكها السودان”، مشيراً إلى أن بعض الوثائق الإلكترونية التي يمتلكها المواطنون غير مواكبة للتطورات الإلكترونية.

وكان بنك السودان المركزي قد ألزم جميع المصارف السودانية بتحديث بيانات العملاء، مع التشديد على إغلاق الحسابات التي لا تستكمل إجراءات تحديث البيانات خلال مدة أقصاها شهرين، قبل أن يتراجع ويمدد المهلة حتى نهاية العام الجاري.

وعقب صدور القرار، أعلن بنك الخرطوم، المالك لتطبيق “بنكك”، ضرورة توجه العملاء إلى أقرب فرع لتحديث بياناتهم. حيث تقع فروع البنك العاملة حالياً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني، بينما يوجد آلاف العملاء في مناطق خارج سيطرة الحكومة، يعتمدون بصورة مباشرة على تطبيق “بنكك” في معاملاتهم المالية اليومية، بما في ذلك عمليات البيع والشراء.

وتأتي هذه القرارات في ظل واقع فرضته الحرب، جعل السودان يعيش حالة من الانقسام الفعلي بين مناطق خاضعة لسيطرة الجيش وأخرى تسيطر عليها قوات الدعم السريع، فيما أصبح التنقل بين هذه المناطق محفوفاً بالمخاطر، أو شبه مستحيل بالنسبة إلى كثير من المواطنين.

تكريس واقع الانقسام

يقول الصحفي محمد صالح البشر لـ(عاين): إن “قرار بنك السودان المركزي بتحديث البيانات، في ظل الانقسام الإداري القائم في البلاد، ومن دون تقديم رؤية لمعالجة أوضاع الموجودين في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، يكرس واقع الانقسام، ويعزز شعور المواطنين في المناطق خارج سيطرة الحكومة بالتخلي عنهم”.

مسار التقاضي وتتبع الأموال قد يستغرق وقتا طويلا

ويصف القرار بأنه سياسي أكثر من كونه فنياً، ويرى أنه يمثل امتداداً لآثار قرارات سياسية سابقة، وعلى رأسها قرار تغيير العملة، الذي قال إنه لم يراعِ أيضاً حالة الانقسام الإداري والجغرافي التي فرضتها الحرب، ولم يستند إلى اعتبارات تراعي مسؤولية الدولة تجاه جميع مواطنيها دون تمييز.

ويقول البشر: إن “معالجة تداعيات القرارات السابقة عبر اتخاذ قرارات جديدة من دون توفير حلول عملية وشاملة تمثل محاولة لـ الهروب إلى الأمام، وقد تؤدي إلى تعميق الأزمة الاقتصادية وتعزيز حالة الانقسام القائمة. ولا يستبعد أن تؤدي هذه السياسات إلى البحث عن بدائل مصرفية موازية قد توفرها حكومة تحالف تأسيس لسد الفراغ الناتج عن تقييد الخدمات المصرفية.

إجراء مصرفي وأمني

من جهته، يقول الخبير الاقتصادي د. حسام الدين إسماعيل لـ(عاين): إن “قرار بنك السودان المركزي، من الناحية الإجرائية، لا غبار عليه، باعتبار أن لكل مصرف الحق في متابعة نشاط العملاء والتأكد من سلامته داخل النظام المصرفي”. ويشير إسماعيل، إلى أن تحديث بيانات العملاء يمثل أحد المعايير التي ترفع من كفاءة النظام المصرفي وشفافيته، وتنسجم مع متطلبات الصيرفة والنظام المصرفي العالمي. لكنه يرى أن القرار، في الظروف التي تمر بها البلاد، يحمل أيضاً جانباً أمنياً يتعلق بتحجيم قدرات قوات الدعم السريع على تمويل الحرب في كردفان ودارفور.

“هو قرار أمني الغرض منه إيقاف الحسابات عبر مدخل رسمي، لأن لا بنك الخرطوم ولا بنك السودان المركزي يمتلكان صلاحيات إيقاف الحسابات إلا من خلال هذا الإجراء، يقول إسماعيل. ويرجح أن يكون بنك السودان على تنسيق مع جهات أمنية لإغلاق بعض الحسابات “المريبة”، والتي قد تهدد أمن الدولة خلال الحرب، حسب قوله.

ويكشف إسماعيل، أن عدد المواطنين الذين كانت لديهم حسابات مصرفية داخل النظام المصرفي السوداني خلال فترة حكومة الفترة الانتقالية بلغ نحو 30 مليوناً من أصل 50 مليوناً”، مشيراً إلى أن أغلبهم عملاء لبنك الخرطوم الذي يعتبر الأوسع انتشاراً.

ويقول إسماعيل: إن “عملاء البنك في دارفور وكردفان سيتأثرون بالقرار، خصوصاً أصحاب الحسابات الكبيرة التي تنشط في استيراد الوقود والبضائع عبر الحدود”. ويشير أيضاً إلى وجود حسابات “عشوائية” فُتحت خلال فترة انعدام السيولة النقدية واضطرار المواطنين إلى التعامل رقمياً، موضحاً أن بعض هذه الحسابات فُتحت إلكترونياً ولم تستوفِ المعايير المطلوبة، ما يستدعي مراجعتها من خلال عملية تحديث البيانات.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *