مقابر الذهب في السودان.. كيف تنهي الآبار حياة المنقبين؟
عاين- 8 أكتوبر 2026
خرج معتز إسماعيل لتوه من مرحلة الطفولة، لكنه لم يجد نفسه على مقاعد الدراسة كما يفترض لشاب في الثامنة عشرة من عمره، بل داخل بئر يتجاوز عمقها 30 متراً، يحمل أدوات بدائية من بينها “أجنة وشاكوش”، لتكسير الصخور بحثاً عن الذهب.
يقول إسماعيل لـ(عاين): إنه ترك الدراسة مجبراً بعد إغلاق المدارس في محلية غبيش بولاية غرب كردفان، عقب اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، ومغادرة المعلمين المنطقة أو توقفهم عن التدريس نتيجة انهيار المنظومة التعليمية.
انتظر إسماعيل أكثر من عامين على أمل عودة الدراسة، لكن ذلك لم يحدث، فحزم أمتعته برفقة عدد من أقرانه، واتجهوا إلى شمال السودان، حيث ينتشر آلاف المعدنين في الصحراء وبين الجبال بحثاً عن الذهب بوسائل تقليدية شاقة.
لم يكن الذهب خيار إسماعيل الأول، لكنه أصبح بالنسبة إليه مصدراً للدخل وإعالة أسرته بعد توقف الزراعة التي كان يعتمد عليها والده. وصل الشاب من غرب كردفان إلى منطقة أبو حمد بولاية نهر النيل بعد رحلة شاقة، سلك خلالها مسارات غير معتادة لتجنب ارتكازات قوات الدعم السريع، التي يقول إنها كانت تمنع سفر الشباب بحجة منعهم من الانضمام إلى الجيش. وبعد ثلاثة أيام من مغادرة غبيش، وصل إسماعيل إلى الأبيض، رغم أن الرحلة في الظروف الطبيعية لا تستغرق أكثر من ثماني ساعات.
في أبو حمد، يعمل إسماعيل مع مجموعة من المعدنين داخل بئر يملكها شخص حصل على ترخيص ملكيتها من السلطات المحلية، وفق إفادته. ويتناوب العمال على العمل داخل البئر في “وردية” تستمر أسبوعين، يكسّرون خلالها الصخور، ويخرجونها إلى السطح، قبل نقلها إلى عمليات الطحن والغسل لاستخراج الذهب.
يقول إسماعيل: “الحمد لله مسترزقين، أنا أحصل بعد كل وردية على نحو جرام أو جرام ونصف”. ولا يحتفظ الشاب بما يحصل عليه لنفسه، إذ يرسل جزءاً من دخله إلى والده وشقيقيه الذين يعتمدون عليه بصورة كاملة بعد توقف مصدر دخل الأسرة من الزراعة بسبب الحرب.

التعدين التقليدي.. المساهم الأكبر في إنتاج الذهب
لم يصبح معتز إسماعيل حالة منفردة، فقد دفع انهيار قطاعات اقتصادية وتراجع فرص العمل خلال سنوات الحرب آلاف السودانيين إلى مناطق التعدين التقليدي، بحثاً عن مصدر دخل يمكن أن يوفر احتياجات أسرهم.
ارتفع عدد العاملين في التعدين التقليدي إلى أربعة ملايين شخص في عام 2025
الشركة السودانية للموارد المعدنية
ويحتل التعدين الأهلي والصغير موقعاً رئيسياً في إنتاج الذهب بالسودان. وتشير بيانات الشركة السودانية للموارد المعدنية إلى ارتفاع عدد العاملين في التعدين التقليدي إلى نحو أربعة ملايين شخص في عام 2025، مقابل نحو مليوني معدن تقليدي أحصتهم بيانات سابقة للشركة عام 2021، عندما سجلت 73 سوقاً للتعدين. وتشير البيانات نفسها إلى أن نطاق النشاط تقلص من 14 ولاية قبل الحرب إلى ست ولايات نتيجة الأوضاع الأمنية.
وتكشف بيانات الشركة أيضاً الوزن المتزايد للتعدين التقليدي في إنتاج الذهب. فقد بلغ إنتاج السودان خلال عام 2025 نحو 70.15 طناً، استحوذ التعدين التقليدي منها على 58.376 طناً، أي نحو 83% من الإنتاج، مقابل 5.678 طن من شركات معالجة المخلفات، و5.963 طن من شركات الامتياز، و0.141 طن من التعدين الصغير.
وفي العام نفسه، بلغت قيمة صادرات الذهب نحو 1.536 مليار دولار، بما يمثل قرابة 58% من إجمالي الصادرات السودانية البالغة 2.639 مليار دولار، بينما بلغت صادرات الذهب خلال النصف الأول من 2026 نحو 1.135 مليار دولار، أي قرابة 74% من إجمالي الصادرات خلال الفترة نفسها.، بحسب بيانات بنك السودان المركزي
وتشير دراسة لمعهد تشاتام هاوس إلى أن التعدين الأهلي والصغير كان بالفعل المساهم الأكبر في إنتاج الذهب السوداني قبل الحرب، وأن طبيعته التقليدية الواسعة النطاق جعلت تنظيمه أكثر صعوبة. كما تعتمد عمليات التعدين التقليدي على وسائل غير كفؤة لا تستخلص سوى نسبة محدودة من الذهب الموجود في الخام، وتترك الذهب والزئبق في المخلفات.
البحث عن الذهب مخاطرة يومية
يعمل إسماعيل وزملاؤه داخل الآبار من دون أدوات حماية حقيقية، بحسب إفادته، ولا يستخدمون سوى قطع من القماش يلفونها حول وجوههم لمحاولة منع استنشاق الأتربة. ويقول إن المعدنين يحرقون حبيبات الذهب باستخدام مادة الزئبق، ولا يكترثون كثيراً لدخانه الذي يستنشقونه أثناء العمل.
وفي مناطق التعدين بغرب كردفان ودارفور، تزداد المخاطر المرتبطة بطبيعة الأرض، بحسب المعدن التقليدي صلاح حسن أبو جادين، الذي يعمل في منطقة فوجا بولاية غرب كردفان. ويقول أبو جادين لـ(عاين) إن طبيعة الأرض في شمال السودان أكثر تماسكاً في بعض المناطق بسبب طبيعتها الحجرية، بينما توجد في كردفان ودارفور أراضٍ رملية هشة، ما يزيد حوادث الانهيار، خصوصاً عندما تتوسع عمليات الحفر وتتقارب الآبار من بعضها.
ويقول إن منطقة فوجا تستضيف آلاف النازحين الذين تضاعفت أعدادهم بعد الحرب، ويعملون في بيئة عالية الخطورة مع تراجع الأمن وغياب السلطات في المنطقة الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.
ويفسر مهندس الجيولوجيا وضاح غازي لـ(عاين) جانباً من هذه المخاطر بطبيعة التكوينات الجيولوجية في كثير من مناطق التعدين التقليدي، حيث توجد طبقات من الرمال والحصى والطين والمواد المفككة فوق الصخور، وقد تكون ضعيفة التماسك وقابلة للانهيار، خصوصاً مع زيادة العمق أو وجود المياه.
ويقول غازي إن الحفر المتقاربة والعشوائية من أخطر العوامل، لأنها تضعف الكتل الأرضية الموجودة بين الآبار وقد تؤدي إلى اتصال الحفر والأنفاق تحت الأرض. ومع استمرار إزالة المواد، قد يفقد الجزء المتبقي قدرته على تحمل الأحمال، فيحدث انهيار يمكن أن يمتد إلى الحفر المجاورة.

الآبار تتحول إلى مقابر
في منطقة فوجا بولاية غرب كردفان، اتخذت مخاطر التعدين شكلاً أكثر فتكاً. يقول صلاح حسن أبو جادين، إن المنطقة شهدت واحدة من أكبر كوارث التعدين خلال الفترة الأخيرة، عندما انهارت الأسابيع الماضية مجموعة من الآبار وبداخلها عشرات المعدنين، في ظل غياب فرق الإنقاذ والمعدات اللازمة لانتشال العالقين.
وانهارت في 13 سبتمبر 2026 نحو ست آبار تعدين تقليدي متلاصقة تمتد على مسافة أكثر من كيلومتر في منطقة “الزرع” التابعة لإدارية فوجا شمال غرب النهود بولاية غرب كردفان، ما أدى إلى مصرع وفقدان أكثر من 70 معدناً تقليدياً، مع بقاء العدد الحقيقي للعالقين غير معروف.
ويقول المعدن أبو جادين إن غياب فرق الإنقاذ المتخصصة جعل محاولة الوصول إلى العالقين مهمة شاقة، خصوصاً مع هشاشة التربة الرملية التي حدت من قدرة الأهالي على استخدام وسائل بدائية للحفر وانتشال الضحايا.
حادثة فوجا لم تكن منفصلة عن سلسلة حوادث أخرى مشابهة، فهناك نحو 25 حادثاً في التعدين التقليدي وقعت خلال 2025 وفق بيانات الشركة السودانية للموارد المعدنية، وأسفرت عن 51 وفاة و29 إصابة، مقابل 39 حادثاً في التعدين المنظم. وتشير بيانات سابقة للشركة إلى وفاة 172 معدناً تقليدياً خلال عام 2022.
آبار بلا حماية
يقول مهندس الجيولوجيا حسام حسن، الذي يعمل في منطقة تركمان بالولاية الشمالية، إن عمليات التعدين العشوائي غالباً ما تتم دون مراعاة كافية للخواص الهندسية للصخور المحيطة، إذ يركز المنقبون على تتبع “العرق” الذي يحتوي على الذهب، من دون الاهتمام بدرجة ثبات البئر أو وجود الشقوق والكسور التي يمكن أن تؤدي إلى انهياره.
ويضيف حسن لـ(عاين): “يمكن أن تمتد الآبار التي يحفرها المعدنون التقليديون لمسافات تتراوح بين 20 و30 أو 50 متراً، وقد تصل أحياناً إلى 100 متر”.
ويشير حسن إلى أن الدعائم لا تستخدم عادة إلا بعد حدوث مشكلة في البئر، وحتى في هذه الحالة لا تكون دعائم هندسية نظامية، بل قد يستخدم العمال جوالات مملوءة بالتراب لإسناد الجزء المعرض للانهيار.
الحُفر المتقاربة والعشوائية، تضعف الكتل الأرضية الموجودة بين الآبار، وقد تؤدي إلى اتصال الحفر والأنفاق تحت الأرض ما يؤدي إلى الانهيار.
مهندس جيولوجي
ويضيف: “توجد مؤشرات يمكن أن تسبق الانهيار، من بينها سقوط أجزاء صغيرة من الصخور أو ظهور شقوق وكسور وفواصل هندسية في الصخور، لكن تجاهل هذه المؤشرات يؤدي إلى انهيار الآبار، مشيراً إلى وجود منطقة في الولاية الشمالية تحمل اسم “المراحيم” نسبة للضحايا الذين تم دفنهم تحت الأنقاض نتيجة انهيارات آبار التعدين.
من جهته يشرح مهندس الجيولوجيا محمد الهادي بدر الدين، العامل في منطقة دار مالي قرب عطبرة بولاية نهر النيل، لـ(عاين) أن التعدين التقليدي يختلف عن التعدين الذي تنفذه الشركات، إذ يجري فتح المناجم عادة بطريقة عشوائية ودون دراسة هندسية مسبقة، بينما تدرس الشركات الموقع لتحديد الطريقة المناسبة لفتح المنجم واستخلاص الخام.
ويشير إلى أن الحفر التقليدي يبدأ بمدخل يعرف باسم “الكباية” بعمق نحو خمسة أو ستة أمتار، قبل التفرع إلى آبار وأنفاق تتبع امتداد “العرق”. وتترابط هذه الأنفاق، التي تعرف باسم “الأجنحة”، تحت الأرض، فيما تُفتح آبار أخرى للتهوية تعرف باسم “الشبابيك” لتجديد الهواء داخل الأنفاق.، وفق بدرالدين

لماذا تنهار الآبار؟
يتفق المهندسون الجيولوجيون الذين تحدثوا لـ(عاين)، على أن طبيعة التربة والصخور، وعمق الحفر، ووجود المياه، وتقارب الآبار، وطريقة فتح الأنفاق، وعدم استخدام التدعيم الهندسي، كلها عوامل تؤدي إلى انهيار الآبار.
يقول الجيولوجي حسام حسن أن السيول يمكن أن تزيد المخاطر أيضاً. ويشير إلى حادثة وقعت قبل عامين أو ثلاثة في منطقة وادي حلفا، عندما جرفت السيول الطمي إلى داخل آبار العمل، ما أدى إلى توقف النشاط لفترة طويلة.
كذلك يقول الجيولوجي محمد الهادي بدر الدين، إن بعض المعدنين أصحاب الخبرة يستطيعون تقييم صلابة المنجم من خلال طبيعة الصخور والآبار الموجودة فيه، كما يختلف مستوى الاستقرار بحسب الطبقات الجيولوجية التي يجري العمل فيها.
في الوقت الذي يساهم فيه المعدنون التقليديون بأكثر من 58 طناً من الذهب في الإنتاج السنوي، يعمل هؤلاء المعدنين داخل آبار عميقة من دون معدات حماية أو فرق إنقاذ متخصصة. وتبدو المخاطرة لمعتز إسماعيل، أقل أهمية من الحاجة إلى الدخل، بعدما أصبحت مصدر رزق أسرته في بلد عطلت الحرب فيه الدراسة والزراعة وفرص العمل، فيما يمكن أن تتحول البئر في أية لحظة إلى مقبرة جماعية.


































