النيل الأزرق.. معارك تتسع ونازحون تحاصرهم الأمطار ونقص الغذاء

عاين- 10 سبتمبر 2026

لم تجد مئات العائلات الفارة من مناطق القتال في ولاية النيل الأزرق سوى مخيمات مؤقتة أقيمت على عجل بمناطق نزوحهم، في وقت يحاصرهم فيه موسم الأمطار ونقص الغذاء والدواء ومعينات الإيواء.

داخل هذه المواقع، تحاول هذه العائلات حماية أطفالها من الأمطار تحت مشمعات محدودة، فيما يتزايد انتشار الباعوض مع غياب الناموسيات. ويقول عاملون في غرف الطوارئ الإنسانية إن “الاحتياجات تتسع بصورة أسرع من قدرة الجهات الإنسانية على الاستجابة”، بالتزامن مع استمرار حركة المدنيين بعيداً عن مناطق المواجهات في قيسان والكرمك والمناطق الحدودية مع إثيوبيا.

احتياجات متزايد

يقول الناشط المجتمعي وعضو غرف طوارئ جنوب النيل الأزرق، يوسف الفحل، لـ(عاين)، إن مناطق سيطرة قوات الدعم السريع والحركة الشعبية المتحالفة معها في محلية قيسان تضم عدة مواقع مؤقتة تستقبل أعداداً كبيرة من الأسر النازحة.

حيث يوضح، أن موقع طيبة يضم نحو 250 أسرة، وشورغلي قرابة 300 أسرة، بينما تستضيف صنصقالو حوالي 500 أسرة وفامدودوا نحو 700 أسرة، إضافة إلى 400 أسرة في مشنق إير، هذا فيما يتعلق بمحلية قيسان. أما في اتجاه محافظة الكرمك، أضاف الفحل، أن معسكر زوزك يضم نحو 800 أسرة، بينما تستقبل ثلاثة مواقع في منطقة أوف حوالي 1200 أسرة.

ويصف الفحل، أوضاع هذه المواقع بأنها “مأساوية”، مشيراً إلى غياب الأدوية، إلى جانب نقص المواد الغذائية ومستلزمات الإيواء، خصوصاً المشمعات والبطاطين والفرش والناموسيات. مشيرا إلى أنه تزداد صعوبة الظروف خلال موسم الأمطار وانتشار الباعوض، ما يثير مخاوف من انتشار الملاريا وحمى الضنك.

كما تواجه النساء نقصاً في مستلزمات أساسية، بينها الصابون والفوط الصحية ومعجون الأسنان والفرش والملابس الداخلية والأحذية، على حد وصفه.

احتياجات أكبر من الاستجابة

وتشير تقديرات غرف الطوارئ إلى أن الأزمة لا تقتصر على المواقع الجديدة في جنوب الإقليم. حيث يقدر مصدر من غرف طوارئ الدمازين، فضل حجب اسمه، عدد النازحين في المحليات الوسطى والشمالية للإقليم بنحو 370 ألف شخص، يقيمون في مراكز إيواء ومعسكرات موزعة على محليات مختلفة.

ويضيف المصدر في حديثه لـ(عاين): أن “محافظة قيسان وحدها شهدت نزوحاً جديداً يقدر بنحو 59 ألف شخص، تحرك بعضهم إلى مناطق شيرا وبابنوسة وأبوقمي وأبلا، فيما اتجه آخرون إلى محليات أخرى”.

وفي محلية ود الماحي، يصل بعض النازحين عبر النيل بالمراكب، قبل أن يتوزعوا على مراكز إيواء في بمبدي وألمان والمدينة (6) وبلقوة وياغورو والمدينة (4).

كما أدت التطورات إلى مغادرة سكان المدينة (12)، إلى جانب أكثر من 20 ألف شخص كانوا يقيمون أصلاً في مراكز الإيواء، بحسب المصدر. الذي يضيف أنه في باو والدمازين، تجاوز عدد الواصلين الجدد إلى مراكز الإيواء والمعسكرات 13 ألف شخص.

ويقول المصدر، إن توفير المأوى يمثل الأولوية العاجلة، إذ وصل بعض النازحين إلى مناطق الاستقبال دون وسائل تحميهم من الأمطار، بينما يحتاج آخرون إلى الغذاء والعلاج والمستلزمات النسوية. مبيناً أنه رغم تدخلات منظمات ومؤسسات إنسانية، فإن حجم الاحتياجات لا يزال أكبر من الاستجابة المتاحة.

الحدود تتحول إلى ملاذ

تفرض طبيعة الإقليم الحدودية مسارات مختلفة على المدنيين الفارين من القتال، بحسب موقعهم من مناطق السيطرة وخطوط المواجهة.

ويقول الناشط السياسي وأحد أبناء النيل الأزرق، أشرف حسن لـ(عاين): إن “سكان مناطق جنوب الكرمك الواقعة تحت سيطرة الحركة الشعبية بقيادة جوزيف توكا، ومن بينها شالي الفيل وبليلة ويابوس، لجأوا إلى منطقة البونج في جنوب السودان، بينما اتجه آخرون إلى بني شنقول قمز في إثيوبيا.

ويوضح حسن، أنه في المناطق الجنوبية من الكرمك الواقعة تحت سيطرة الحكومة، ومنها خور البودي والزريبة وجرط، تحرك السكان شمالاً باتجاه باو والدمازين، مع لجوء بعضهم إلى إثيوبيا. أما في قيسان، فقد اتجه سكان المناطق الخاضعة للحكومة، ومن بينها قيسان المدينة وبكوري وإلياس والمدينة (12)، نحو باو والدمازين والرصيرص، بينما عبر سكان المناطق الخاضعة للحركة الشعبية الحدود باتجاه إثيوبيا.

ويتابع: أن “حالة عدم الاستقرار امتدت إلى الرصيرص والدمازين، حيث نزح عدد من السكان إلى سنار والخرطوم، بالتزامن مع تراجع النشاط التجاري نتيجة مغادرة أعداد كبيرة من التجار”.

ويعتبر حسن، أن تطورات النيل الأزرق لم تعد منفصلة عن التنافس الإقليمي، محذراً من أن استمرار العمليات قد يدفع بمزيد من السكان إلى مغادرة مناطقهم.

في النيل الأزرق، تتقاطع الآن ثلاثة عوامل تضغط على المدنيين في وقت واحد، تتمثل في اتساع نطاق القتال، إلى جانب استمرار النزوح، بالإضافة إلى ضعف القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية.

فالأسر التي وصلت إلى مناطق الاستقبال لا تزال تبحث عن مأوى يحميها من الأمطار، وعن دواء لمواجهة الأمراض، بينما يظل احتمال تجدد العمليات قائماً مع انحسار موسم الخريف.

ومع استعداد أطراف الحرب لجولة جديدة من التحركات العسكرية، يبقى المدنيون في النيل الأزرق أمام احتمال أن تتحول موجة النزوح الحالية إلى أزمة أطول وأكثر اتساعاً، تمتد داخل السودان وعبر حدوده الشرقية والجنوبية. توقعات بتوسع المعارك

توقعات بتوسع المعارك

على الأرض ما زال توسع المعارك مستمرا ما يثير مخاوف واسعة من تأثير بالغ على المدنيين، ويرى الباحث في شؤون القرن الأفريقي خالد طه، إن عودة العمليات البرية بعد الخريف يعني موجة نزوح جديدة باتجاه الدمازين والحدود الإثيوبية، في وقت تعاني فيه الخدمات الصحية والجهات الإنسانية من نقص التمويل والموارد. ويشير طه في مقابلة مع (عاين)، إلى أن إقليم النيل الأزرق مرشح للانتقال من جبهة طرفية إلى محور أكثر أهمية في الحرب، بحكم موقعه الحدودي وصلته بالتطورات داخل إثيوبيا.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *