تحت الحصار والمسيّرات.. المدنيون في الأبيض على كفِّ مصيرٍ مجهول

عاين- 22 يونيو 2026

داخل منازل صغيرة شُيِّدت من القش والحطب والمشمعات، بمنطقة خور طقت شرقي مدينة الأبيض، يعيش عشرات النازحين الذين فروا قبل أشهر من مناطقهم التي تحولت إلى بؤر صراع ملتهبة، بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. كان هؤلاء يعتقدون أن رحلتهم مع الخوف انتهت، وأن الأبيض ستكون ملاذهم الأخير، لكنهم اليوم على وشك التأهب لنزوح جديد مع استمرار تحليق الطائرات المسيّرة فوق رؤوسهم والمخاوف من هجوم وشيك لقوات الدعم السريع على المدينة.

ظروف قاسية يعيشها سكان مدينة الأبيض هذه الأيام، وخاصة النازحين الذين كانوا قد جاؤوها فارين من مناطق مثل “الخوي والدبيبات والحمادي” وغيرها من المناطق التي أصبحت خطوط تماس في غرب كردفان، وتوزعوا في عشرات مراكز الإيواء المؤقت وآخرين مستضافين مع أقاربهم في أحياء المدينة، وقد أصبح هؤلاء يستيقظون يومياً على وقع هجمات متكررة بالطائرات المسيرة التابعة لقوات الدعم السريع.

ويبلغ مواطنون من مدينة الأبيض (عاين)، إن الطائرات المسيرة ظلت تحلق باستمرار في سماء المدينة، وتنفذ غارات على مواقع داخلها، حيث استهدفت خلال الأيام الماضية محطات الوقود، وتسبب ذلك في أزمة وقود حادة، ثم جاء قصف المحطة التحويلية للكهرباء كآخر المرافق الخدمية التي استهدفتها الطائرات المسيرة، مما جعل المدينة تعيش في ظلام تام لليوم الرابع على التوالي.

آلاف النازحين الذين فروا من جحيم الحرب في دارفور وكردفان إلى مدينة الأبيض باتوا اليوم يخشون الإجبار على النزوح مجدداً.

متطوع

وذكر معز زكريا، وهو اسم مستعار لمتطوع بمدينة الأبيض، أن أزمة الوقود وانقطاع الكهرباء خلقت بدورها أزمة في مياه الشرب بعدما تعطلت كثير من مولدات الكهرباء ومضخات المياه، حيث تحولت رحلة الحصول على الماء إلى معاناة يومية بالنسبة للسكان، خصوصاً النازحين الذين يعيشون في مراكز الإيواء أو المخيمات على أطراف المدينة.

“آلاف النازحين الذين فروا من جحيم الحرب في دارفور وكردفان إلى مدينة الأبيض باتوا اليوم يخشون الإجبار على النزوح مجدداً، بعد أن وجدوا أنفسهم بالفعل تحت تهديدات القصف والعطش والجوع وانعدام الأمن”، يضيف زكريا لـ(عاين).

في مخيم خور طقت يعيش سليمان بشير منذ أكثر من عام بعد أن جاء نازحاً برفقة أسرته من منطقة “الفينقر” غرب مدينة الدبيبات، لكنه أصبح اليوم يخشى أن يُجبر على النزوح مجدداً من المدينة التي أصبحت في مرمى نيران قوات الدعم السريع.

فارون من مدينة الأبيض- الصورة أرشيفية

يقول بشير لـ(عاين): إن “الأوضاع داخل مخيم الإيواء غير جيدة، إذ لا تكفي المساعدات القليلة التي تقدمها المنظمات المحلية وحكومة الولاية، ومعظم النازحين نفدت مدخراتهم المالية، وباتوا يعتمدون على وجبة واحدة في اليوم”.

وأوضح أن القصف الذي تنفذه الطائرات المسيرة على مدينة الأبيض منذ أيام أثر بشكل كبير على حركة الأسواق ونقل البضائع والأدوية، علاوة على انقطاع الكهرباء والمياه، مما فاقم الأوضاع الإنسانية، مشيراً إلى مستقبل قاتم ينتظر النازحين بالأبيض حال اندلعت المعارك داخل المدينة، لأن الغالبية لا يملكون المال للمغادرة، وقد يضطرون للسير على الأقدام نحو ولاية النيل الأبيض، حسب قوله.

من جهتها تفيد مريم حامد، وهي أرملة تعيل أسرة مكونة من ثلاثة أطفال، إنها نزحت من مدينة الدبيبات في مايو 2025، وتقيم حالياً في مركز إيواء بمنطقة خور طقت، وتعتمد في معيشتها على تحويلات مالية يرسلها إليها شقيقها الموجود في ليبيا.

وأشارت في حديثها لـ(عاين) إلى أن “النازحين يعانون بشدة من نقص الغذاء، وسط تردي الوضع الصحي، إذ يوجد أصحاب أمراض مزمنة، خصوصاً كبار السن، فضلاً عن معاناة النساء الحوامل”، قائلة إنها ستنزح مجدداً إلى أم درمان حال وصلت الحرب إلى مدينة الأبيض.

وكانت مدينة الأبيض قد تحولت في الآونة الأخيرة إلى ملاذ إنساني كبير يستضيف عشرات الآلاف من الأسر التي فقدت منازلها في غرب كردفان، إذ تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 100 ألف نازح داخل المدينة والمناطق المحيطة بها، لكن استمرار الحرب يجعل هذا الملاذ نفسه عُرضة لمخاطر إنسانية وأمنية متزايدة.

وتشير منظمة أطباء بلا حدود في تقرير صدر يناير الماضي إلى أن الأوضاع المعيشية في مواقع النزوح صعبة للغاية، حيث تعاني نقص مياه الشرب واكتظاظ في دورات المياه، إذ يتشارك مئات الأشخاص في مرحاض واحد، وسط نقص الغذاء والمواد الأساسية.

وقبل يومين حذرت 21 دولة غربية، إضافة إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومفوض حقوق الإنسان، من أن أكثر من 500 ألف مدني، بينهم أكثر من 100 ألف نازح، في مدينة الأبيض قد يواجهون مخاطر كبيرة إذا تحولت المدينة إلى ساحة قتال واسعة، أو تعرضت لهجوم من قوات الدعم السريع.

ما أهمية الأبيض؟

تقع مدينة الأبيض في وسط السودان تقريباً، وتربط بين كردفان وإقليم دارفور من جهة، وبين الخرطوم والولايات الوسطى من جهة أخرى، بالإضافة إلى شمال السودان وصولاً إلى منطقة المثلث الحدودية مع ليبيا ومصر، وهي طرق تمر عبرها حركة الإمدادات العسكرية والحركة التجارية.

وتضم الأبيض مقر الفرقة الخامسة مشاة التابعة للجيش السوداني، وهي واحدة من أهم الفرق العسكرية في البلاد، وظل الجيش متمسكاً بها رغم الحصار الذي فرضته قوات الدعم السريع على المدينة لفترات طويلة.

ويشير الناشط السياسي صلاح حسن جمعة، إلى إن مدينة الأبيض تُعد هدفاً ذا قيمة عسكرية ولوجستية واقتصادية وسياسية، موضحاً أن قوات الدعم السريع قد تسعى للسيطرة عليها من أجل تأمين ممر استراتيجي يربط مناطق نفوذها الرئيسية في دارفور بكردفان، لتسهيل حركة قواتها وإمداداتها بين غرب السودان ووسطه.

الصراع على الأبيض قد يتجاوز هدف السيطرة على المدينة إلى مرحلة تقسيم البلاد فعليا بين الجيش وقوات الدعم السريع

الناشط السياسي صلاح حسن جمعة

وينوه جمعة في مقابلة مع (عاين)، إلى أن الأبيض تضم واحدة من أكبر أسواق السودان، وتعتبر المدينة تاريخياً مركزاً لتجارة الصمغ العربي والحبوب والمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية، الأمر الذي يجعلها مورداً اقتصادياً مهماً لأي طرف عسكري، بعد أن أصبحت السيطرة على المدن والأسواق والمعابر مصدراً للإيرادات من خلال الرسوم والجبايات وحركة النقل، حسب قوله.

وحذر من أن الصراع على الأبيض قد يتجاوز هدف السيطرة على المدينة إلى مرحلة انقسام البلاد فعلياً بين الجيش وقوات الدعم السريع، مبيناً أن سيطرة الأخيرة عليها ستكون مؤشراً قوياً على تقسيم البلاد بين سلطتين.

تعزيز موقف

من جهته يرى الضابط المتقاعد بالجيش السوداني والمختص في القانون الدولي الإنساني، ضياء الدين حسين، إن أي تقدم لقوات الدعم السريع باتجاه مدينة الأبيض يمثل تطوراً بالغ الحساسية في مسار الحرب، نظراً للأهمية الاستراتيجية للمدينة، والتي تمثل نقطة اتصال عسكرية ولوجستية واقتصادية مهمة.

حشود لقوات الدعم السريع حول المدينة- الصورة مواقع التواصل الاجتماعي

ويقول حسين لـ(عاين): إنه “في حال اجتياح قوات الدعم السريع للأبيض، على غرار ما حدث في مدينة الفاشر، قد يؤدي إلى توسع نطاق سيطرتها في إقليم كردفان، وفتح طرق إمداد جديدة، وتعزيز موقعها التفاوضي والعسكري في مواجهة الجيش السوداني. كما قد يؤدي إلى تغيير نسبي في موازين القوى، خصوصاً إذا ترافق مع فقدان الجيش لمواقع أخرى في كردفان”.

الانتهاكات الموثقة أو المتوقعة قد تؤثر بصورة مباشرة على شرعية أي مشروع سياسي مرتبط بتحالف “تأسيس” أو أي جناح سياسي داعم لقوات الدعم السريع

ضياء الدين حسين، مختص في القانون الدولي

وعلى الصعيد الإنساني، يؤكد حسين، أن القلق الأكبر يتمثل في احتمال وقوع انتهاكات واسعة ضد المدنيين، بما في ذلك عمليات نزوح قسري، وأعمال انتقامية، وتدهور الوضع الغذائي والصحي، خاصة في ظل التجارب السابقة. موضحاً أن حماية المدنيين تبقى التحدي الأكبر أمام المجتمع الدولي، الذي يواجه انتقادات بسبب محدودية قدرته على منع الانتهاكات أو فرض آليات فعالة للمساءلة، وفق قوله.

ويقول حسين: “الانتهاكات الموثقة أو المتوقعة قد تؤثر بصورة مباشرة على شرعية أي مشروع سياسي مرتبط بتحالف “تأسيس” أو أي جناح سياسي داعم لقوات الدعم السريع”، مبيناً أن الاعتراف الدولي بأي طرف مرتبط بمدى التزامه بالقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين.

وفي المقابل، ووفقا لضياء الدين، فإن فشل المجتمع الدولي في التعامل مع الانتهاكات قد يزيد تعقيد مسار السلام، ويعمق الانقسام السياسي والعسكري في السودان.

وضع إنساني صعب

وفيما يتعلق بالوضع الإنساني لسكان الأبيض، يقول الناشط السياسي صلاح حسن جمعة، إن المؤشرات الحالية الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، إلى جانب إفادات شهود العيان، تُظهر أن المدنيين في الأبيض يعيشون بالفعل أوضاعاً إنسانية قاسية، وأن أي حصار او هجوم على المدينة سيضاعف معاناة السكان، ويضع النازحين في مواجهة الانتهاكات.

وأضاف لـ(عاين): أن “النازحين الذين فروا إلى الأبيض من مناطق عدة في شمال وغرب كردفان، بينها الدبيبات والحمادي والنهود والخوي ويارا وقرى أخرى، باتوا يواجهون ظروفاً معيشية شديدة الصعوبة، في ظل محدودية الغذاء وشح المياه وارتفاع أسعار السلع الأساسية بصورة غير مسبوقة”.

نازحون من معارك غرب كردفان بمدينة الأبيض

وأوضح جمعة أن السكان يعيشون تحت ضغط نفسي وأمني يومياً؛ بسبب تكثيف ضربات الطائرات المسيّرة على المدينة، إلى جانب المخاوف المتزايدة من هجوم بري محتمل. وقال إن القصف المستمر منذ أكثر من أسبوعين أدى إلى خنق المدينة وتعطيل مظاهر الحياة اليومية بشكل شبه كامل.

“بات الحصول على مياه الشرب يمثل تحدياً يومياً للأسر، فيما تراجعت حركة المواصلات الداخلية إلى حد كبير، ما اضطر السكان إلى استخدام العربات التي تجرها الحيوانات كوسائل بديلة للتنقل، وسط نقص في السلع الاستهلاكية وارتفاع كبير في أسعارها”، يقول جمعة.

ويرى جمعة أن مؤشرات الأزمة الحالية تنذر بكارثة إنسانية تتطلب استعداداً عاجلاً من المنظمات الإنسانية والجهات المختصة لتوفير الاحتياجات الأساسية للنازحين والسكان، خاصة مع بداية موسم الأمطار الذي قد يفاقم الأوضاع.

قلق دولي

وفي بيان أصدره يوم السبت، أعرب أعضاء مجلس الأمن الدولي عن قلقهم إزاء الخطر الوشيك لوقوع فظائع جماعية، بعد التقارير التي تفيد بحشد تعزيزات عسكرية كبيرة من قبل قوات الدعم السريع حول مدينة الأبيض. وشدد أعضاء مجلس الأمن على ضرورة حماية المدنيين من قبل جميع الأطراف، والامتثال لالتزاماتهم بموجب القانون الدولي والوفاء بالتعهدات الواردة في “إعلان جدة”.

وكان المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك قال إن المبعوث الشخصي للأمين العام للسودان، بيكا هافيستو، تحدث يوم الجمعة الماضي مع قائد قوات الدعم السريع، الفريق محمد حمدان دقلو، وطلب منه خفض التصعيد في عاصمة ولاية شمال كردفان، “وتجنب أي إجراءات قد تزيد من تفاقم الوضع الإنساني المتردي أصلا وتعرض حياة المدنيين لمزيد من المخاطر”.

وأضاف أن المبعوث الشخصي شدد على ضرورة أن ينصب تركيز أطراف النزاع على “تعزيز الحوار لإنهاء الحرب”، كما ناقش مع حميدتي التطورات السياسية الأخيرة، من بينها الاجتماعات التي عقدتها مؤخرا اللجنة الخماسية التي تضم “الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة” بهدف تيسير التواصل مع الأطراف المدنية السودانية في أديس أبابا.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *