“قصف وتدمير”.. حرب على جسور شرايين حياة السودانيين
عاين- 17 يونيو 2026
عندما استهدفت طائرة مسيرة، جسر أردمتا بمدينة الجنينة في ولاية غرب دارفور فجر الثلاثاء الماضي، لم يكن الأمر مجرد ضربة عسكرية تصيب منشأة خرسانية تعبر فوق وادٍ موسمي، بل بدا الأمر وكأنه استهداف لشريان حياة تعتمد عليه ملايين الأسر في غرب السودان للحصول على الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية.
فالجسر الذي يربط منطقة أردمتا بمدينة الجنينة، لم يكن ممراً محلياً فحسب، وإنما بوابة استراتيجية تصل معبر أدري الحدودي مع تشاد بمدن دارفور المختلفة ثم إلى إقليم كردفان. وقد أصبح الجسر بعد اندلاع الحرب في السودان واحداً من أهم خطوط إمداد المساعدات الإنسانية والبضائع التجارية إلى مناطق يعيش سكانها بالفعل أوضاعاً إنسانية بالغة التعقيد.
غير أن تدمير جسر أردمتا لم يكن الحادثة الوحيدة في السودان، فقبلها بأيام تعرض جسر آخر في منطقة “كيقا” على الطريق الرابط بين مدينتي الدلنج وكادوقلي بولاية جنوب كردفان لقصف مماثل أدى إلى خروجه عن الخدمة، الأمر الذي أثار التساؤلات حول ما إذا كانت الجسور أصبحت أهدافاً عسكرية، أم أن ما حدث يمثل شكلاً جديداً من أشكال حصار المدنيين وتجويعهم.
ما أهمية جسر أردمتا؟
يقع الجسر المُدمر في ولاية غرب دارفور، ويفصل بين منطقة أردمتا ومدينة الجنينة، ويعتبر شريان حيوياً يربط غرب دارفور ببقية أجزاء الإقليم وكردفان، حيث يستخدم في نقل البضائع التجارية والمساعدات والإنسانية القادمة من معبر أدري إلى زالنجي ونيالا ثم بقية مدن دارفور مروراً إلى كردفان.
وحسب مصادر محلية وشهود عيان، تحدثوا لـ(عاين) فإن تدمير الجسر لم يؤثر بعد على حركة مرور الشاحنات والسيارات الأخرى، لأن الحركة في الوقت الحالي مستمرة عبر طرق بديلة تعبر وادي كجا الذي ما زال جافاً، إلا أن ذلك لن يدوم طويلاً، فبعد هطول الأمطار التي على وشك البداية ستمتلئ الأودية، وعندها لن يكون هنالك بديل من استعادة جسر أردمتا أو إنشاء جسر آخر، وإلا سيتوقف تدفق المساعدات من تشاد إلى دارفور وكردفان.
ووصفت المصادر حجم الضرر الذي لحق بالجسر بـ”الكبير” حيث اخترقت القذيفة وسط الجسر، وألحقت أضرارا بإحدى الدعامات الرئيسية كما دمرت خط أنابيب المياه الذي يصل من الجنينة إلى أردمتا، ما يجعل أمر إعادة تأهيله وصيانته يحتاج إلى وقت طويل.
جسر أردمتا يُعد مسارا حيويا لحركة النقل التجاري والإمدادات الإنسانية من تشاد إلى دارفور وكردفان، بينما تعطلت حركة المدنيين وعمليات الإغاثة بين كادوقلي والدلنج بسبب تدمير جسر على الطريق مع بداية موسم الأمطار.
فرحان حق، المتحدث باسم الأمم المتحدة
ومع ذلك أعلنت حكومة السلام التابعة لتحالف “تأسيس” شروعها في اتخاذ التدابير العاجلة لمعالجة الآثار المترتبة على تدمير الجسر، والعمل على توفير بدائل تضمن استمرار حركة المواطنين وانسياب المساعدات الإنسانية والسلع التجارية، بالتنسيق مع الشركاء المحليين والدوليين، وفق بيان.
وقال وزير الإعلام والناطق باسم الحكومة، خالد دناع، في بيان، إن “جسر أردمتا يعد الشريان الحيوي الذي يربط مدينة الجنينة بصفتها الشرقية، والمنفذ الرئيسي لحركة المواطنين وانسياب السلع التجارية والخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية إلى قطاعات واسعة من السكان”. مشيراً إلى أن استهدافه لا يمكن النظر إليه باعتباره عملاً عسكرياً عادياً، بل يمثل محاولة متعمدة لتعطيل حياة المدنيين وحرمانهم من مقومات العيش الأساسية.
واعتبر تدمير الجسر يهدد بصورة مباشرة جهود الإغاثة الإنسانية، ويؤثر سلباً على حركة التجارة والموسم الزراعي والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، مما يفاقم من معاناة المواطنين الذين يواجهون بالفعل ظروفاً إنسانية بالغة التعقيد.
وقال مصدر مطلع لـ(عاين): إن “حكومة ولاية غرب دارفور شكلت لجنة مختصة بإشراف وزارة التخطيط العمراني لمتابعة صيانة الجسر”، مؤكداً أن اللجنة أرسلت فريقاً فنياً إلى موقع الحادثة لتقييم الأضرار وتحديد ما إذا كانت الولاية بإمكانياتها تستطيع ترميمه أم لا.
وفي مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، أكد متطوعون استمرار تدفق المساعدات الإنسانية حيث ما زالت الشاحنات الإغاثية تصل من غرب دارفور، وسط توقعات بتوقف الحركة عقب استمرار فصل الخريف وجريان المياه في الأودية. وقال متطوع رفض ذكر اسمه لـ(عاين): إن “هنالك ارتفاعاً في أسعار السلع بالأسواق حيث بدأ التجار في تخزين البضائع ورفع أسعارها بعدما علموا بقطع جسر أردمتا”.
جسر آخر مدمر
ولم يكن جسر أردمتا وحده الذي تعرض للتدمير خلال اليومين الماضيين، فهنالك كوبري آخر على الطريق الرابط بين مدينتي الدلنج وكادوقلي في جنوب كردفان الواقعتين تحت سيطرة الجيش السوداني، تعرض لقصف بواسطة طائرة مسيرة أدت إلى قطع الطريق وإجبار السيارات على سلك طرق جانبية بديلة.
وذكرت مصادر محلية لـ(عاين) إن الجسر المدمر يقع على الشارع الرئيسي بين الدلنج وكادوقلي، حوالي 50 كيلو متر تقريباً شمال كادوقلي، ويعد معبر حيوياً لمرور حركة البضائع والمساعدات، وأكدت تدميره تماماً بواسطة الغارة الجوية التي تعرض لها بواسطة طائرة مسيرة يرجح تبعيتها لقوات الدعم السريع.

وأكدت المصادر، أن طريق الدلنج – كادوقلي أصبح مقطوعاً الآن بسبب القصف الذي تعرض له الجسر الواقع في منطقة “كيقا”، إلا أن الحركة لم تتوقف حتى الآن؛ لأن السيارات تمر عبر طريق جانبي مؤقت إلى حين هطول الأمطار، بعدها ستتوقف الحركة إن لم يُرَمَّم الجسر. مشيرة إلى أن الأمطار حين تهطل ستغمر الطريق الجانبي الحالي، ولن تستطيع حينها الشاحنات التوقف لعدة أيام في انتظار جفاف الأرض؛ لأن المنطقة غير آمنة، ومن الممكن أن تتعرض للنهب، الأمر الذي يجعل أصحاب الشاحنات التجارية والمساعدات الإنسانية يتوقفون عن الحركة تماماً.
استهداف الجسور يشكل انتهاكات جسيمة يمكن تصنيفها كجرائم حرب، وفقاً للقانون الدولي الإنساني وقواعد القانون الدولي الإنساني العرفي.
رنا عبدالغفار، ناشطة حقوقية
واعتبرت الناشطة الحقوقية، رنا عبدالغفار، أن استهداف وتدمير الجسور الحيوية في مناطق النزاع المسلح بالسودان، مثل حدث سابقاً مع جسر شمبات بالخرطوم والآن جسر أردمتا في غرب دارفور وجسر كيقا في جنوب كردفان، تدمير ممنهج للبنية التحتية، ويمثل تطوراً عسكرياً خطيراً وتكتيكاً كارثياً يلقي بظلاله مباشرة على الحماية المكفولة للمدنيين.
وقالت عبد الغفار لـ(عاين): إن “هذه الحوادث تشكل انتهاكات جسيمة يمكن تصنيفها كجرائم حرب مكتملة الأركان، وفقاً للقانون الدولي الإنساني ووفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، وأن القانون الدولي يُلزم أطراف النزاع بالتمييز دائماً بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية”.
إدانات واسعة
ووجد تدمير الجسرين في غرب دارفور وجنوب كردفان، إدانات واسعة على المستوى المحلي والخارجي. وقال فريق الأمم المتحدة الإنساني في السودان إن الهجمات على الجسور والطرق الحيوية يعرقل وصول المساعدات الإنسانية ويعرض المدنيين لمزيد من المخاطر.
وذكر المتحدث باسم الأمم المتحدة فرحان حق، أن جسر أردمتا يُعد مسارا حيويا لحركة النقل التجاري والإمدادات الإنسانية من تشاد إلى دارفور وكردفان، بينما تعطلت حركة المدنيين وعمليات الإغاثة بين كادوقلي والدلنج بسبب تدمير جسر على الطريق مع بداية موسم الأمطار.
كذلك أدانت الولايات المتحدة الأمريكية قصف جسر أردمتا الحيوي بولاية غرب دارفور، مؤكدة أن الجسر يمثل أحد أهم شرايين نقل المساعدات الإنسانية والإمدادات الإغاثية إلى ملايين المتضررين من النزاع في السودان.
ويحذر شركاء الأمم المتحدة في المجال الإنساني من عدم وجود طرق بديلة قابلة للاستخدام بمجرد اشتداد الأمطار الموسمية.
لا ميزة عسكرية
وبينما تقول الناشطة الحقوقية، رنا عبد الغفار، إن الجسور بطبيعتها أعيان مدنية، واستهدافها يتطلب إثبات أنها تساهم مساهمة فعالة في العمل العسكري، وأن تدميرها يقدم ميزة عسكرية حاسمة ومباشرة. استبعد مصدر عسكري أن يؤثر قطع جسر أردمتا على قوات الدعم السريع، لجهة أن عتادها العسكري يصل جواً إلى نيالا ومنها إلى المحاور المتقدمة، كما أن الجنينة تعد من المناطق الآمنة، ولا تواجه أي تهديد عسكري بري.
وقال المصدر العسكري الذي فضل حجب اسمه لـ(عاين): إن “خطوط إمداد قوات الدعم السريع، تمر بعيداً عن جسر أردمتا وفقاً لخارطة الصراع الحالي، حيث من الراجح أن يأتي الإمداد العسكري لجبهة كردفان من نيالا والمثلث على الحدود الليبية، بينما يصل إلى جبهة النيل الأزرق من الحدود الشرقية للبلاد.

تقول رنا عبدالغفار لـ(عاين): إنه “حتى لو استخدمت أطراف عسكرية هذه الجسور للعبور، فإن تدميرها بالكامل يُحدث ضرراً عرضياً مفرطاً يفوق بكثير أي ميزة عسكرية متوقعة، نظراً للاعتماد الكلي للمدنيين عليها للبقاء”. مشيرة إلى أن القانون الدولي الإنساني يحظر قطع طرق الإمدادات الغذائية والطبية الموجهة للمدنيين، وأن عرقلة المساعدات وتدمير البنى التحتية اللازمة لإيصالها يُعد انتهاكاً صارخاً لهذا الحظر العرفي ويسهم في مفاقمة مسببات المجاعة.
وتوقعت عبدالغفار أن يؤدي تدمير جسر أردمتا إلى تهديد جدي بعزل مدينة الجنينة وضفتها الشرقية، لجهة أن الجسر يعد الممر اللوجستي الأساسي لتدفق الشاحنات الإنسانية القادمة من تشاد، وأن توقفه يقطع الغذاء والدواء عن ملايين المحتاجين في ولايات دارفور وكردفان. بينما يتسبب قطع الجسر الرابط بين الدلنج وكادوقلي في وضع عشرات الآلاف من المدنيين تحت حصار خانق يمنع حركتهم الطبيعية.
“تزامنت الهجمات مع دخول فصل الخريف والأمطار الموسمية الغزيرة، مما يعني أن الطرق البديلة والوديان ستصبح غير قابلة للعبور إطلاقاً. هذا الوضع يحول دون إيجاد أي مسارات التفافية لمرور السلع الأساسية والمساعدات” تقول رنا عبدالغفار. وتحذر من أن قطع هذه “الشرايين” يسرّع من انزلاق المدنيين نحو مستويات المجاعة الحادة والموت نتيجة نقص الرعاية الطبية والأدوية المنقذة للحياة، وسط شلل تام لحركة التجارة المحلية وانسياب السلع. منبهة إلى أن حماية الأعيان المدنية والبنية التحتية الأساسية ليست خياراً تكتيكياً للمتقاتلين، بل التزام قانوني صارم لا يسقط تحت أي مبرر عسكري.




















