البحر الأحمر .. تداخل الأمني مع الاقتصادي بين السودان ودول خليجية
عاين- 25 مايو 2026
مع استمرار الحرب الدائرة في السودان، لم تعد التحركات الإقليمية مجرد استجابات إنسانية عابرة، بل تحولت بورتسودان وسواحل البحر الأحمر إلى رقعة “جيوسياسية” معقدة. فبين رغبة خليجية حثيثة لتأمين سلاسل الإمداد ومحاصرة التمدد الإيراني، وحاجة سودانية ماسة لسيولة مالية تحفظ هيكل الدولة من الانهيار، يبرز المحور السعودي-القطري كفاعل رئيسي يرسم ملامح مرحلة جديدة؛ مزيج من “الدبلوماسية المرنة” و”أدوات الضغط الناعمة” يعيد ربط السودان بالمحيط الخليجي اقتصادياً لملء الفراغ الدولي الراهن.
ويعتبر اقتصاديون ومحللون تحدثت البهم (عاين) إن استئناف القوى الخليجية للنشاط التجاري مع السودان في هذا التوقيت الحرج يتجاوز الأطر الاقتصادية ليصبح ضرورة أمنية ملحة. فمع استمرار القتال، تنظر الرياض بقلق بالغ إلى الساحل الشرقي للسودان، حيث يمثل الفراغ الأمني بيئة مثالية لتوغل طهران. ويأتي القرار الاستراتيجي بإعادة إحياء الشراكات التجارية وضخ الدماء في شريان الصادرات عبر البحر الأحمر، كخطوة عملية لاحتواء الموقف، ومنع تحول الموانئ السودانية إلى منصات تهديد مباشر للأمن القومي الخليجي وسلاسل الإمداد العالمية.
فك العزلة اللوجستية
“حركة التجارة والتعاون الاقتصادي السوداني مع السعودية في الفترة من 2024 إلى 2026 شهدت تقلبات حادة فرضتها ظروف الحرب؛ حيث أظهرت البيانات أن حجم الواردات السعودية من السودان بلغ نحو 2.1 مليار ريال ورغم تراجعه بنسبة 31.5% مقارنة بالسنوات التي سبقت الحرب، إلا أن هذا الرقم يؤكد مرونة العلاقات التجارية وقدرتها على الصمود”. يقول الباحث في السياسات الاقتصاد، نجم الدين داؤود لـ(عاين).
ويعتبر نجم الدين، الخطوة المعلنة من قبل الخطوط الجوية القطرية باستئناف رحلاتها إلى مطار بورتسودان الدولي مؤشراً اقتصادياً بالغ الأهمية؛ إذ تساهم هذه السياسات في فك العزلة وتنشيط التبادل، ومن المتوقع أن يتبعها زيادة في حركة الشحن الجوي وتسهيل حركة رجال الأعمال. ويتابع: أن “البحر الأحمر يظل شريان الحياة للاقتصاد السوداني، لكونه الممر الذي تعبر منه 90% من التجارة الخارجية للبلاد”.
صادر اللحوم.. طوق نجاة مالي
وعلى الصعيد الميداني للقطاع الخاص، يؤكد أحد رجال الأعمال الناشطين في تجارة المواشي بين بورتسودان والرياض -والذي فضّل حجب اسمه- أن تنشيط صادر اللحوم إلى السعودية يمثل طوق نجاة استراتيجياً للاقتصاد السوداني حالياً؛ إذ يسهم هذا الحراك في إنقاذ الميزان التجاري عبر ضخ سيولة مباشرة من النقد الأجنبي في القنوات الرسمية، مما يحد من تدهور العملة الوطنية، ويُتيح تمويل استيراد السلع الأساسية والمحروقات.
وتضاعفت أهمية هذه السيولة النقدية الخليجية عقب تدمير مصفاة “الجيلي” للنفط شمال الخرطوم، الأمر الذي جعل السودان يعتمد كلياً على استيراد الوقود عبر الموانئ، تاركاً قطاع الطاقة المحلي أكثر عرضة للصدمات وارتفاع تكاليف الشحن البحري.

ويوضح لـ(عاين)، أن هذا الصادر يحمي الثروة الحيوانية من الانهيار الكامل عبر فتح منافذ بديلة وآمنة لامتصاص فائض الإنتاج، مما يضمن استدامة سبل العيش لملايين الرعاة والمنتجين الذين عزلهم النزاع عن الأسواق التقليدية. علاوة على ذلك، فإن التركيز على تصدير اللحوم المذبوحة يرفع القيمة المضافة، ويحفز تشغيل المسالخ المحلية في المناطق الآمنة، لتنتهي هذه العملية بمعادلة منفعة متبادلة؛ تؤمن الرياض من خلالها أمنها الغذائي، بينما يكتسب السودان شريان حياة مالياً يحفظ هيكل الدولة من التفكك.
وفي ذات السياق، يشير المحلل الاقتصادي أحمد هشام، إلى أن صادرات اللحوم السودانية يمكنها تحسين وضع الميزان التجاري إذا تمكنت البلاد من تصديرها بانتظام، بيد أنها تعاني حالياً من عقبات تحد من قدرتها التنافسية في السوق الخليجي لأسباب تتعلق بالشهادات الصحية ومعايير الجودة التي تحتاج إلى تحديث عاجل.
كذلك تضيف الاقتصادية، إسراء بابكر حمد، معضلة جيوسياسية وميدانية في قطاع الثروة الحيوانية؛ إذ إن وقوع أجزاء واسعة من ولايات دارفور وكردفان والجزيرة خارج دائرة سيطرة الحكومة الخاضعة لسيطرة الجيش، قلّص من نسب التصدير الرسمية بنسب كبيرة، وفرض على المصدرين البحث عن تفاهمات محلية معقدة عبر وسطاء لتأمين حركة إيصال الماشية برياً من مناطق الإنتاج حتى موانئ التصدير على ساحل البحر الأحمر، وتحديداً ميناء بورتسودان وميناء الأمير عثمان دقنة بسواكن.
وتشير حمد في مقابلة مع (عاين) إلى أن الحرب أثرت بشكل بالغ القسوة على هذا القطاع؛ إذ كانت تقديرات الثروة الحيوانية في آخر تعداد تتراوح بين 131 إلى 140 مليون رأس، وتكبدت الصادرات السنوية خسائر تقدر بمليارات الدولارات نتيجة لتراجع العائدات، ونفوق أعداد كبيرة من القطعان جراء نقص الرعاية البيطرية والاشتباكات المباشرة، فضلاً عن الانهيار الواسع في البنية التحتية.
لوجستيات النقل
على المستوى اللوجستي، ألقت الإشكالات الجيوسياسية في منطقة مضيق هرمز وباب المندب بظلالها على سلاسل الإمداد؛ إلا أن الأوضاع شهدت هدوءاً نسبياً في الممر البحري الرابط بين مينائي بورتسودان وجدة عقب التفاهمات الأخيرة، مما قلل من معوقات النقل البحري الذي يظل الاعتماد الأكبر عليه لفاعليته وقدرته الاستيعابية مقارنة بالشحن الجوي.
وتعزو المحللة إسراء بابكر حمد هذه التحولات الشاملة إلى تداخل النزاعات المحلية بالإقليمية في منطقة الخليج وممراته المائية. وعن الشركات والمجموعات الكبرى المستفيدة والمحركة لهذا القطاع، تبرز مجموعة “إيفرو ميكس”، وشركة “الصالحة” للإنتاج الحيواني، ومسلخ “الكدرو”، ومسلخ “جيمكو”.

وتشهد الفترة الحالية تنسيقاً عالي المستوى بين إدارات هذه الشركات وإدارة الصادر بوزارة الثروة الحيوانية، إلى جانب تنشيط مجموعة من المجمعات والمحاجر الحديثة التي تأسست عقب إعادة فتح خطوط التصدير وتأمينها، خاصة بعد تضرر الشركات التي كانت تعمل في صادر الهدي جراء الحرب. ومؤخراً، بدأت عملية إعادة هيكلة شاملة للمحاجر العاملة في شرق السودان، مما سينعكس إيجاباً على إنعاش القطاع إذا ما عادت معدلات التصدير إلى طبيعتها عبر بورتسودان ومطارها الدولي.
تمايز الأدوار الخليجية
وفي قراءته للدلالات السياسية، يوضح الباحث في الاقتصاد الدولي، سفيان التيجاني، أن الدوحة تراهن على حكومة بورتسودان والشركاء المحليين كبوابة لضمان حضورها مستقبلاً، بينما تتعامل الرياض مع الأزمة كفرصة لتثبيت شراكاتها وحماية مصالحها في البحر الأحمر في ظل الفراغ الدولي الراهن.
ويشير التجاني في مقابلة مع (عاين) إلى تمايز الأدوار وتكاملها؛ إذ تبدو السعودية كوسيط رسمي عبر “منبر جدة” مع طرح مبادرات للنقل البحري كأدوات ضغط ناعمة، في حين تتحرك قطر بدبلوماسية هادئة وخلف الكواليس بالتركيز على التمويلات الإنسانية وإعادة الإعمار، وهو موقف موزون يمنح الطرفين القدرة على دعم الدولة وجمع النظراء على طاولة الحوار مستقبلاً.
ومن جانب آخر، تلفت إسراء حمد إلى أن هذا الحراك يعكس رغبة الخليج في تأمين الساحل السوداني ليكون ممرًا بديلًا للاضطرابات المحيطة بمضيقي هرمز وباب المندب، لافتةً إلى أن موقع السودان يمهد لإنشاء خط صادر بري مبتكر يمر عبر مصر إلى قناة السويس، ويفتح آفاقاً لوجستية نحو عمق القارة كجنوب السودان وتشاد، وهو ما سيمنح الاقتصاد السوداني عوائد هائلة من رسوم الترانزيت.
وفيما يتعلق بالتوازنات الأمنية، يرى الباحث الاقتصادي نجم الدين داؤود، أن الدعم السعودي والقطري الحالي لا يمثل مساندة عسكرية، بل هو إسناد سياسي واقتصادي؛ حيث تعتمد السعودية نهجاً يوازن بين مصالحها الجيوسياسية ودورها الحيوي كشريك محايد في “مسار جدة”.
ويشارك الباحث سفيان التيجاني هذا التحليل، مبيناً أن المحور الخليجي يتحرك لتعزيز الروابط الاقتصادية مع بورتسودان كرسالة واضحة لاحتواء النفوذ الإيراني المتنامي. ويضيف التجاني: أن “التقارب العسكري بين الجيش السوداني وطهران، وظهور مسيّرات (مهاجر 6) الإيرانية في الأجواء السودانية، والحديث عن مساعي إقامة قاعدة بحرية على الساحل السوداني، شكّل ناقوس خطر للرياض. هذا الخطر جعل من التحرك التجاري والاقتصادي خطوة استباقية ناعمة لربط السودان بالمنظومة الخليجية وقطع الطريق أمام مقايضة السلاح بموطئ قدم بحري لطهران”.



















