“مسار آخر للعدالة”.. تفاصيل شكوى سودانيين ضد (الدعم السريع) بكينيا

عاين- 18 يونيو 2026

من زنازين سجن “سوبا” ومجمع “الرياض” في الخرطوم العاصمة السودانية إلى أروقة القضاء العابر للحدود؛ كسر 12 سودانياً وسودانية جدار الصمت بملاحقة جلاديهم في كينيا. وعبر شكوى جنائية تاريخية تُفعل “الولاية القضائية العالمية”، بات 10 من كبار قادة الدعم السريع مطلوبين للمساءلة عن جرائم التعذيب والاغتصاب في مسار قضائي جديد.

في 9 يونيو الجاري، أعلنت منظمتا المبادرة القانونية العالمية (LAW) والمركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام (ACJPS) عن تقديم هذه الشكوى الجنائية إلى مكتب مدير الادعاء العام في كينيا، طلبًا للتحقيق مع المشتبه بهم بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في السودان، من بينهم أشخاص يُزعم أن لهم صلات بكينيا.

مبدأ الولاية القضائية

وأفادت المنظمتان بأن الشكوى قُدمت استنادًا إلى مبدأ «الولاية القضائية» التي تتيح للسلطات الكينية التحقيق في الجرائم الدولية الجسيمة وملاحقة مرتكبيها، حتى وإن ارتُكبت خارج الأراضي الكينية. وتعد هذه سابقة قضائية في تاريخ كينيا، إذ تُقدَّم فيها شكوى بموجب هذا المبدأ الذي يشمل الجرائم الدولية مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، وهي جزء من الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي الدولي.

وبحسب الشكوى، فإن الجرائم ارتُكبت في مناطق متفرقة من ولاية الخرطوم بين أبريل 2023 ومارس 2025، وشملت الاحتجاز التعسفي والتعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي والقتل، في مواقع من بينها سجن سوبا ومجمع الرياض ومراكز احتجاز غير رسمية. وقالت المنظمتان إن النساء والرجال الذين أدلوا بشهاداتهم تحدثوا عن استخدام العنف الجنسي كوسيلة للعقاب والإذلال بحق من يُشتبه في دعمهم للقوات المسلحة السودانية.

وتقول المديرة التنفيذية لمنظمة «ليغال أكشن وورلدوايد» (Legal Action Worldwide) أنطونيا مولفي: «إن هذه الخطوة تمثل سابقة قانونية غير مسبوقة في السياق الكيني والإقليمي». وتشير في مقابلة مع (عاين)، إلى أن أهمية هذه الشكوى تنبع من كونها أول طلب معروف يُقدَّم إلى السلطات الكينية من أجل استخدام قانون الجرائم الدولية لعام 2008 للتحقيق في جرائم مزعومة ارتُكبت خارج الأراضي الكينية. وأضافت: «في حال قرر مدير الادعاء العام فتح تحقيق، فإن ذلك سيشكل أول تطبيق معروف لمبدأ الولاية القضائية العالمية في كينيا في هذا النوع من القضايا».

بُعد إقليمي

هذه الخطوة لا تقتصر على البعد الوطني، بل تحمل بعدًا إقليميًا مهمًا، إذ تأتي ضمن تطور أوسع في أفريقيا يتعلق بتجارب سابقة للولاية القضائية العالمية، من بينها قضايا مرتبطة بالتعذيب في زيمبابوي بجنوب أفريقيا، ومحاكمة الرئيس التشادي السابق حسين حبري أمام الغرف الأفريقية الاستثنائية- وفقا لمولفي- التي تؤكد أن خصوصية هذه الحالة تكمن في مطالبة سلطة ادعاء وطنية عادية بتطبيق قانون محلي قائم للتحقيق في جرائم يُزعم ارتكابها في دولة أفريقية أخرى، استنادًا إلى روابط قانونية مزعومة مع كينيا.

قائد قوات الدعم السريع مع الرئيسي الكيني بالعاصمة نيروبي يناير 2024

وفصلت مولفي أهمية الشكوى في ثلاثة مستويات: أولها اختبار مدى قابلية قانون الجرائم الدولية الكيني للتطبيق العملي على جرائم ارتُكبت خارج الحدود. ثانيها إثبات أن آليات المساءلة يمكن تفعيلها دون الحاجة إلى محكمة دولية متخصصة. ثالثها إمكانية تطوير الممارسة الإقليمية في أفريقيا بشأن استخدام الولاية القضائية العالمية عندما توجد روابط قانونية مع الدولة المعنية.

وفي ما يتعلق بالأساس القانوني الذي يسمح لكينيا بالنظر في هذه الجرائم، أوضحت أن القانون الكيني يجرّم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، كما يمنح اختصاصًا قضائيًا في حالات محددة، منها وجود المشتبه بهم داخل البلاد، أو كونهم مواطنين كينيين، أو توافر روابط قانونية أخرى يحددها القانون.

الشكوى تستند إلى مزاعم تتعلق بوجود روابط مع كينيا، تشمل الحصول على الجنسية عبر جوازات سفر كينية، وروابط مالية، إضافة إلى تحركات مزعومة للمشتبه بهم من وإلى البلاد

أنطونيا مولفي

ومنذ اندلاع حرب السودان في أبريل 2023، تواجه قوات الدعم السريع اتهامات دولية وأممية بارتكاب فظائع ترقى إلى جرائم حرب وإبادة جماعية، تتركز في القتل الجماعي، الاستهداف العرقي في دارفور، والاستخدام الممنهج للعنف الجنسي في الخرطوم والولايات الأخرى. وتشمل الانتهاكات الموثقة أيضًا الاعتقال التعسفي، والنهب، وتجويع المدنيين، مما دفع منظمات حقوقية لملاحقة قادتها دوليًا لإنهاء الإفلات من العقاب.

روابط مع كينيا

 وأشارت المديرة التنفيذية لمنظمة «ليغال أكشن وورلدوايد» أنطونيا مولفي إلى أن الشكوى تستند إلى مزاعم تتعلق بوجود روابط مع كينيا، تشمل الحصول على الجنسية عبر جوازات سفر كينية، وروابط مالية، إضافة إلى تحركات مزعومة للمشتبه بهم من وإلى البلاد.

«الشكوى تطلب من مكتب الادعاء العام التحقق من هذه الروابط وتقييم ما إذا كانت كافية لتأسيس اختصاص قانوني، خاصة في ظل ما تصفه بعدم توفر مسارات عدالة فعالة داخل السودان في الوقت الراهن، وصعوبة الوصول إلى آليات العدالة الدولية، مؤكدة أن الهدف هو استكمال جهود المساءلة وليس استبدالها»، تقول مولفي.

وأكدت أن مكتب مدير الادعاء العام تسلم الشكوى رسميًا، وأنه سيقوم بدراستها قبل اتخاذ قرار بشأن فتح تحقيق أو رفضه. وقد يطلب المكتب معلومات إضافية، أو يباشر خطوات تحقيق أولية، أو يتشاور مع جهات مختصة.

ولفتت إلى أن قضايا الولاية القضائية العالمية غالبًا ما تكون معقدة وبطيئة، وأن تقديم الشكوى يمثل بداية مسار قانوني وليس نهايته. وبحسب القانون الكيني، يُتوقع أن يُتخذ قرار أولياً خلال ثلاثين يومًا من تاريخ التقديم.

عامان من التحقيق

وبشأن العوامل التي قد تؤثر في قرار الادعاء العام، تشير إلى ثقتها، وممثلي الضحايا ومن بينهم منظمات حقوقية وشركاء ميدانيون، بأن الأدلة الواردة في ملف من 196 صفحة، والتي جُمعت خلال أكثر من عامين من التحقيقات، ستكون محل تقييم جدي، خاصة مع وجود مزاعم عن روابط مباشرة بين المشتبه بهم وكينيا، سواء عبر الجنسية أو العلاقات المالية.

ولفتت أيضًا إلى أن موقع السودان الجغرافي كدولة مجاورة، وما يُثار حول تحركات أفراد من قوات الدعم السريع داخل كينيا وخارجها، إضافة إلى ردود الفعل في الرأي العام الكيني، كلها عوامل قد تؤثر في السياق العام للنظر في القضية.

وفي ما يخص شرط الوجود الفعلي للمشتبه بهم داخل كينيا، توضح أن القانون لا يشترط بالضرورة وجودهم الفعلي، طالما ثبتت روابط قانونية كافية، وأشارت إلى أن تجارب دول أخرى أظهرت إمكانية إصدار أوامر توقيف أو مذكرات دولية حتى في غياب المتهمين، كما في بعض القضايا في الأرجنتين وميانمار. وأكدت أن المسألة الأساسية تبقى في مدى كفاية الأساس القانوني والأدلة لفتح تحقيق أولي.

وقالت: «إن أبرز التحديات تتمثل في صعوبة الوصول إلى الضحايا والشهود ومسرح الأحداث، وهو ما تعمل عليه المنظمة وشركاؤها عبر العمل الميداني وتوثيق الشهادات»، مؤكدة أن التعاون بين الدول والهيئات الأممية والمنظمات الحقوقية يشكل عنصرًا أساسيًا في تعزيز فرص المساءلة، مع ضرورة إبقاء الضحايا في قلب العملية القانونية لضمان عدالة ذات معنى.

لا ملاذ آمن

 وشددت مولفي على أن تفعيل كل المسارات القانونية المتاحة أمر ضروري لتعزيز فرص العدالة، وترى أنه من الناحية النظرية يمكن لأي دولة تمتلك إطارًا قانونيًا مناسبًا أن تفتح تحقيقات مماثلة في جرائم دولية جسيمة مرتبطة بالسودان، معربة عن أملها في أن تتوسع مثل هذه المبادرات في المستقبل.

وفي ما يتعلق بالرسالة الموجهة إلى مرتكبي الجرائم المزعومة، تقول إن: «الرسالة الأساسية هي أنه لا يوجد ملاذ آمن لمجرمي الحرب، وأن أدوات العدالة، بما في ذلك التحقيقات والملاحقات القضائية، يمكن أن تحد من الإفلات من العقاب، وتقيّد حركة المتورطين في الجرائم الجسيمة».

وأكدت أن منظمتها تعمل وفق أسس قانونية صارمة تستند إلى أدلة موثقة، وأن الشكوى خضعت لتدقيق مهني قبل تقديمها، وأن المكتب المعني في كينيا أبدى أنه يتعامل مع البلاغ بجدية، وأنه سيحتاج إلى وقت كافٍ لدراسة الملف بصورة متأنية.

نازحون من مخيم زمزم إلى مناطق طويلة بولاية شمال دارفور

وخلصت إلى أن العدالة الدولية تواجه تحديات متزايدة في ظل النزاعات المعاصرة، حيث يتعرض المدنيون والعاملون في المجال الإنساني والصحفيين لانتهاكات متكررة، مؤكدة أن القوانين الدولية وُضعت أساسًا لمنع هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها، وأن الوقت قد حان لتفعيل الأدوات القانونية الوطنية والدولية لحماية الأرواح وصون الكرامة الإنسانية في السودان وغيره من مناطق النزاع.

وتطرح مسارات العدالة المرتبطة بالحرب في السودان أسئلة تتعلق بحدود الاختصاص القضائي، وإمكان تطبيق القانون الدولي، وإمكانية اللجوء إلى الولاية القضائية الوطنية في بعض الدول لملاحقة الجرائم المرتكبة خلال النزاع.

وفي سياق متصل، يقول المدير التنفيذي للمركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام، مساعد محمد علي: «إن مسارات العدالة الدولية التقليدية تواجه تعقيدات كبيرة، لا سيما إذا أُخذ في الاعتبار أن السودان ليس طرفًا في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي يجعل أي تحرك أمام المحكمة مرهونًا بإحالة من مجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو احتمال يبدو مستبعدًا في ظل التعقيدات والتقاطعات الجيوسياسية المحيطة بالملف السوداني».

ويضيف  لـ(عاين): «إن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في الوقت الراهن يقتصر على إقليم دارفور، ولا يمتد إلى بقية أنحاء السودان، ما يجعلها غير قادرة على النظر في الجرائم المزعومة خارج هذا الإطار، مثل تلك المرتبطة بالخرطوم».

ميثاق الأمم المتحدة

 وعن التقدير القانوني الذي استندت إليه إمكانية قبول الشكوى أمام مكتب الادعاء العام الكيني، أوضح محمد علي أن جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما فيها كينيا، تلتزم بموجب ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي العرفي بتطبيق القانون على أي شخص موجود داخل أراضيها إذا كان متهمًا أو مشتبهًا في ارتكابه جرائم تشكل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني أو القانون الدولي لحقوق الإنسان.

وفي رده على سؤال يتعلق بالحد الفاصل بين إثبات الصلة بكينيا وتأسيس الاختصاص القضائي، قال: «إن المسألة لا تتعلق بحدود فاصلة بقدر ما تتعلق بوجود أشخاص داخل الأراضي الكينية يُشتبه في ارتكابهم جرائم دولية».

أمر الشكوى لا يقتصر على طرف بعينه، سواء كانوا من قوات الدعم السريع أو القوات المسلحة السودانية أو المجموعات الإسلامية المسلحة أو الحركات المسلحة أو غيرها

مساعد محمد علي

وأضاف: «الأمر لا يقتصر على طرف بعينه، سواء كانوا من قوات الدعم السريع أو القوات المسلحة السودانية أو المجموعات الإسلامية المسلحة أو الحركات المسلحة أو غيرها، مشيرًا إلى أن المعيار الحاسم يتمثل في وجود اتهام أو اشتباه جدي يمكن أن يشكل أساسًا قانونيًا لتوجيه اتهام جنائي».

وأكد محمد علي أن الشكوى قُدمت انطلاقًا من افتراض أن كينيا دولة ديمقراطية تحترم سيادة القانون، وأن التعامل معها تم بوصفها مسارًا قانونيًا جادًا ضمن الأطر القضائية المتاحة.

وحول العتبة القانونية التي كان يجب تجاوزها قبل تقديم الملف إلى السلطات الكينية، أوضح أن الأصل في مثل هذه القضايا هو انعقاد الاختصاص للسلطات العدلية السودانية، إلا أن انهيار مؤسسات الدولة حال دون قدرتها على تطبيق القانون في مثل هذه القضايا، سواء من حيث الوصول إلى المشتبه بهم، أو من حيث ضمان استقلالية ونزاهة وشفافية المؤسسات العدلية والقضائية. ويتابع: “الاعتبارات نفسها تنطبق على السلطات القائمة في دارفور، الأمر الذي جعل اللجوء إلى الولاية القضائية العالمية خيارًا قانونيًا مطروحًا”.

وفي ما يتعلق بأبرز التحديات القانونية المرتبطة بإعداد الملف، سواء من ناحية إثبات الوقائع أو توصيف الجرائم أو ربط المسؤولية الفردية، يقول مساعد: «إن هذه مسائل موضوعية وإجرائية تتضح من خلال سير الدعوى الجنائية نفسها، عبر ما يقدمه الادعاء والدفاع من حجج ودفوع، وعبر تقييم محكمة الموضوع والمحاكم الأعلى درجة».

الجنائية الدولية وحدها لا تكفي

واعتبر محمد علي أن اللجوء إلى الولاية القضائية العالمية لا يمثل بديلًا لمسارات العدالة الدولية الأخرى، بل أداة مكملة لها، موضحًا أن الاعتماد على آلية واحدة، مثل المحكمة الجنائية الدولية، قد لا يكون كافيًا لملاحقة العدد الكبير من المشتبه في ارتكابهم جرائم خلال الحرب، من قبل قوات الدعم السريع وداعميها من الحلفاء، وكذلك القوات المسلحة السودانية وحلفائها من المليشيات الإسلامية والحركات المسلحة، في ظل محدودية الموارد.

المطلوب في هذه المرحلة هو تقديم شهادات وأدلة أولية كافية تجعل النيابة العامة الكينية تقتنع مبدئيًا بوقوع جرائم دولية

محام ذو صلة بالشكوى

وأوضح محامٍ مختص بقضايا العدالة، وهو أيضًا ذو صلة بالقضية، أن المطلوب في هذه المرحلة هو تقديم شهادات وأدلة أولية كافية تجعل النيابة العامة الكينية تقتنع مبدئيًا بوقوع جرائم دولية وبوجود صلة قانونية تتيح لها فتح تحقيق رسمي بشأنها.

وأشار  القانوني الذي طلب حجب اسمه في مقابلة مع (عاين) إلى أن الشكوى تمثل الخطوة الإجرائية الأولى التي تتيح للنيابة العامة فتح تحقيق، والاستماع إلى الضحايا والشهود وفحص الأدلة والمواد المقدمة، باعتبارها مراحل متتابعة ضمن العملية القانونية.

إجراءات التقاضي والأحكام

وأشار المحامي إلى أن جميع الاحتمالات تظل واردة من الناحية النظرية، لأن المسألة تخضع في نهاية المطاف لإجراءات التقاضي والأحكام التي تصدرها المحاكم المختصة، لكنه لفت إلى وجود تحديات عملية، في مقدمتها مسألة تنفيذ أوامر القبض وإحضار المشتبه بهم.

وأكد أن الوصول إلى مسرح الجريمة وجمع الأدلة المادية يظل أمرًا مهمًا في أي تحقيق جنائي، إلا أن استمرار الحرب في السودان يجعل الوصول إلى كثير من المناطق أمرًا بالغ الصعوبة، إلى جانب تحديات أخرى مرتبطة بالوضع الأمني، ومع ذلك رأى أن شهادات الشهود وإفادات الضحايا يمكن أن تشكل أساسًا كافيًا لبدء التحقيق.

كيف رأيت الخرطوم بعد (3) أشهر من الحرب؟ مراسلة لـ(عاين) تعود للعاصمة وتتجول لوقت قصير في شوارع المدينة
عمليات حربية في مدينة أم درمان- مايو 2023

في السودان، ظلت مسألة العدالة ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات تعاني من اختلالات بنيوية ممتدة، في ظل ضعف آليات الإنفاذ وتعدد حالات النزاع، ما جعل الإفلات من العقاب سمة متجذرة في المشهد القانوني والحقوقي.

وقالت مديرة منظمة «وايامو» (Wayamo Foundation) بيتينا أمباخ: «إن المنظمة منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023 تعمل على استكشاف ومتابعة مسارات متعددة لتحقيق العدالة الجنائية الدولية».

وأكدت أن هذا العمل يتم عبر مسارات متوازية تجمع بين الفعاليات العامة وورش بناء القدرات والاجتماعات المتخصصة والانخراط المستمر خلف الكواليس، بهدف بناء تحالف واسع للعدالة يعتمد استراتيجيات متعددة ومتكاملة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة في السودان.

وأوضحت أمباخ لـ«عاين» أن جهود المنظمة خلال هذه الفترة ركزت على تطوير قدرات شبكة من الموثقين السودانيين المعنيين برصد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان منذ أبريل 2023، حيث تم تنظيم جلسات تدريبية ومهنية متعددة لهذا الغرض.

وأضافت أن هذه الجلسات لم تقتصر على التدريب الداخلي، بل شملت أيضًا دعوة أطراف فاعلة أخرى في مجال العدالة الدولية للمشاركة والإسهام في بناء هذا التحالف، بما في ذلك موظفون من بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، وممثلون عن المحكمة الجنائية الدولية، ووحدات جرائم الحرب الأوروبية، إلى جانب شركاء من منظمات المجتمع المدني ومؤسسات التقاضي الاستراتيجي، من بينها منظمة «ليغال أكشن وورلدوايد».

جهد جماعي لأجل العدالة

وأكدت مديرة منظمة «وايامو» بيتينا أمباخ أن هذا النهج القائم على التعاون بين مؤسسات وآليات مختلفة يهدف إلى تعزيز الجهد الجماعي الرامي إلى تحقيق العدالة للضحايا السودانيين، عبر توحيد المقاربات وتكامل الأدوار بين الفاعلين في مجالات التوثيق والتحقيق والملاحقة القانونية.

وأشارت إلى أن أحد المسارات التي تعمل عليها المنظمة يتمثل في جعل هذا المبدأ “عالميًا” بالفعل، بحيث لا يقتصر تطبيقه على عدد محدود من الدول، بل يصبح أداة عملية متاحة على نطاق أوسع.

منظمة (وايامو) ستواصل العمل مع شركائها من أجل تعزيز جهود العدالة والمساءلة بشأن الجرائم المرتكبة في السودان على المستوى الإقليمي

مديرة منظمة (وايامو)

وأضافت أن المنظمة، إلى جانب عملها مع الموثقين السودانيين، انخرطت أيضًا في حوار مع سلطات الادعاء والقضاء في عدد من الدول الأفريقية، بهدف تهيئة الأرضية القانونية والمؤسسية اللازمة لتفعيل هذا المبدأ عمليًا، معربة عن ثقتها بأن هذه الجهات تمتلك القدرات والخبرات التي تؤهلها للتعامل مع مثل هذه القضايا والتحقيقات.

ورحبت أمباخ بالطلب الأول الذي قدمته منظمة «ليغال أكشن وورلدوايد»، مؤكدة أن المنظمة ستواصل العمل مع شركائها من أجل تعزيز جهود العدالة والمساءلة بشأن الجرائم المرتكبة في السودان على المستوى الإقليمي، ودعم المسارات القانونية المختلفة التي من شأنها أن تسهم في تحقيق العدالة للضحايا. واختتمت بالتأكيد على أن منظمة «وايامو» تظل ملتزمة بدفع جهود العدالة في السودان بطرق مبتكرة وشاملة وخلاقة، من خلال دعم مجموعة من المسارات المتكاملة والمترابطة التي تهدف في النهاية إلى تحقيق مساءلة حقيقية وفعالة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

لم يتضح بعد ما إذا كانت السلطات الكينية ستقرر المضي في التحقيق، تمثل هذه الشكوى اختبارًا عمليًا للولاية القضائية العالمية في أفريقيا، وقدرة الأنظمة القضائية على استخدام أدواتها القانونية لملاحقة الجرائم الدولية عندما تتعذر سبل العدالة في الدولة التي وقعت فيها.

وفي ظل استمرار النزاع في السودان واتساع فجوة الإفلات من العقاب، يتجاوز أثر هذه القضية مصير الشكوى نفسها، ليعيد طرح سؤال حول مدى فاعلية الولاية القضائية العالمية كأداة للمساءلة في السياقات التي تتعثر فيها العدالة المحلية والدولية.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *