من الرباعية إلى الخماسية.. كيف يتعثر سلام السودان؟
عاين- 10 أغسطس 2026
تواجه الآلية الخماسية التي تتوسط في الأزمة السودانية، انتقادات حادة من بعض القوى السياسية التي قاطعت دعوتها الأخيرة لاجتماعات مخصصة للتوافق على إطلاق عملية سياسية في السودان، واعتبرت القوى المقاطعة إن الخماسية أصبحت غير محايدة، وتسعى لتجيير الحوار لصالح تنصيب قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان رئيسا للسودان.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت تحاول فيه الخماسية الانتقال من مرحلة المشاورات إلى تأسيس مسار سياسي سوداني-سوداني، بعد سلسلة من المبادرات التي لم تتمكن حتى الآن من إنهاء الحرب أو إقناع طرفيها بالتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار.
وخلال يوليو الماضي، عقدت الخماسية سلسلة اجتماعات مع قوى سودانية تمثل تحالفات “صمود”، والكتلة الديمقراطية، و”تأسيس”، إلى جانب أحزاب وقوى خارج هذه التحالفات، حيث توصلت الأطراف إلى تفاهم بشأن تشكيل لجنة تحضيرية تتولى بحث “تصميم عملية سياسية، والأجندة، والقضايا، والأطراف المشاركة، ومكان وزمان الانعقاد، والدور الإقليمي والدولي”.
لكن هذا التفاهم تعرض للانهيار في الاجتماع الأخير الذي دعت إليه الخماسية الأسبوع الماضي، بعدما قاطعت قوى رئيسية الاجتماع، واتهمت الآلية بالتنصل من التوافق السابق والانحراف عن مساره، من خلال دعوة أطراف لم تكن محل اتفاق، في صورة تشبه ما توصلت إليه المنابر السابقة.
انهيار المنابر.. أين تكمن المعضلة؟
بدأت مساعي وقف الحرب منذ اجتماعات جدة الأولى في مايو 2023 وجدة الثانية في أكتوبر 2023، ثم المنامة في يناير 2024، ثم جنيف الأولى في يونيو 2024 وجنيف الثانية في أغسطس 2024، ثم اجتماعات الرباعية الدولية في أكتوبر 2025 في واشنطن.
ويرى القيادي في تحالف “صمود” بابكر فيصل، أن اللقاءات السابقة أثمرت عن صدور إعلانات لترتيبات وقف إطلاق النار والهدنة الإنسانية والعملية السياسية، ولكنها جميعاً تعثرت لأسباب داخلية متعلقة بأطراف النزاع وأخرى خارجية مرتبطة بالدول الراعية للمفاوضات.
ويقول فيصل وهو رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالتحالف في مقابلة مع (عاين): إن “إعلان دول الرباعية المعلن في 12 سبتمبر 2025، مثَّل أكثر الإعلانات شمولاً وتفصيلاً لكيفية المضي قدماً في مسارات وقف إطلاق النار والمسار الإنساني ومسار العملية السياسية، ولكن عقبات عديدة بعضها مرتبط بالتباين في المواقف بين الدول المكونة للرباعية (أمريكا، السعودية، الإمارات، مصر) وأخرى مرتبطة بالأطراف المتحاربة حالت دون الوصول لاتفاق”.
“من المهم جداً حدوث تقارب بين مكونات الرباعية الدولية في العديد من الملفات الإقليمية بحيث ينعكس ذلك إيجابياً على الوضع في السودان، وهذا أمرٌ مؤسف في ظل غياب الإرادة لدى الأطراف المتحاربة واستمرار الحرب للسنة الرابعة؛ مما جعل للعامل الخارجي الدور الأكبر في امتلاك مفاتيح الحل”، يقول فيصل.
أي مسعى لقيام حوار أو عملية سياسية برعاية أحد أطراف الحرب يمثل وصفة مجربة للفشل.
بابكر فيصل، قيادي بتحالف “صمود”
وذكر أن الآلية الخارجية الوحيدة المتاحة في هذا التوقيت هي الرباعية الدولية التي تسعى للوصول لاتفاق الهدنة الإنسانية بحيث يتم تطويره لوقف دائم لإطلاق النار، وكذلك الخماسية الدولية، التي أوكل لها رعاية العملية السياسية. ويرى أن نجاح الرباعية مرتبط بتوافق مكوناتها حول قضايا تتعدى الملف السوداني لتشمل ملفات إقليمية أخرى، بينما يرى أن الخماسية تعاني من مشاكل في الرؤية المتماسكة الموحدة بجانب انحياز بعض مكوناتها لأحد أطراف الحرب.
وشدد على أن أي مسعى لقيام حوار أو عملية سياسية برعاية أحد أطراف الحرب يمثل وصفة مجربة في تاريخ الحروب السودانية للفشل، ولن ينتج عنها شيئاً سوى حلول جزئية لن تفلح في وقف الحرب والتوصل للسلام الدائم والاستقرار.
خطة لتنصيب البرهان
من جهته يرى مصدر سياسي على صلة بالمشاورات الممهدة للعملية السياسية، أن استمرار مقاطعة قوى إعلان نيروبي، للمشاورات، بالتزامن مع استمرار الخماسية في النهج الحالي، قد يؤدي إلى تكرار تجربة الآلية الرباعية التي اصطدمت مساعيها، برفض الجيش السوداني. ويضيف: أن قوى “إعلان نيروبي” تمثل كتلة سياسية مؤثرة داخلياً وخارجياً، ما يجعل تجاوزها في أي عملية سياسية أمراً صعباً.
ويكشف المصدر السياسي في مقابلة مع (عاين)، عن خطة تقودها أطراف إقليمية مؤثرة في الأزمة السودانية، تقوم على دعم تولي قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئاسة السودان، بعد إجراء عملية سياسية تؤيد استمرار الحرب إلى حين إضعاف قوات الدعم السريع عسكرياً.
دولة إقليمية مؤثرة في الأزمة السودانية طرحت على بعض أطراف تحالف “إعلان نيروبي”، المشاركة في عملية سياسية تنتهي إلى تنصيب البرهان رئيساً، مقابل منح القوى السياسية صلاحيات واسعة في تشكيل الحكومة المدنية.
مصدر سياسي مطلع
وبحسب المصدر، عرضت إحدى الدول الإقليمية المؤثرة في الأزمة – لم يذكر اسمها- هذا التصور على بعض أطراف تحالف “إعلان نيروبي”، وطلبت منها المشاركة في عملية سياسية تنتهي إلى تنصيب البرهان رئيساً، مقابل منح القوى السياسية صلاحيات واسعة في تشكيل الحكومة المدنية واختيار أعضائها.
ويقول المصدر: إن “ممثلي القوى السياسية طرحوا خلال الاجتماع سؤالاً بشأن وقف الحرب، فجاءت الإجابة، وفق روايته، بأن المفاوضات لن تكون مطروحة في المدى القريب، وأن الأولوية ستكون لعملية عسكرية واسعة للجيش ضد قوات الدعم السريع، تنتهي بمحاصرتها في دارفور، قبل التعامل معها لاحقاً باعتبارها مجموعة متمردة يمكن التفاوض معها على أساس الالتحاق بالحكومة. وبحسب المصدر، رفضت القوى السياسية هذا الطرح، واعتبرته مساراً قد يقود إلى انتهاكات واسعة في كردفان ودارفور.
خلاف حول الحياد
يقول المتحدث باسم حزب التجمع الاتحادي، محمد عبد الحكم في مقابلة مع (عاين): إن “الآلية الخماسية لم تعد طرفاً محايداً ومستقلاً في الأزمة السودانية في أعقاب مساعيه لإدخال شخصيات وجماعات تمثل – فلول النظام السابق والحركة الإسلامية-، إلى جانب شخصيات وتحالفات مرتبطة بقيادة الجيش، في عملية تصميم العملية السياسية وأطرافها وقضاياها.
ويرى عبد الحكم، أن هذا المسار يمثل، انحرافاً عن التفاهمات التي جرى التوصل إليها سابقاً مع الخماسية، ولا سيما الاجتماع الأخير في أديس أبابا، الذي شهد، تفاهمات مع الكتلة الديمقراطية وتحالف “تأسيس”.
“انحراف الآلية الخماسية بائن، ومساعيها لإغراق العملية السياسية بشخصيات وتحالفات تأتمر بأمر الجيش، أمر جلي، وله تأثيرات واسعة على جهود تصميم العملية السياسية وأطرافها، وقضاياها، ومكان انعقادها، وهو ما يقدح في قدرة هذه الآلية وفاعليتها في مساعدة السودانيين على إنهاء حروبهم”، يقول المتحدث باسم حزب التجمع الاتحادي وهو أحد الأحزاب المكونة لتحالف صمود.
وتوقع عبد الحكم، أن يكون مصير الآلية الخماسية الانحسار وعدم القدرة على تحقيق أي اختراق فعلي حيال العملية السياسية في السودان، إذا سارت على نهجها الحالي، وابتعدت عن تيسير عملية سياسية حقيقية وشاملة، لا تستثني أحدا، عدا المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما. ويرى أنه من الصعب المضي قدما في خارطة طريق قائد الجيش، كرئيس للجمهورية، نظرا لأن المجتمع الدولي والاتحاد الأفريقي نفسه يصعب عليهما البصم على تلك المساعي خوفاً من صنع نظام طغيان جديد يتغير فيه وجه القائد فقط مع الإبقاء على المؤتمر الوطني كحاضنة سياسية للنظام، خصوصا عقب تصنيف واشنطن للحركة الإسلامية تنظيما إرهابيا وملاحقة قادته بالعقوبات.
وجاء دور الآلية الخماسية في الأزمة السودانية نتيجة لخارطة الطريق التي طرحتها الرباعية الدولية، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، في 12 سبتمبر 2025. حيث أُسندت لاحقاً إلى الآلية الخماسية، مهمة تسهيل العملية السياسية، بينما تتولى الرباعية الشق العسكري.
وكانت الرباعية قد دعت إلى عملية سياسية شاملة يقودها المدنيون، بعيداً عن سيطرة أي من طرفي الحرب، بما يؤدي إلى إقامة حكومة مدنية مستقلة تتمتع بالشرعية والمساءلة، ويحافظ على مؤسسات الدولة، ويهيئ لاستقرار السودان على المدى الطويل.
خمسة أطراف ومصالح متعددة
من جهته يرى المتحدث باسم تحالف “صمود” بكري الجاك، أن طبيعة الآلية الخماسية نفسها تمثل أحد مصادر قوتها وأحد قيودها في الوقت ذاته. فالآلية تتكون من خمس منظمات متعددة الأطراف، ما يمنحها، بحسب الجاك، ثقلاً إقليمياً ودولياً وسياسياً واقتصادياً، لكنه يجعلها في المقابل بحاجة إلى قدر أكبر من التنسيق الداخلي قبل اتخاذ مواقف أو التحرك في الملف السوداني.
وتضم الآلية الخماسية الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، والهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد”، وجامعة الدول العربية، وتتمثل مهمتها في تنسيق الجهود الدولية والإقليمية ودعم مسار سياسي يقود إلى إنهاء الحرب ويمهد لانتقال سياسي مدني.
ويشير الجاك في حديثه لـ(عاين)، إلى أن المنظمات متعددة الأطراف تظل عرضة لضغوط الدول الأعضاء وتأثيراتها، وهو عامل يصبح أكثر حساسية في عمليات الوساطة والتسهيل السياسي، حيث يمكن لاختلاف مصالح الدول الأعضاء أن يؤثر في قدرة الآلية على الحركة وتنفيذ مهمتها.
ويضيف أن من أبرز التحديات التي تواجه الخماسية عدم وضوح أولوياتها ومهامها، وتذبذبها بين أدوار الميسر والوسيط والفاعل السياسي. ويرى أن استمرار هذا الوضع، من دون تحديد واضح للمهمة وتكوين فريق فني يمتلك فهماً عميقاً لتعقيدات الأزمة السودانية، قد ينتهي بالآلية إلى ممارسة أنشطة لا يكون لها تأثير فعلي على وقف الحرب أو التطورات الميدانية.
تعقيدات الأزمة
ويذهب الجاك، إلى أن فشل الخماسية في التعامل مع تعقيدات الأزمة قد يجعلها عرضة للاستغلال السياسي، بما يؤدي إلى تقديم مسألة الشرعية على مسألة وقف الحرب. ويحذر من أن ذلك قد يقود، إلى إعادة تعريف الحرب بما يخدم سلطة الأمر الواقع، بدلاً من معالجة أسباب الصراع ووضع ترتيبات سياسية لإنهائه.
ويرى الجاك، أن سلطة الأمر الواقع لا تسعى إلى عملية سياسية هدفها الأساسي وقف الحرب ووضع ترتيبات لإنهائها، وإنما إلى عملية تعيد إنتاج الدولة المركزية وتعيد تعريف الحرب وتؤدي إلى تنصيب البرهان على رأس السلطة، بمشاركة الإسلاميين وبقايا نظام الرئيس السابق عمر البشير.
وفي موازاة ذلك كشفت تقارير عن عقد قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان، يوم الأحد، لقاءً تشاورياً مع بعض القوى السياسية بالداخل، وناقش معها عقد حوار سوداني سوداني، لا يستثنى سوى حزب المؤتمر الوطني وتحالف تأسيس الذي يقوده قائد قوات الدعم السريع. وحسب التسريبات، فإن قائد الجيش وافق على إلغاء البلاغات الجنائية المدونة ضد بعض قادة القوى السياسية وبالتحديد تحالف “صمود” في إطار تهيئة المناخ للحوار السياسي السوداني الذي يجري بالداخل.
زخم محدود
ويرى المحلل السياسي محمد خليفة أن الآلية الخماسية يمكن أن تنجح في تحقيق بعض أهدافها، لكن بزخم محدود، مستبعداً التعويل عليها بصورة كبيرة لإنهاء الحرب، في ظل تجربة المبادرات السابقة التي تبدأ عادة بحضور دولي وإقليمي قوي قبل أن يتراجع تأثيرها تدريجياً.
ويقول خليفة لـ(عاين): إن “الخماسية تتمتع بميزة مهمة تتمثل في حصولها على دعم من منظمات دولية وإقليمية، وهو ما يميزها عن الآلية الرباعية التي واجهت، بحسب تقديره، إشكالاً رئيسياً تمثل في عضوية دول كانت منخرطة في الصراع السوداني، فضلاً عن عدم نجاحها في وقف الدعم الذي كان يصل إلى قوات الدعم السريع”.
ويرى أن على الخماسية تفادي العوامل التي قادت إلى تعثر الرباعية، والتركيز بصورة أكبر على وقف مصادر الدعم الخارجي التي تصل إلى قوات الدعم السريع، باعتبار أن تجفيف هذه القنوات، يمثل عاملاً أساسياً يمكن أن يسهم في إنهاء الحرب.
ولا يعتقد خليفة أن الخماسية تسعى إلى تنصيب قائد الجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيساً للسودان، معتبراً أن ما يثار بهذا الشأن قد يكون انعكاساً لصراعات وتقديرات داخلية. ويضيف أن الخماسية، في تقديره، لن تقبل استمرار نظام عسكري في السودان، لكنها تتعامل مع البرهان بوصفه قائد الجيش ورئيساً للسلطة القائمة، وأن تجاوز الجيش في أي عملية سياسية قد يكون مضراً بفرص نجاحها.
أكبر تكتل مدني
في إجابته على سؤال (عاين) حول التناسي الدولي للملف السوداني وهل ستقف القوى السياسية مكتوفة الأيدي تجاه هذا الأمر؟ يشدد القيادي بتحالف صمود بابكر فيصل: “بالطبع لن تقف القوى المدنية الوطنية الداعية لوقف الحرب مكتوفة الأيدي، ولكن الظروف الموضوعية في ظل الحرب واستمرار القتال وعدم التوصل لوقف إطلاق النار تحد كثيراً من الدور المدني، ومع ذلك فإنه يتوجب على هذه القوى خلق أكبر تكتل مدني يعمل على الضغط على الأطراف المتحاربة للذهاب للتفاوض”.
ويشير في مقابلة مع (عاين) إن أن هذا التكتل المدني معني أيضاً بخلق عملية سياسية بديلة تستوعب القوى المدنية الواقفة على مسافة واحدة من الأطراف المتحاربة وكذلك القوى المساندة لهذه الأطراف بحيث تكون العملية شاملة في قضاياها وأطرافها، حتى تستطيع الوصول لصيغة بها أكبر قدر من التوافق الوطني.





















