النيل الأزرق.. معارك محتدمة وسيطرة متبادلة ونزوح الآلاف
عاين- 12 مارس 2026
يخوض الجيش السوداني القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية جيش مواجهات هي الأعنف من نوعها منذ مطلع فبراير 2026 بولاية النيل الأزرق، لا سيما المناطق المحيطة بمدينة الكرمك.
وبينما أكدت مصادر عسكرية تابعة للجيش استعادة السيطرة على مناطق استراتيجية في محيط الكرمك وتأمين تخومها الشرقية، نفت قيادات ميدانية من القوات المتحالفة في المنطقة مؤكدة استمرار حصارها للمدينة من ثلاثة محاور لقطع طرق الإمداد.
ويقول الباحث المتخصص في شؤون إقليم النيل الأزرق، أشرف حسن خضر، في مقابلة مع (عاين): إن “العمل العسكري بين القوات المسلحة وحلفائها من جهة، وقوات الدعم السريع المتحالفة مع جيش الحركة الشعبية (جناح عبد العزيز الحلو وجوزيف توكة) من جهة أخرى، قد انتقل إلى مرحلة (السيطرة المتبادلة)”.
ويشير خضر إلى أن ولاية النيل الأزرق لم تكن بعيدة عن الحرب الدائرة في البلاد، ويقول: “قوات الدعم السريع أراضي محافظة التضامن غربي الدمازين، ووصولها الفعلي إلى أطراف مدينة الدمازين بالقرب من منطقة (أقدي) في نهايات العام 2024. ورغم أن القوات المسلحة استطاعت استعادة السيطرة بعد مواجهات ضارية قبل عام أو أكثر، إلا أن هذه الحادثة كشفت عن هشاشة العمق الدفاعي وسهولة اختراقه أمام التكتيكات الجديدة”.
ويوضح خضر، أن هذه السيطرة المتبادلة امتدت وقتها لتشمل أطراف ولاية سنار الجنوبية في منطقتي “الدالي والمزموم”. ويضيف: “منذ ذلك الحين، لم تستقر السيطرة في إقليم النيل الأزرق لطرف؛ طرف يسيطر ثم يأتي الآخر لانتزاع المواقع، لكن في أغلب المناطق الاستراتيجية كانت الكلمة الأخيرة حتى اللحظة للقوات المسلحة السودانية، وتحديداً في مناطق ذات ثقل عسكري مثل: رورو، أحمر رورو، جريوة، وأحمر سيدك، بالإضافة إلى مدينة الكرمك وقولي وود ابوك. كل هذه الحواضر الكبيرة لا تزال تحت قبضة الجيش، رغم الحصار المضروب عليها”.
أهمية “ود أبوك” وسر “الصمغ العربي“
في الجانب الآخر من الجبهة، تتمركز قوات “تأسيس” في المناطق الوعرة المتاخمة لحدود دولة جنوب السودان، وبالتحديد في منطقتي “أولو” و”ملكن”. ويكشف أشرف خضر لـ(عاين) عن محاولات مستميتة قامت بها هذه القوات منذ مطلع العام وحتى اللحظة للوصول إلى منطقة “السيلك”. ويضيف: “دخلت قوات تأسيس منطقة السيلك بالفعل في أكثر من مناسبة، لكنها لم تستطع الصمود لفترات طويلة أمام الهجمات المرتدة للجيش”. وتكمن القيمة الاستراتيجية لـ”السيلك” في كونها ملتقى طرق حيوية تؤدي مباشرة إلى منطقة “ود أبوك”.
وتمثل “ود أبوك” هدفاً تاريخياً واستراتيجياً لقوات الحركة الشعبية منذ عقود، وتضاعفت أهميتها مع التحالف الجديد مع الدعم السريع؛ فهي ليست مجرد موقع عسكري، بل هي مركز اقتصادي ضخم يتمتع بإنتاج وفير لمحصول الصمغ العربي، كما تمثل جسراً رابطاً بين جبال المنطقة الغربية وسلسلة جبال “الأنقسنا”. ويشير خضر إلى أن هذه المنطقة تعتبر من أصعب التضاريس دفاعياً وهجومياً، ولم تفلح قوات “تأسيس” حتى الآن في بلوغ أهدافها النهائية فيها رغم الكلفة البشرية العالية، نظراً للتحصينات الطبيعية التي تجعل من الهجوم البري انتحاراً عسكرياً، مما دفع المهاجمين للاعتماد أكثر على الاستطلاع الجوي والقصف بالمسيرات.

ولا يبتعد المشهد في محافظتي “التضامن” و”باو” كثيراً عما يحدث في محافظة “الكرمك”؛ ففي المناطق الشمالية للكرمك، سيطرت قوات “تأسيس” لفترة على منطقتي “مايا” و”بالدقو” غربي “دندرو”، في محاولة للسيطرة على الأخيرة. وتعتبر “دندرو” حجر الزاوية في الدفاع عن الكرمك، حيث تضم حامية عسكرية ضخمة تابعة للجيش السوداني. ويؤكد خضر أن سقوط “دندرو” يعني بالضرورة انقطاع الشريان الوحيد الذي يربط الكرمك بعاصمة الولاية “الدمازين”، مما سيحول الكرمك إلى جزيرة معزولة تماماً. ورغم الهجمات المتكررة، لم تتمكن القوات المهاجمة من البقاء في “مايا” أو الاقتراب من تخوم “دندرو” حتى الآن، وهو الفشل الذي يفسر لجوء التحالف لتكثيف سلاح المسيرات لتعويض العجز عن التقدم البري.
تفاهمات الذهب وسط نيران الحرب
ويقول خضر: “في ظل هذا المشهد القاتم، تبرز مفارقة غريبة في منطقتي “الكيلي” و”زوزك”؛ فهذه المناطق تخضع لسيطرة الجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية (جناح الحلو وتوكا) منذ سنوات طويلة، ولم تشهد صدامات كبرى مؤخراً”. ويوضح خضر أن هناك نوعاً من “السكون العسكري” في بعض الجبهات مثل جبال “أمورات” بمحافظة قيسان، حيث توجد تفاهمات محلية غير معلنة تقودها الإدارة الأهلية بين طرفي النزاع.
هذه التفاهمات، وفقاً لشهادة خضر، لم تكن تهدف لحماية المدنيين فحسب، بل شملت جوانب اقتصادية تتعلق بالتنقيب عن الذهب والسماح للمستثمرين بالعمل في مناطق سيطرة الحركة. هذا “الاقتصاد الموازي” للحرب خلق مناطق رمادية تتداخل فيها المصالح المالية بالولاءات العسكرية، مما جعل بعض الجبهات شبه خاملة، بينما تشتعل جبهات أخرى لا تبعد عنها سوى بضعة كيلومترات، وهي جبهات الكرمك التي تحولت لمسرح لاختبار الطائرات المسيرة.
لكن هذا الهدوء النسبي في بعض المناطق لم يمنع انفجار الأوضاع في “المناطق الملتهبة حديثاً” بمحافظة الكرمك؛ ففي الشمال، تعرضت منطقتا “سالي” و”الفيركا” لهجمات متتالية، وهما تضمان نقاطاً عسكرية محصنة للجيش. والتحول الأبرز حدث في الهجوم الشامل الأخير الذي دعمته الطائرات المسيرة لأول مرة بكثافة غير مسبوقة، حيث استطاعت قوات “تأسيس”، وبغطاء جوي تقني حديث، السيطرة على منطقة “ديم منصور” الاستراتيجية جنوب الكرمك. ويقول خضر: “ديم منصور كانت النقطة الأخيرة للجيش السوداني جنوبي الكرمك، وقد ظلت صامدة لسنوات، لكن دخول سلاح المسيرات في مطلع 2026 حسم المعركة، مما جعل مدينة الكرمك تحت التهديد المباشر”.
الكرمك مدينة “اشباح”
وصلت قوات التحالف إلى منطقة “خور البودي” المتاخمة تماماً لمدينة الكرمك، ومناطق “بشير نوبو” و”خور رابو” وجبال “جروت” الشرقية والغربية. هذه المواقع قريبة لدرجة أنها تُرى بالعين المجردة من داخل أحياء الكرمك. وبينما أصدر الجيش بيانات تؤكد استعادة السيطرة على “جروت وبشير نوبو”، نفت قوات “تأسيس” ذلك، مؤكدة استمرار حصارها للمدينة، لتظل الحدود الإثيوبية (إقليم بني شنقول) هي المنفذ الوحيد المتبقي للمدينة.

التطور الأخطر، حسب خضر، هو استخدام سلاح المسيرات من كلا الطرفين دون وازع؛ فقد تعرضت مدينة الكرمك لهجمات ضارية تجاوزت الأهداف العسكرية لتصل إلى مناطق “بكوري” في قيسان وشمال الدمازين، مما خلف ضحايا مدنيين كثر. وعلى ذات النسق، استخدمت القوات المسلحة المسيرات لمهاجمة منطقة “شالي الفيل” ومدينة “يابوس” المكتظة بالمدنيين والنازحين، ما أسفر عن تدمير مواقع مدنية بالكامل وسقوط قتلى وجرحى، مما عمق الشعور بالخوف وانعدام الأمان.
أوضاع إنسانية بالغة السوء
يشير الناشط الاجتماعي بالولاية، حسن العاقب، إلى أن 80% من سكان مدينة الكرمك غادروا ديارهم، بسبب التصعيد العسكري وهجمات الطيران المسيّر، ويقول العاقب لـ(عاين):أن “الكارثة لا تقتصر على الرصاص، بل شملت توقف الأنشطة المعيشية مثل الزراعة والصيد”. ويشير إلى وجود 4500 أسرة وصلت إلى منطقة “أصوصا” داخل إثيوبيا في حالة ضياع إنساني، بينما لجأت 1900 أسرة أخرى إلى الدمازين. ويتابع: “المدينة تحولت إلى (مدينة أشباح) يسكنها الخوف، ولا يكسر صمتها إلا أزيز المحركات الجوية وشظايا المسيرات التي لم تترك زقاقاً إلا وطالته”.
يؤكد خضر أن التحركات العسكرية أوجدت أوضاعاً إنسانية “فوق الاحتمال”؛ فقد نزح حوالي 1500 مواطن من الكرمك إلى الدمازين ليقيموا في “معسكر الكرامة 6″، بينما عبرت مجموعات أخرى الحدود نحو إثيوبيا التي وضعت اشتراطات قاسية للدخول، مما جعل الآلاف في العراء. وفي اتجاه آخر، نزحت عائلات نحو دولة جنوب السودان إلى معسكرات متهالكة لا تقوى على استيعابهم.

وتكشف الناشطة السياسية، منى بلة لـ(عاين) عن تفاصيل مؤلمة لرحلات النزوح؛ حيث فر حوالي 4 آلاف نازح من منطقة “السيلك” نحو الدمازين مشياً على الأقدام، خوفاً من استهداف المسيرات لأي تجمع متحرك. وتتطرق بلة إلى مأساة العائدين من جنوب السودان، حيث شهدت المنطقة عودة 500 أسرة في رحلة نزوح “عكسية” اضطرارية نتيجة تردي الأوضاع في معسكرات اللجوء بدولة الجنوب وانعدام الغذاء، ليدخلوا السودان ويجدوا المسيرات بانتظارهم.
فيما يقول الأمين العام لمبادرة مجتمع مدني – النيل الأزرق، علي هجو لـ(عاين): “الناس في جنوب الكرمك يتعرضون لانتهاكات ترقى لجرائم الحرب. لدينا أكثر من 6,000 مواطن عالقين على الأسلاك الشائكة للحدود الإثيوبية، يمنعون من الدخول، ولا يستطيعون العودة”.
ويكشف هجو، عن دخول أكثر من 12,000 مواطن عائدين من جنوب السودان بعد عقود من اللجوء، وهم الآن يفترشون الأرض، ويعانون انعدام الماء والغذاء. ويضيف هجو: “هذه الحروب قديمة، لكن المدنيين اليوم يسكنون في قطاطي قشية لا تقيهم ضربات المسيرات، والأطفال يواجهون الموت وسوء التغذية. نحن بحاجة إلى هدنة إنسانية شاملة ووقف فوري لآلات القتل الجوية”.





























