دارفور .. إغاثة في قبضة الوكالة الإنسانية التابعة للدعم السريع
عاين– 5 مارس 2026
الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية، اسم برز مع اندلاع الحرب الحالية، كإحدى الواجهات التابعة لقوات الدعم السريع، ومع مضي الوقت أصبحت متحكمة في الغذاء والعمل الطوعي، وفرضت قيودا واسعة أعاقت وصول المساعدات الإنسانية للسكان في مناطق سيطرة الدعم السريع في غرب السودان، مما اعتبره متطوعين استخداما للغذاء كسلاح حرب ضد المدنيين في تلك المناطق.
وتتحكم الوكالة في المطابخ المجانية، وتقيد حركة المنظمات والمبادرات الطوعية، الأمر الذي أدى إلى غياب “التكايا” عن مختلف المناطق في دارفور بما في ذلك مدينة نيالا التي تتخذها حكومة تحالف تأسيس عاصمة لها، بينما توقفت بعضها عن العمل بسبب القيود، مما أدى إلى اتساع رقعة الجوع وانتشار الأمراض المرتبطة به، كسوء التغذية وفقر الدعم الحاد “أنيميا” لا سيما معسكرات النازحين في إقليم دارفور، وفق متطوعين.
وبحسب شهادات جمعتها (عاين)، فإن الوكالة السودانية للإغاثة، تفرض منح تصاريح مرور للمنظمات والمبادرات الطوعية للوصول إلى المحتاجين في المخيمات، وتمارس ابتزازاً شديداً على المتطوعين، كما تطلب مبالغ مالية في بعض الأوقات مقابل السماح بمرور الغذاء، بينما تسمح بوصول المساعدات إلى بعض المناطق، وتصرح للأشخاص المرتبطين عرقياً بالعاملين في الوكالة الإغاثية التابعة لقوات الدعم السريع.
ومن نيالا في جنوب دارفور، يروي أبكر أحمد، وهو كادر ميداني يعمل في إحدى المنظمات المحلية، كيف تحولت المدينة إلى سجن كبير يفتقر لأدنى مقومات البقاء، وتكاد تخلو تماماً من المطابخ الجماعية المجانية “التكايا”، ليس بسبب نقص الرغبة في العمل التطوعي، بل لأن الأوضاع الأمنية باتت لا تسمح بأي تجمعات مدنية في ظل التهديد المستمر من الطائرات المسيرة التي لا تفرق بين هدف عسكري ومدني، بالإضافة إلى انتشار عصابات النهب المنظم التي تستهدف أي نشاط إغاثي علني وسط المدينة.
ويوضح أبكر خلال مقابلة مع (عاين) أن هذا الوضع الأمني المتردي دفع المنظمات للاعتماد على توزيع السلال الغذائية أو التحويلات النقدية للوصول إلى المحتاجين، لكن حتى هذه الوسائل لم تسلم من تدخلات الوكالة السودانية للعمليات الإنسانية، حيث يشكو العاملون من أن الوكالة تفرض قيوداً صارمة ومجحفة على حركة المنظمات، ولا تمنح تصاريح التحرك إلا لمن يمتلكون علاقات اجتماعية نافذة أو واسطة مباشرة داخل أروقتها، مما حول العمل الإغاثي إلى امتياز يُمنح للموالين، ويُحجب عن المستحقين، في تكريس واضح لمنطق المحسوبية الذي نخر عظم المؤسسات السودانية لعقود طويلة، حسب وصفه.
أداة لحجب الطعام
وجرى الإعلان عن الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية، بواسطة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان حميدتي في أغسطس 2023م، حيث قال وقتها إنها كيان الهدف منه تسهيل وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين في المناطق الخاضعة إلى سيطرة قواته، لكن سرعان ما تحولت إلى أداة لحجب الطعام عن المواطنين، وفق شهادات جمعتها (عاين).
المنظمات الإنسانية ينبغي أن تحصل على إذن وتصريح من الوكالة السودانية للعمليات الإنسانية في نيالا، لكن الوكالة ترفض الطلبات على الدوام دون إبداء أي أسباب واضحة
عامل إنساني
يشير عامل في المجال الإنساني بدارفور تحدث مع (عاين)، إلى إن المنظمات الإنسانية ينبغي أن تحصل على إذن وتصريح من الوكالة السودانية للعمليات الإنسانية في نيالا قبل التحرك إلى المناطق المتأثرة لتقديم المساعدات، لكن الوكالة ترفض الطلبات على الدوام دون إبداء أي أسباب واضحة، وهي بيروقراطية وتعنت تسبب في إعاقة وصول المساعدات، فبالتالي تحولت إلى أداة لاستخدام الغذاء كسلاح من قبل قوات الدعم السريع، وقادت هذه الممارسات إلى تفاقم الأزمة الإنسانية والجوع في غرب السودان.

قيود الوكالة السودانية للعمليات الإنسانية لم تؤثر فقط على الوضع الغذائي، بل امتدت تداعياتها إلى الوضع الصحي في إقليم دارفور؛ مما تسبب في ظهور بعض الوبائيات، وتؤكد الناشطة في العمل الإنساني رشيدة عبد الحكم أن مراكز تغذية الأمهات الحوامل والأطفال دون سن الخامسة وصلت إلى حافة الانهيار التام. وتقول رشيدة لـ(عاين): إن “غياب المسارات الآمنة وتعمد تأخير التصاريح من قبل سلطات الأمر الواقع أدى إلى انقطاع حصص الدعم الغذائي العلاجي تماماً، مما تسبب في زيادة مخيفة لحالات الوفيات بين الأطفال الرضع في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع”.
ولفتت رشيدة، إلى أن الانفلات الأمني والنهب الممنهج الذي تتعرض له الإمدادات الطبية لا يمكن فصله عن غياب الإرادة السياسية لدى الوكالة السودانية في حماية العاملين، بل إن الصمت المريب للوكالة تجاه عمليات السطو المسلح التي تستهدف مخازن المنظمات الدولية يوحي بنوع من التواطؤ الذي يخدم أجندات قوى السلاح، حيث يتم تحويل الأدوية المنقذة للحياة من المستشفيات العامة إلى عيادات خاصة تابعة للمليشيات أو بيعها في الأسواق الموازية بأسعار تفوق قدرة المواطن المنهك، حسب وصفها.
لا يتوقف الأمر عند تقييد وصول المساعدات، لكن الأخطر من ذلك هو اتباع الوكالة السودانية للإغاثة تتبع معايير جهوية ومحسوبية عرقية في منح التصاديق للمنظمات المحلية المعنية بتوزيع المساعدات الإنسانية، مع إقصاء الآخرين، وذلك بحسب ما نقله عضو غرفة الطوارئ بولاية وسط دارفور هاشم محمد لـ(عاين).

وسائل ابتزاز
ويضيف هاشم: أن “البيروقراطية التي تمارسها الوكالة السودانية في منح تصاريح عبور القوافل بين ولايات دارفور أصبحت وسيلة لابتزاز المنظمات الميدانية، حيث يضطر البعض لدفع جبايات غير رسمية أو تقديم حصص من المساعدات لجهات مسلحة مقابل السماح لها بالمرور، هذا الواقع المرير جعل العمل الإنساني في وسط دارفور محفوفاً بالمخاطر القاتلة، حيث يضطر المتطوعون لاتخاذ طرق ترابية وعرة وطويلة لتجنب نقاط التفتيش التي تفرضها الوكالة أو المليشيات المتحالفة معها، مما يرفع من تكلفة النقل، ويقلل من كمية الغذاء التي تصل إلى المحتاجين”.
ومع تراجع الأوضاع الإنسانية في إقليم دارفور، بدت الأحوال في مخيمات النازحين التي تحولت إلى سجون مفتوحة للموت البطيء، وذلك وفق تعبير النازحة في مخيم المنار، بلحة حسن عمر خلال حديثها مع (عاين).
وتروي هذه النازحة بمرارة كيف أن الأطفال يواجهون برد الشتاء القارس بصدور عارية وبطون خاوية، وتؤكد أن آخر حصة غذائية وصلت للمعسكر كانت قبل أكثر من شهر، ولم تكفِي سوى لعدد محدود جداً من الأسر، بينما تركت مئات العائلات تواجه مصيرها المحتوم مع الجوع والمرض، هذه الفجوة الهائلة في التوزيع ليست ناتجة عن نقص الموارد العالمية فقط، بل عن سوء الإدارة المتعمد وتغول المحسوبية في أبهى صورها، حيث تتدخل القيادات المحلية والمشايخ المرتبطون بالوكالة السودانية في كشوفات المستحقين لتُشْطَب أسماء وإضافة أخرى بناءً على الولاء القبلي أو السياسي، مما يخلق حالة من الاحتقان الاجتماعي والتوتر داخل المعسكرات، وفق حديثها.
من جهتها، تقول المتطوعة بغرف الطوارئ في دارفور، فاطمة محمد آدم قوني: إن “انقطاع الدعم عن المطبخ الجماعي لستة أشهر متواصلة كان كفيلاً بتحويل معسكر المنارة إلى بؤرة للمجاعة الحقيقية، ورغم كل المناشدات التي وجهت للوكالة السودانية للعمليات الإنسانية، إلا أن الاستجابة كانت دائماً تصطدم بوعود زائفة أو مبررات أمنية واهية تخفي خلفها رغبة في حصار هذه المجتمعات وتجويعها”.
وتشير قوني في مقابلة مع (عاين)، إلى أن معسكر المنار يضم اليوم أكثر من ألف وخمسمائة أسرة، أي ما يعادل قرابة ثمانية آلاف نسمة، بينهم فئات في غاية الهشاشة من أطفال وكبار سن وذوي إعاقة، وتؤكد بأسى أن انقطاع الدعم عن المطبخ الجماعي دام لستة أشهر كاملة، والآن بدأوا بتقديم دعم بسيط للغاية ولمدة خمسة عشر يوماً فقط عبر منظمة NPA، وهي فترة لا تكاد تسمن ولا تغني من جوع بالنظر إلى حجم المأساة.
الوكالة السودانية للعمليات الإنسانية التابعة للدعم السريع تعتذر عن الرد حول استفسارات (عاين)
وتناشد فاطمة الجهات المختصة والمنظمات الدولية بضرورة دعم المطبخ لضمان استمراريته وتوفير خدمات المياه والتعليم والصحة، خاصة وأن المنطقة تقع في عزلة جغرافية بعيدة عن مستشفيات المدينة، مما يجعل أي حالة طارئة بمثابة مشروع وفاة مؤجلة.

الوكالة ترفض الرد
تواصل محرر (عاين) مع مسؤولي الوكالة السودانية للعمليات الإنسانية والإغاثة، عبر البريد الإلكتروني، ومن خلال رسائل عبر تطبيق واتساب للرد على هذه الاتهامات المتعلق بفرض قيود على وصول المساعدات الإنسانية واستخدام الغذاء كسلاح، وبعد انتظار أسبوعين، رفضت الوكالة الرد عبر من راسل محرر شبكة (عاين) وكتب الرد التالي “نعتذر عن المشاركة معكم، ونتمنى لكم التوفيق- خراشي”.
واجهة دعائية
الخبيرة في شؤون الإغاثة سارة موسى، ترى أن دارفور تشهد ولادة اقتصاد حرب متكامل الأركان ينتعش على أنقاض الدولة المنهارة، حيث تصبح المساعدات الإنسانية جزءاً حيوياً من الدورة الاقتصادية للمليشيات والقوى المسيطرة، وتوضح سارة أن الوكالة السودانية للعمليات الإنسانية، برفضها التام لمبدأ الشفافية، وتعمدها تأخير التصاريح، تساهم في خلق ندرة مفتعلة ترفع من قيمة السلع في السوق السوداء التي يديرها تجار الحرب المقربين من السلطة.
وتضيف سارة خلال مقابلة مع (عاين) أن الادعاء بوجود إدارات مدنية هو مجرد واجهة دعائية لتشريع الجبايات والسطو المنظم، ففي غياب المؤسسات الرقابية المستقلة والنيابات الفاعلة، تصبح الوكالة السودانية هي الخصم والحكم في آن واحد، وتتحول المساعدات الدولية إلى مادة خام لتمويل الشبكات المسلحة عبر فرض الرسوم المرتفعة والمصادرات الجزئية تحت مسميات تأمين القوافل.
الحل لا يكمن في مجرد إرسال المزيد من الشحنات الإغاثية التي سيتم نهبها أو عرقلتها أو بيعها في الأسواق، بل في كسر احتكار الوكالة للعمل الإنساني
خبيرة في شؤون الإغاثة
وشددت أن الحل لا يكمن في مجرد إرسال المزيد من الشحنات الإغاثية التي سيتم نهبها أو عرقلتها أو بيعها في الأسواق، بل في كسر احتكار الوكالة للعمل الإنساني وفتح ممرات آمنة تحت حماية دولية، وبدون ذلك ستظل الوكالة السودانية للعمليات الإنسانية مجرد واجهة لإدارة الجوع وتحويل أنين الضحايا إلى أرقام في حسابات أمراء الحرب، بينما يظل تاريخ دارفور يسجل بمداد من الألم هذه الحقبة السوداء التي صار فيها الغذاء سلاحاً والمحسوبية قدراً والشفافية تهمة تتهرب منها المؤسسات التي تدعي زوراً خدمة الإنسان.
وتابعت “الواقع في نيالا وزالنجي ومعسكر المنار يصرخ بضرورة التحرك العاجل، فالمجاعة ليست صدفة في دارفور، بل هي صناعة محلية بامتياز، تشارك فيها البيروقراطية الفاسدة جنباً إلى جنب مع فوهات البنادق، مما يجعل من المهمة الإنسانية اليوم معركة حقيقية من أجل استرداد الحق في الحياة بعيداً عن كشوفات الولاء ومنطق الجبايات الذي بات يحكم كل شيء في الإقليم الجريح”.



































