“غرس ما بعد الحريق”… هل تعود غابة السنط بالخرطوم إلى الحياة؟
عاين- 19 يوليو 2026
عند مقرن النيلان الأزرق والأبيض في مشهد ظل لعقود أحد أبرز ملامح العاصمة السودانية الخرطوم، كانت غابة السنط تؤدي دوراً يتجاوز كونها مساحة خضراء. فقد شكّلت حاجزاً بيئياً يحمي ضفاف النهر، وملاذاً للطيور والكائنات البرية، ورئةً طبيعية تخفف وطأة الازدحام في قلب العاصمة.
لكن منذ اندلاع الحرب في السودان في منتصف أبريل 2023، تبدّل المشهد على نحو جذري. ودفع انقطاع الكهرباء والوقود كثيرين إلى الاحتطاب بحثاً عن مصدر للطاقة. وبين الدمار العسكري والاستنزاف البشري، تتسارع خسارة واحدة من أهم الغابات النيلية في السودان، في صورة تختزل ما يمكن وصفه بحرب موازية على البيئة. ومع ذلك، لا يخلو المشهد من محاولات للمقاومة؛ إذ يقود شباب وفنانون وباحثون مبادرات لإحياء غابة السنط واستعادة دورها البيئي، في مسعى لإنقاذ ما تبقى من رئة الخرطوم قبل أن يبتلعها الخراب بالكامل.
ضرر بالغ
تمثل غابة السنط بالخرطوم، التي تبلغ مساحتها الإدارية والتاريخية نحو 1500 هكتار (ما يعادل نحو 473 فداناً وفقاً لسجلات الهيئة القومية للغابات)، وتشكّل أشجار السنط النيلي، القادرة على التكيف مع الغمر الموسمي لمياه النيل الأبيض، العمود الفقري لهذا النظام البيئي الفريد. وعلى مدى عقود، أدت الغابة دوراً يتجاوز كونها مساحة خضراء؛ إذ عملت على تنقية هواء العاصمة، وخفض درجات الحرارة، وامتصاص الغازات الدفيئة، كما وفرت مأوى للطيور المائية والمهاجرة، ما أكسبها اعترافاً دولياً ضمن اتفاقية رامسار للأراضي الرطبة ذات الأهمية العالمية.
غير أن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 غيّرت ملامح هذا المشهد البيئي. فقد تعرضت الغابة ومحيطها لأضرار واسعة نتيجة العمليات العسكرية، بينما امتدت آثار النزاع إلى مرافق البحث العلمي والغابات المجاورة، في وقت أسهمت فيه الحرائق والانفجارات في إتلاف أجزاء من الغطاء النباتي وإضعاف قدرة النظام البيئي على التعافي.
ولم يتوقف الضرر عند فقدان الأشجار، بل امتد إلى التربة والمياه. فوفقاً لدراسة أجراها مركز معتصم نمر للثقافة البيئية، أدت حرائق المعارك واستخدام الأسلحة الثقيلة إلى ترسب غبار كيميائي ومعادن ثقيلة ومخلفات ذخائر غير منفجرة في البيئة المحيطة. كما وثق المرصد الدولي للصراعات والبيئة وقوع نحو 401 حادثة مرتبطة بمخاطر التلوث البيئي في المناطق الصناعية بالخرطوم حتى مطلع عام 2024، وهو ما أثار مخاوف بشأن تلوث التربة والمجاري المائية، فضلاً عن اضطراب الحياة البرية، ودفع بعض الحيوانات والزواحف إلى مغادرة مآويها الطبيعية والاقتراب من المناطق السكنية.
حطب النجاة
وراء جبهات القتال الساخنة، يحرك الدمار البيئي محركٌ اقتصادي أشد فتكاً بالغطاء الغابي: أزمة الطاقة المستعصية. فمع توقف مصفاة الجيلي للنفط وانقطاع التيار الكهربائي الطويل وشح غاز الطهي، لم يجد ملايين السودانيين والنازحين الفارين إلى ولايات القضارف والجزيرة وسنار وكسلا بديلاً لتأمين وقود الطهي اليومي سوى اللجوء إلى حرق الأشجار.

هذا التحول حوّل عملية قطع الأشجار من نشاط معيشي فردي واضطراري إلى تجارة سوداء واسعة ومربحة تدار ليلاً. ويحمل الدكتور طلعت دفع الله عبد الماجد، أحد أبرز خبراء الغابات في السودان، جهات متعددة مسؤولية هذا التجريف المنظم؛ إذ يشير إلى أن الاعتقاد السائد بأن المواطنين والنازحين وحدهم من يقطعون الأشجار غير دقيق، مؤكداً تورط قوات نظامية وميليشيات وحركات مسلحة في تيسير ونقل وتوزيع الأخشاب والفحم بلا رقابة حكومية.
وتكشف تقديرات مشتركة أعدتها الهيئة القومية للغابات بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن وتيرة إزالة الغابات في السودان تطلق حاليّاً ما يزيد على 9.3 مليون طن من ثنائي أكسيد الكربون سنويّاً، بينما يضيف تدهور الغابات 1.6 مليون طن إضافية. هذا الفقد المتسارع للأحزمة الشجرية الخضراء يضعف مقاومة التربة لزحف الرمال، ويفاقم وتيرة العواصف الترابية، ويرفع درجات الحرارة الحضرية بوضوح.
أحلام التنمية
إن تحليل الحالة بين ما قبل الحرب وما بعدها يظهر فداحة ما خسره السودان بيئيّاً. قبل أبريل 2023، كانت غابة السنط بؤرة لخطط خضراء دولية طموحة؛ إذ أطلقت الهيئة القومية للغابات بالشراكة مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة وبتمويل معتمد منذ عام 2021 من المرفق العالمي للبيئة مشروع “النهج الطبيعي لاستعادة الغابات النيلية وحفظ التنوع الحيوي”.
كان المشروع يهدف لإعادة تعمير الغابات النيلية المتدهورة في ولايات الخرطوم والجزيرة والشمالية، مع إدماج الإدارة المستدامة للغابات في السياسات الوطنية. وتضمن التخطيط آليات متطورة لتقييم وحساب الخدمات البيئية للغابات، مثل تخزين الكربون، وإرساء نظام للمدفوعات مقابل الخدمات البيئية عبر تنشيط مشاريع تربية النحل وإنتاج العسل.
لكن بمجرد اندلاع القتال، تجمدت قنوات التواصل، وتوقفت معظم التمويلات والشراكات الدولية، وتحولت الأولويات الوطنيّة والدولية من الإعمار البيئي والبحث العلمي إلى تقديم المساعدات الطبية والإغاثية العاجلة. غياب الرقابة الحكومية أعاد فتح الباب أمام المطامع العقارية والاستثمارية القديمة التي سعت طويلاً لاقتطاع وتجريف نحو 25% من إجمالي مساحة غابة السنط لإنشاء ملاعب غولف ومجمعات سكنية في منطقة المقرن، مما يهدد بتدمير النظام الهيدرولوجي للمنطقة الحساسة.
نثر البذور
رغم المعارك واستحالة الوصول الآمن لغالبية الغابات، تحاول الهيئات المحلية المتبقية الحفاظ على حد أدنى من المقاومة البيئية. ففي يوليو 2026، أطلقت وزارة الزراعة والثروة الحيوانية والري بولاية الخرطوم، عبر إدارة الغابات وبالشراكة مع مشروع استدامة الموارد الطبيعية وسبل كسب العيش، مبادرة استثنائية لمكافحة تدهور الموارد النباتية والغطاء الرعوي المتآكل بسبب الحرب.
وتضمنت المبادرة نثر حوالي 2.5 طن من بذور المراعي والأشجار المحسنة يدوياً وجوياً على مساحة تقدر بنحو 1250 فداناً في محليتي أم درمان وشرق النيل.
هذه الخطوات يرافقها حذر علمي؛ حيث يرى الناشط والخبير البيئي محمد الحاج علي، أن إعادة إحياء غابة السنط والغطاء النباتي عملية أكثر تعقيداً من مجرد زراعة آلاف الشتلات أو نثر بذور في العراء. ويوضح في إفادته لـ(عاين): “إن أشجار السنط النيلي ترتبط ارتباطاً وثيقاً وهيدرولوجيّاً بدورة فيضان النيل الأبيض؛ فإذا لم نقم بحماية قنوات ومجاري المياه وإيقاف التعديات والاحتطاب، فإن نسب نجاح أي تشجير ستظل ضئيلة وعاجزة عن الاستمرار”. ونبه محمد الحاج إلى ضرورة تقييم تربة الغابة للتأكد من خلوها من الملوثات الكيميائية الثقيلة الناتجة عن متفجرات الحرب.
يرى الخبير البيئي أن استعادة غابة السنط تتطلب خطة طويلة الأمد تتجاوز حملات التشجير الموسمية، وتستند إلى معالجة الأسباب التي قادت إلى تدهورها. ويقترح خارطة طريق تقوم على خمسة محاور رئيسية، تبدأ بإزالة مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة لضمان سلامة الموقع، يليها وقف جميع أشكال التعديات العمرانية والاستثمارية واسترداد الأراضي المخصصة للغابة.
كما يؤكد أهمية إعادة تأهيل النظام الهيدرولوجي للغابة، بما يشمل المصارف والممرات المائية المرتبطة بفيضانات النيل، باعتبارها عنصراً أساسياً في استدامة النظام البيئي. ويدعو أيضاً إلى إعادة زراعة الأنواع النباتية المحلية، وفي مقدمتها أشجار السنط الأصلية، بدلاً من الأنواع الدخيلة التي قد تؤثر في التوازن البيئي.
ويشدد الخبير على أن نجاح أي مشروع لإحياء الغابة مرهون بإشراك المجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني في الحماية والإدارة، قائلاً: “نجاح استعادة الغابة لا يُقاس بعدد الأشجار التي تُزرع في الموسم الأول، وإنما بقدرتها على البقاء والنمو عبر العقود.”
مبادرات
في مقابل الجهود الرسمية، بدأت مبادرات شبابية تتشكل لإحياء غابة السنط، مستندة إلى العمل التطوعي والرؤية العلمية. ومن بين هذه المبادرات تبرز مبادرة أطلقها المهندس الكهربائي والفنان التشكيلي والناشط البيئي أباذر نور الدين عوض، الذي يصف نفسه بأنه محب للأرض والزراعة.

أطلق أباذر دعوة عبر صفحاته على منصات التواصل الاجتماعي لحشد متطوعين للمشاركة في جمع وغرس بذور وشتلات أشجار السنط داخل الغابة. ويقول في حديثه لـ(عاين) إن المبادرة لا تستهدف العمل بمعزل عن المؤسسات الحكومية، بل تسعى إلى التكامل معها. ويوضح: “وزارة الزراعة والغابات هي الجهة الأساسية القادرة على دعم هذا الجهد، من خلال تحديد المواقع المناسبة بيئياً للزراعة، وتوفير الشتلات والبذور من أصناف مختلفة من أشجار السنط، بما يضمن الحفاظ على التنوع الحيوي.”
ويرى أباذر، أن ما يمنح المبادرة قيمتها ليس مجرد الدعوة إلى التشجير، وإنما اعتمادها على أسس علمية في التنفيذ. ويقول: “لا أملك تفاصيل عن بقية المبادرات حتى أقارن بينها، لكن ما يميز مبادرتنا هو الالتزام بالمنهجية العلمية، والعمل بمشاركة وإشراف خبراء ومختصين في الزراعة، حتى نتجنب الأخطاء التي قد تؤثر على نجاح إعادة تأهيل الغابة.”
ويؤكد أن عامل الزمن يمثل تحدياً حاسماً، إذ بدأ موسم فيضان النيل بالفعل، وهو ما يجعل عمليات الغرس غير ممكنة خلال فترة ارتفاع المياه. لذلك، يضيف، يجري الاستعداد منذ الآن لبدء الزراعة فور انحسار الفيضان، حين تكون التربة الرسوبية الغرينية مشبعة بالرطوبة، وهي الظروف الطبيعية الأكثر ملاءمة لإنبات بذور السنط واستقرار الشتلات.
كيف تعافت غابات العالم بعد النزاعات؟
تقول خبيرة الغابات ريان سعد في مقابلة مع (عاين): إن “تجربة السودان في استعادة غابة السنط ليست استثناءً، دول عديدة خرجت من حروب ونزاعات بيئية أشد قسوة، لكنها تمكنت من إعادة بناء غاباتها عبر التخطيط والشراكة المجتمعية”. وتشير إلى أن رواندا أعادت إحياء غابة غيشواتي بعد أن تقلصت مساحتها بصورة كارثية، من خلال إشراك المجتمعات المحلية في حمايتها وتوفير التمويل الدولي، بينما نجحت إثيوبيا عبر مبادرة “الإرث الأخضر” في غرس مليارات الأشجار ورفع نسبة الغطاء الشجري خلال سنوات قليلة. كما تستشهد بتجربة كينيا في إنقاذ غابة كارورا عبر شراكة جمعت الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنين، وهو نموذج ضمن استدامة عمليات الحماية وإعادة التشجير.
وتضيف: “إذا كانت هذه الدول استطاعت تحويل الدمار إلى غابات تنبض بالحياة، فلا يوجد ما يمنع السودان من فعل الشيء نفسه. المطلوب أن نتوقف عن الاكتفاء بالحديث، وأن نبدأ العمل الفعلي على الأرض. استعادة الغابات تبدأ بغرس الأشجار، وبإرادة جماعية تجعل حماية البيئة مشروعاً وطنياً لا مجرد شعارات.”





















