موتى خارج السجلات.. بحث مضنٍ عن شهادة وفاة

عاين- 30 أغسطس 2026

تعيش السودانية عواطف محمد (اسم مستعار)، مع أطفالها الثلاثة، في العاصمة المصرية القاهرة، بينما لا تزال وفاة زوجها عالقة بين خبر تلقته عبر الهاتف ووثيقة رسمية لم تتمكن من استخراجها. كان زوجها يعمل في العاصمة الخرطوم عندما تلقت اتصالاً من هاتفه من شخص عرّف نفسه بأنه عسكري، وأبلغها بوفاته، من دون أن يقدم لها معلومات واضحة عن مكان الوفاة أو ملابساتها. بعد ذلك أُغلق الهاتف، وانقطعت عنها أي معلومات أخرى بشأن مصيره.

تقول عواطف لـ(عاين): “لم أعرف أين توفي زوجي ولا كيف حدثت الوفاة، وكل ما وصلني كان اتصالاً من شخص قال إنه عسكري وأبلغني بأنه توفي.”

منذ ذلك الوقت، تحاول عواطف تحويل خبر الوفاة إلى واقعة مثبتة في سجلات الدولة. وبسبب إقامتها خارج السودان ومسؤوليتها عن أطفالها الثلاثة، أوكلت شخصاً داخل البلاد لمتابعة استخراج شهادة الوفاة، لكن الإجراءات تعثرت بعد مطالبة الجهات المختصة بوجود شهود وتحديد مكان الوفاة بصورة دقيقة، وهي معلومات لا تملكها.

حالة عواطف ليست معزولة عن واقع أوسع خلفته الحرب في السودان. فبالنسبة إلى أسر أخرى، لم تكن المشكلة في الحصول على شهادة الوفاة فقط، بل في غياب المعلومات التي تسمح بإثبات الوفاة من الأساس. فقد دُفنت جثامين في مناطق القتال أو النزوح في ظروف استثنائية، بعضها من دون أسماء أو صور أو سجلات تحدد أماكن دفنها، فيما فقدت أسر أخرى الاتصال بأقاربها، ولم تعرف ما إذا كانوا أحياء أم أمواتاً.

ولا تقف معاناة هذه الأسر عند انتظار معرفة مصير ذويها، إذ تبدأ، حتى بعد وصول خبر الوفاة، معركة أخرى لإثباتها رسمياً. فالحرب عطّلت مؤسسات مدنية وصحية، وأضعفت قدرة الأسر على الوصول إلى المشارح والسجلات والشهود، لتصبح شهادة الوفاة في بعض الحالات حلقة مفقودة بين واقعة الموت والحقوق التي تترتب عليها.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة مع إحياء العالم في 30 أغسطس من كل عام اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الذي يسلط الضوء على مصير الأشخاص الذين تنقطع أخبارهم، ولا تعرف أسرهم ما إذا كانوا أحياء أم أمواتاً. وفي السودان، أضافت الحرب طبقة أخرى إلى هذا الغموض: أشخاص يُفقدون في مناطق القتال، وجثامين تُدفن بلا هوية، ومئات الأسر التي تملك روايات عن وفاة أقاربها، لكنها تفتقد الوثيقة الرسمية التي تحول تلك الروايات إلى واقعة مثبتة في سجلات الدولة.

وبينما تنتظر عواطف استكمال إجراءات شهادة وفاة زوجها، تكشف قصتها سؤالاً أكبر: ماذا يحدث عندما يموت شخص خلال الحرب، لكن لا تملك أسرته ما يكفي من الأدلة لإثبات وفاته؟

جثامين بلا أسماء

في حي الشجرة، جنوبي الخرطوم، لم يكن دفن الجثامين خلال المعارك دائماً إجراءً تتولاه المؤسسات المختصة. خلال الأيام الأولى للحرب، وجد أحد سكان المنطقة نفسه أمام جثامين متروكة في الشوارع والميادين، بدأت تتحلل وتنبعث منها روائح تهدد سكان الحي، بينما لم تكن هناك جهة قادرة على التعرف إلى أصحابها أو توثيق هوياتهم.

يقول أحد سكان الحي فضل حجب اسمه، أنه بقي في الشجرة خلال فترة القتال، لمدة ثلاثة أشهر، ويتابع لـ(عاين): إن “سكان المنطقة اضطروا إلى دفن عدد من الجثامين بعد تعذر معرفة أصحابها أو انتظار إجراءات رسمية للتعامل معها. بدأت الحكاية بجثتين بالقرب من أحد المنازل عند مدخل الحي، وبعد أن بدأتا بالتحلل وانتشرت رائحتهما، دفنهما السكان.

ومع اشتداد المعارك، خصوصاً بعد استهداف المدرعات، ازداد عدد الجثامين، بحسب إفادته، ويقول: “كانت هناك جثامين كثيرة، بينها جثامين لعناصر من الدعم السريع ومواطنين. وقال أفراد الجيش إنهم سيتولون تنظيمها، لكنهم لم يفعلوا. وعندما طلبنا منهم أن ندفنها، قالوا إنهم يستخدمونها لاصطياد عناصر الدعم السريع.”

ومع استمرار تحلل الجثامين وانتشار الروائح، تدخلت لجنة المنطقة وإمام المسجد، وطلبوا من السكان دفنها في الأماكن التي وجدت فيها، بحسب المواطن. وفي ميدان خلف منزله، كانت هناك نحو سبعة جثامين أخرى تحللت قبل أن يضطر السكان إلى دفنها، ويقول: “كانت الجثامين تتحلل في الميدان خلف المنزل، وكان عددها نحو سبعة، فاضطررنا إلى دفنها في المكان نفسه.”

في مثل هذه الظروف، لم يكن التعرف إلى هوية أصحاب الجثامين أولوية ممكنة دائماً. فبعض الجثامين تحللت إلى درجة أفقدتها ملامحها، بينما حالت المعارك وصعوبة الحركة وقتها دون تصويرها أو تسجيل أسمائها أو توثيق أماكن دفنها، ويقول المواطن: “لم تكن هناك صور ولا أسماء ولا أي تسجيل للجثامين. أحياناً كان التحلل قد أفقد الجثة ملامحها، وكانت الرائحة تنتشر في الحي كله، لذلك كنا نضع الجثمان في جوال أو نحفر في المكان نفسه وندفنه.”

وما جرى في الشجرة يعكس، بحسب روايات من مناطق شهدت القتال، واقعاً تكرر في بعض مناطق النزاع خلال الحرب، حيث اضطر السكان إلى دفن جثامين في الشوارع والميادين أو بالقرب من المنازل، وأحياناً داخلها، في ظل غياب المؤسسات أو صعوبة الوصول إليها. وفي تلك الظروف، كان الهدف الأول هو دفن الجثمان والتخلص من آثاره الصحية، بينما غاب في كثير من الحالات تسجيل الاسم أو تصوير الجثمان أو تحديد مكان الدفن أو إخطار جهة رسمية بواقعة الوفاة.

ومع مرور الوقت، تحولت عمليات الدفن التي فرضتها الضرورة إلى فجوة في التوثيق. فقد تفرقت الأسر، ونزح الشهود، واختفت معلومات كان يمكن أن تساعد لاحقاً في التعرف إلى الموتى وربطهم بذويهم. وهكذا أصبح البحث عن شخص فقد خلال الحرب لا يتعلق فقط بمعرفة ما إذا كان قد مات، وإنما أيضاً بمعرفة أين دُفن ومن يستطيع إثبات وفاته، وبحسب إفادة المواطن، لم تقتصر المشكلة على الجثامين مجهولة الهوية، إذ ظل عدد كبير من سكان المنطقة يبحثون عن أقارب فُقدوا خلال القتال من دون معرفة ما إذا كانوا أحياء أم أمواتاً، أو أين يمكن أن تكون جثامينهم قد دُفنت، ويقول: “هناك عدد كبير جداً من الناس فقدوا أقاربهم، ولم يعرفوا هل هم أحياء أم أموات، ولا أين دُفنوا.”

توثيق متطوعو مستشفى النو

أما في أم درمان، فقد كان المشهد مختلفاً جزئياً؛ الجثامين التي وصلت إلى مستشفى النو خلال الحرب لم تكن تُدفن فقط، بل حاول متطوعون في مبادرة متطوعي مستشفى النو قسم مجهولي الهوية الاحتفاظ بمعلومات يمكن أن تساعد عائلات المفقودين على معرفة مصير ذويها لاحقاً.

يقول المتطوع في المبادرة، علي جباي لـ(عاين): “العمل بدأ منذ الأيام الأولى للحرب، عبر تصوير الجثامين، وحفظ متعلقاتها الشخصية، وتسجيل تاريخ وصولها ومكان العثور عليها والظروف المحيطة بها، إلى جانب توثيق أماكن الدفن”، ويتابع: “منذ بداية المبادرة، وثقنا كل جثمان يصل إلينا بالصور والبيانات ومكان الدفن، وحفظنا المتعلقات الشخصية، حتى تكون لدينا معلومات يمكن الرجوع إليها إذا جاء أحد يبحث عن مفقود.”

اكتشاف مئات القبور المؤقتة في موقع دفن جماعي في قاعدة سابقة لقوات الدعم السريع شمالي الخرطوم. تصوير: مارك تاونسند/ صحيفة الغارديان

ومع استقرار عمل المشارح وبدء إصدار أذونات الدفن، أضيفت تلك المستندات إلى أرشيف المبادرة، بحسب جباي. وفي المراحل الأولى من الحرب، عندما كانت الأجهزة الشرطية والمشارح تعمل بصورة محدودة، كان المتطوعون يزودون الأسر بالمعلومات المتوفرة لديهم عن الجثامين ومواقع دفنها، لاحقاً، أصبحت المبادرة، بحسب جباي، معروفة لدى النيابة العامة، باسم إدارة المجاهيل، ما أتاح لها إصدار خطابات موثقة للأسر التي تعثر على بيانات مفقوديها في الأرشيف، ويقول: “إذا وجدنا بيانات المفقود في أرشيفنا، يرافق أحد المتطوعين الأسرة إلى النيابة العامة، أو نعطيها خطاباً رسمياً مختوماً من المبادرة، وبموجبه تستطيع استخراج شهادة الوفاة.”

ويشير جباي، إلى أن هذا النوع من التوثيق كان مرتبطاً بنطاق عمل المبادرة في أم درمان، ولم يكن نظاماً شاملاً يغطي بقية مناطق السودان التي شهدت الحرب، ويقول: “هذا التوثيق كان في أم درمان، أما بقية المناطق، فلم يكن فيها هذا الشكل من العمل الذي يحفظ بيانات الجثامين ومواقع دفنها.”

لا إجراءات خاصة للمتوفيين في الحرب

تجربة قسم مجهولي الهوية في مستشفى النو بأم درمان لم تكن متاحة لمعظم الأسر في المناطق التي دارت فيها المعارك، حيث دُفنت جثامين من دون توثيق أو سجلات يمكن الرجوع إليها. ومع غياب إذن الدفن أو أي وثيقة رسمية، تواجه الأسرة مساراً مختلفاً للحصول على شهادة الوفاة، وفقاً لشرطي يتبع للإدارة العامة للسجل المدني.

يوضح الشرطي الذي فضل حجب اسمه، أن إجراءات استخراج شهادة الوفاة تسير عبر مسارين أساسيين، بحسب الوثائق المتوفرة. ففي الحالات التي تملك فيها الأسرة إذن دفن رسمياً صادراً من المشرحة، يمكنها استخراج شهادة الوفاة مباشرة من السجل المدني. أما إذا لم يتوفر إذن دفن من المشرحة، فعلى الأسرة التوجه إلى النيابة العامة وتقديم ما لديها من معلومات وشهادات حول الوفاة.

ويشير، إلى أن هذا المسار ينطبق أيضاً على بعض الحالات التي يصل فيها خبر الوفاة إلى الأسرة من شخص آخر، من دون أن يكون أحد أفرادها قد شهد الوفاة أو الدفن. وفي هذه الحالة، يمكن لأحد أقارب المتوفى، مثل الأب أو الابن أو الأخ، أو أي قريب من الدرجة الأولى، التوجه إلى النيابة وشرح ما يعرفه عن الواقعة، ويقول: “إذا اتصل بهم شخص، وقال إن قريبهم توفي ودُفن في مكان معين، فعلى أحد أقاربه التوجه إلى النيابة، وشرح ما حدث لوكيل النيابة، وذكر اسم المتوفى ورقمه الوطني، وتاريخ فقدانه ومكان الدفن.”

لكن تقديم الإفادة إلى النيابة لا يعني بالضرورة إصدار شهادة الوفاة تلقائياً، إذ يُترك لوكيل النيابة، بحسب الشرطي، تقدير ما إذا كانت المعلومات والبينات المقدمة كافية لإصدار خطاب يسمح باستخراج الشهادة، ويقول: “وكيل النيابة هو الذي يُقدر ما إذا كان سيصدر لهم الخطاب أم لا، وهناك أيضاً إمكانية اللجوء إلى المحكمة واستخراج إعلام شرعي للمرحوم، ثم إرفاق المستندات المطلوبة.”

ويؤكد أن إدارة السجل المدني لا تضع إجراءات خاصة من تلقاء نفسه للحالات الناتجة عن الحرب، وإنما يعمل وفق الضوابط والإجراءات الرسمية الصادرة من رئاسة الشرطة، وبذلك، بالنسبة إلى أسرة مثل أسرة عواطف، التي وصلها خبر وفاة زوجها من دون أن تعرف مكان الوفاة، أو تملك شهوداً على الدفن، لا ينتهي الأمر عند وصول خبر الوفاة؛ بل تبدأ رحلة لإثباتها أمام الجهات الرسمية، وهي رحلة تصبح أكثر صعوبة كلما غابت الوثائق والشهود ومعلومات مكان الدفن.

تعقيدات

دون الإشارة إلى التوثيق لأي شيء يخص المتوفيين، التعقيدات في استخراج شهادة الوفاة لا تتوقف عند الإجراءات المطلوبة من السجل المدني أو النيابة العامة؛ فغياب الوثيقة يمكن أن يفتح أمام الأسرة سلسلة أخرى من المشكلات المتعلقة بأموال المتوفى وحقوق ورثته، ويقول المحامي عبدالرحيم محمد، في مقابلة مع (عاين): إن “الأسرة التي لا تملك شهادة وفاة رسمية قد تواجه صعوبات في التعامل مع الحسابات المصرفية، والمعاشات، والممتلكات والعقارات المسجلة باسم المتوفى، فضلاً عن بعض الإجراءات المرتبطة بالأطفال”. ويقول: “غياب شهادة الوفاة لا يعني فقط غياب ورقة رسمية، بل يمكن أن يوقف عدداً من حقوق الأسرة، خاصة ما يتعلق بأموال المتوفى ومعاشه وممتلكاته.”

ويوضح عبد الرحيم، أن الوصول إلى أموال المتوفى لا يتوقف على شهادة الوفاة وحدها، إذ تتطلب إجراءات التركة مستندات قانونية أخرى، من بينها إعلام الوراثة وأمر قسمة التركة، كما أن التصرف في العقارات والممتلكات المسجلة باسم المتوفى يحتاج إلى استكمال الإجراءات القانونية الخاصة بالتركة.

“المشكلة تصبح أكثر تعقيداً عندما تكون الوفاة قد حدثت في منطقة حرب، لا تتوفر الوثائق الرسمية من الأساس. وفي هذه الحالات، قد تعتمد الأسرة على إفادات لجان الأحياء أو الإدارات الأهلية، وإفادات الأشخاص الذين شاركوا في الدفن، إلى جانب التقارير الطبية أو شهادات الشهود، لتقديمها أمام القضاء وإثبات الوفاة”. يقول عبد الرحيم ويضيف: “المستندات التي تصدرها لجان الأحياء أو غرف الطوارئ أو الإدارات الأهلية قد تكون هي الدليل الوحيد المتوفر للأسرة، لكنها لا تكفي وحدها أمام البنوك والمؤسسات، وقد تحتاج الأسرة إلى تقديمها أمام المحكمة لإثبات الوفاة.”

أما الحالات التي لا يُعثر فيها على جثمان أصلاً، فيميز عبدالرحيم، وفقاً لما أورده عن القانون السوداني، بين المفقودين من القوات النظامية الذين فُقدوا أثناء العمليات الحربية، والمدنيين المفقودين في الظروف الأخرى، إذ تختلف الإجراءات والمدد اللازمة لإعلان الوفاة قانونياً، ويشير إلى أن أسرة المفقود تظل خلال فترة الانتظار أمام قيود على التصرف في أمواله باعتبارها تركة، ما قد يضعها في وضع معيشي صعب، خصوصاً إذا كان المفقود هو مصدر الدخل الرئيسي للأسرة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *