تكاليف صيانة المنازل.. عقبة تواجه العائدين إلى الخرطوم
عاين- 28 أكتوبر 2026
بين تكاليف ترميم المنازل ونفقات النزوح، تواجه أسر في ولاية الخرطوم صعوبات مالية تحول دون عودتها إلى منازلها المتضررة والمنهوبة، في ظل أعباء إصلاح المباني واستعادة الخدمات الأساسية وتعويض ما فقدته من أثاث وممتلكات.
لم تكن معالجة فتحة السقف كافية لعودة أسرة “نور” إلى منزلها في حلفاية الملوك، شمالي الخرطوم بحري. بعد أن اخترقت دانة سقف المنزل، وسقطت داخل غرفتها، حيث احترقت الغرفة بالكامل، بينما امتد الضرر إلى جزء من الصالة. وبعد ذلك، فقد المنزل أثاثه وأجهزته الكهربائية التي تعرضت للسرقة.
في عام 2024، بدأ شقيق نور، الموجود في الخرطوم، إصلاح الفتحة وتنظيف المنزل، بتكلفة قالت “نور” لـ(عاين): إنها بلغت نحو أربعة مليون جنيه حينها. لكن إصلاح السقف لم يُنهِ المشكلة. فالمنزل الذي كان يفترض أن يستقبل الأسرة مجددًا أصبح يحتاج إلى تأثيث وتوفير الأجهزة الأساسية، بينما تعيش الأسرة في القاهرة بمصر، ويقيم والدا نور، وهما كبيران في السن، بعيداً عن منزلهما، تدفع الأسرة نحو خمسة آلاف جنيه مصري شهرياً للإيجار، وتحتاج إلى نحو عشرة آلاف أخرى للمعيشة والعلاج.
وبين تكاليف الإقامة خارج السودان واحتياجات المنزل، تفكر الأسرة في تأجير جزء من عقارها في السودان، واستخدام العائد لتجهيزه تدريجياً. وتؤكد نور أن أسرتها تريد العودة، لكن الرغبة وحدها لا تكفي لتوفير الأثاث والأجهزة الضرورية لبدء الحياة من جديد.

توضح حالة نور، جانباً من المعضلة التي تواجه أسراً سودانية تحاول العودة إلى منازلها في الخرطوم وأم درمان وبحري وجبل أولياء. فالأضرار لا تقتصر على المباني التي تعرضت للقصف أو الانهيار، بل تشمل أيضاً المنازل التي فقدت أبوابها ونوافذها وأسلاكها الكهربائية وأثاثها وأجهزتها، وتحتاج إلى إصلاحات تجعلها قابلة للسكن مجدداً.
بالنسبة إلى هذه الأسر، لا تعني العودة العثور على منزل قائم فحسب، بل تعني القدرة على دفع تكاليف الإصلاح، واستعادة الخدمات، وتأمين الحد الأدنى من مستلزمات المعيشة، مع مواصلة تغطية نفقات الحياة اليومية.
ترميم المنزل لا يعني إمكانية العودة
في الكلاكلة شرق، جوار إسكان الجمارك، تواجه أسرة ميادة حسن مشكلة تتجاوز إصلاح الأضرار المادية. تقول “ميادة” إن “منزل الأسرة تعرض لخسائر واسعة خلال الحرب، شملت تضرر السقف وفقدان الأبواب والنوافذ والأسلاك الكهربائية، إلى جانب سرقة الأثاث والأجهزة المنزلية”.
وتضيف لـ(عاين): أن “المنزل استضاف أشخاصاً نزحوا من مناطق أخرى داخل الخرطوم، بعد أن وعدوا شقيقها بالحفاظ عليه. واستمرت إقامتهم نحو ثلاث سنوات، بحسب روايتها. وعندما عاد والداها، وطلبا منهم المغادرة، نشأ خلاف انتهى بإجراءات قانونية ومحاكم، تكبدت الأسرة خلالها نفقات كبيرة قبل إخلاء المنزل”.

لم تتوقف خسائر الأسرة عند الأضرار التي لحقت بالمبنى. فهي تحتاج إلى إصلاح الكهرباء والحمامات، وتوفير النوافذ والأبواب، وتنظيف المنزل وطلائه، إلى جانب استبدال أجهزة ومكيفات وأثاث مفقود. وتقول ميادة إن الأسرة فقدت أيضاً ذهباً يبلغ 45 غراماً.
وتشير ميادة، إلى أن إصلاح منزل أسرتها قُدّر في حسابات سابقة بأكثر من ستة ملايين جنيه سوداني، لكن هذا التقدير لا يعكس بالضرورة تكلفة الإصلاح في الوقت الحالي، في ظل تغير أسعار مواد البناء وأعمال الصيانة. ولم تتمكن الأسرة حتى الآن من تحديد التكلفة الحالية اللازمة لإعادة تأهيل المنزل واستبدال الأبواب والنوافذ وإصلاح الكهرباء والحمامات، إلى جانب توفير الأثاث والأجهزة المنزلية التي فقدتها.
تقيم الأسرة حالياً في منزل جدها، وتقول ميادة: إن “أسرتها ترغب في العودة بعد إكمال الإصلاحات. لكن استعادة المنزل تتطلب أكثر من إصلاح ما تضرر في المبنى؛ إذ ينبغي أيضاً توفير الأثاث والأجهزة والخدمات الأساسية التي لا تستقيم الحياة اليومية من دونها”.
وفي أم درمان، بحي الصفوة، تصف فاطمة لـ(عاين) منزل أسرتها بأنه فقد معظم محتوياته خلال الحرب. وتقول إن: “الأبواب والسقوف والأثاث والأجهزة الكهربائية تعرضت للنهب، ولم تسلم سوى غرفة ذات سقف خرساني، بينما تحتاج بقية الغرف والمطبخ إلى أسقف جديدة”.
وتضيف: أن “الأسرة كانت قد أخفت أوراق الملكية والمستندات الثبوتية، ودفنت دراجة نارية داخل المنزل قبل مغادرته، لكنها وجدت أن الدراجة والأوراق قد سُرقتا، تقيم الأسرة حالياً في مصر”.
ترغب الأسرة في العودة، لكنها تربط ذلك بإصلاح المنزل وتحسن الوضع الأمني وتوافر مدارس مناسبة للأطفال. ويعني ذلك أن القدرة على ترميم الجدران والسقوف ليست وحدها ما يحدد موعد عودتها؛ إذ تحتاج الأسرة أيضاً إلى الاطمئنان إلى ظروف يمكن معها استئناف الحياة اليومية.
كم يكلف إصلاح منزل متضرر؟
تظهر إفادات الأسر تبايناً كبيراً في حجم الأضرار واحتياجات الإصلاح. ففي حلفاية الملوك، يقول محمود لـ(عاين): إن “نصف منزل أسرته في حلفاية الملوك بحري انهار جراء قصف، وأصبح العقار الوحيد الذي يملكه غير صالح للسكن”. ويضيف” أنه “فقد وظيفته خلال الحرب، ثم أمضى عاماً وثمانية أشهر في الاعتقال، وبعد الإفراج عنه بدأ البحث عن عمل، لكنه لم يتمكن حتى الآن من الحصول على وظيفة”.
ويقول محمود: “لا يوجد دخل ثابت، يساعدني إخواني في مصاريف المعيشة لأسرتي وإيجار منزل”. ويقدّر تكلفة إصلاح المنزل وإعادة توفير المياه والكهرباء بنحو 30 ألف دولار، وهو مبلغ لا تستطيع أسرته الصغيرة توفيره في ظل ظروفها الحالية.

ويضيف: أنه “لا يملك مصدر دخل يمكّنه من تمويل أعمال الترميم، بينما يظل منزله الوحيد غير صالح للسكن. ويربط إمكانية العودة بتوفير تكلفة الإصلاح، التي لا تقتصر على ترميم الأجزاء المنهارة، بل تشمل أيضًا إعادة الخدمات الأساسية إلى المنزل”.
في المقابل، قدّر المقاول القاسم الصديق في حديثه لـ(عاين) تكلفة إصلاح منزل يحتاج إلى أبواب ونوافذ وأعمال سباكة بنحو 30 مليون جنيه سوداني تقريباً. وقدّر ترميم مبانٍ تعرضت لأضرار كبيرة جراء الانفجارات وإعادة تأهيلها بنحو 55 مليون جنيه سوداني.
وذكر القاسم، أن الباب صيني الصنع يبلغ نحو 1.5 مليون جنيه، وشباك الألمنيوم نحو 1.2 مليون، والباب الحديد نحو 900 ألف، والشباك الحديد نحو 600 ألف. كما أشار إلى أن طن حديد التسليح تجاوز العشرة ملايين جنيه، وطن الأسمنت نحو مليوني جنيه، والألف طوبة نحو 350 ألفاً. وبحسب المقاول القاسم، تختلف تكلفة إصلاح المنازل بحسب مساحة كل منزل وحجم الأضرار التي لحقت به وطبيعة أعمال الترميم المطلوبة؛ إذ لا تتساوى كلفة إصلاح الأبواب والنوافذ والسباكة مع كلفة ترميم منزل تعرض لانهيار جزئي أو أضرار إنشائية كبيرة.
وفي سوق السجانة بالخرطوم، ذكر التاجر عمر محمد أحمد في حديثه لـ(عاين)، بعض أسعار مواد البناء بتاريخ 26 أكتوبر 2026. وذكر أن طن أسمنت عطبرة وأسمنت بربر يبلغ نحو 2.2 مليون جنيه، وأن لوح الزنك من نوع «أبو حصان»، بطول 16 قدماً وعيار 35، يبلغ 155 ألف جنيه، وذكر أن أسعار سيخ الأسعد تبلغ 980 مليون جنيه لمقاسي 4 و5 لينة، و990 مليون جنيه لمقاس 3 لينة، و11 مليون جنيه لمقاس 8 لينة. كما حدّد سعر المواسير بمقاسات مختلفة بين 80 ألف و125 ألف جنيه، وسلك الرباط بنحو 300 ألف جنيه للفة. وأشار عمر إلى أن الإقبال على شراء مواد البناء “ضعيف جداً”.























